اسلاميات - الإسلام اليوم - طريق الاسلام - مواضيع اسلاميه اسلاميات - الإسلام اليوم - طريق الاسلام - مواضيع اسلاميه - قنوات اسلاميه - مكتبات اسلاميه - احاديث - فتاوى - اقسام اسلاميه يهتم بشؤون الاسلام والمسلمين والقضايا الاسلامية

!!!!!! الرعاية الصحية في الاسلام !!!!!!!!!!

egy950 
!!!!!! الرعاية الصحية في الاسلام !!!!!!!!!!

!!!!!! الرعاية الصحية الاسلام !!!!!!!!!!


!!!!!! الرعاية الصحية الاسلام !!!!!!!!!!


!!!!!! الرعاية الصحية الاسلام !!!!!!!!!!

!!!!!! الرعاية الصحية الاسلام !!!!!!!!!!

الصحة والتكوين البشري

الرعاية الصحية في الاسلام

!!!!!! الرعاية الصحية الاسلام !!!!!!!!!!


قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز:
(يا أيّها الانسانُ ما غَركَ بِربّكَ الكريم* الذي خَلَقَكَ فسوّاك فَعَدَلَكَ* في أيّ صورة ماشاءَ ركّبك).(الانفطار/6 ـ 8)
(صُنْعَ الله الذي اتقنَ كُلَّ شيء).(النمل/88)
(لقد خَلقنا الانسانَ في أحسنِ تقويم). (التين/4)
وروي عن الرسول الكريم(صلى الله عليه وآله) قوله:
(نعمتان مكفورتان ـ مجهولتان ـ الامن والعافية).
كل مافي هذا الكون يشهد لبارئه بالحكمة والاتقان. والانسان جزء من عالم الطبيعة قد خُلق من تراب هذه الارض وانتظم تكوينه الجسمي وفق تشكيلة نظامية مذهلة.فالجسم البشري تصميم حياتي فريد في عالم المخلوقات،تعمل فيه الخلايا والاعضاء والاجهزة بدقّة وانتظام.
والاصل في نظام التكوين هو الصحّة والكمال والاتقان، لذلك ورد عن الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) تعريفه للعيب: (هو مازاد على الخلقة) أي كل مالم يكن من أصل الخلقة فهو عيب (نقص).
فقد خلق الله الانسان سالماً من العيوب والامراض والنقائص، وانّما يأتي المرض للانسان من اختلال نظام الجسم بسبب العوامل والمؤثّرات الخارجة على نظام التكوين، لذلك نرى القرآن الكريم يذكّر الانسان بنعم الله عليه، وبدقّة الصنع والحكمة والاتقان في الخلق، نقرأ ذلك واضحاً في قوله تعالى: (فسؤّاك فعدلك). (صنع الله الذي اتقن كل شيء). (لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم).فكلّ خلية وعضو وجهاز في جسم الانسان يعمل بدقّة واتقان ضمن أنظمة وأنشطة متناسقة متكاملة. فللخلية نظامها الخاص بها، وللعضو نظامه الخاص به، وللجهاز نظامه الخاص به أيضاً، وهي جميعها ينتظمها نظام موحّد وائتلاف وظيفي متكامل. وحين يصاب نظام الجسم بالخلل والاضطراب فانّه يمرض.
لذلك عرّف المرض بأنّه: (الخروج عن الاعتدال الخاص بالانسان)(1).

العناية بالجسم وسلامته
من خصائص الفكر والتشريع الاسلاميين هي الاتزان والاعتدال والتوازن أزاء الجسم والعقل والروح والنفس. فقد كانت عنايته بالجسم ورعايته للصحّة البدنية فائقة، لذا شرّع للبدن حقوقاً طبيعية أوجبها على الفرد نفسه، وعلى الدولة والهيئة الاجتماعية في حال عجز الفرد عن أداء واجباته تجاه البدن. فللبدن حقّ الطعام والشاب واللباس والعلاج والسكن، إضافة إلى الراحة والنوم والوقاية...الخ.
ويتحدّث القرآن عن الطعام والغذاء والعناية بحاجة الجسد فيثبت أنّ توفير الامن الغذائي حقّ للانسان، وأنّه جزء من نظام الوجود، وقد بينت الاية الكريمـة هذا المعنى بنصّها الذي تحدّث عن الارض والرزق فيها فقال:
(وقدّر فيها أقواتها في أربعة أيّام سواء للسائلين). (فصّلت/10)
وفي مورد آخر من كتاب الله نجد توضيحاً لهذه الحقيقة لادم أبي النوع البشري بقوله:
(إنّ لكَ ألاّ تجوع فيها ولا تعرى* وأنّك لا تظمأُ فيها ولا تضحى). (طه/118 ـ 119)
شرّع كلّ ذلك ووضع القوانين والانظمة اللازمة لتوفير الحاجة الغذائية للانسان، كأحكام الزكاة التي فرضت في الموادّ الغذائية، والقمح والشعير والتمر والزبيب والاغنام والابقار والابل كما فرضت في النقد واستحبّت في باقي الحبوب والثمار...الخ. وحمل القران على الذين يكنزون الذهب والفضّة والمال، ويحرمون الاخرين من التمتّع بما يحتاجونه من طعام وشراب، وسمّى الفقراء بالمحرومين، وأثنى على الذين يجعلون جزءاً من مالهم لحلّ مشاكل المحرومين فقال:
(وفي أموالهم حقّ للسائل والمحروم). (الذاريات/19)
ولكي لايتلاعب الجشعون وأعداء الانسانية بقوت الطبقات الفقيرة حرّم الاسلام احتكار الطعام، وأعطى الدولة والامرين بالمعروف والناهين عن المنكر والعاملين في حقول الحسبة صلاحية المنع من الاحتكار وإرغام المحتكر على عرض الطعام المحتكَر في الاسواق لتتوفّر المادّة الغذائية، وتنخفض الاسعار بكثرة العرض.
ومما نقرأ من توجيهات صحّية وعناية بالغذاء نكتشف عناية التشريع والفكر الاسلاميين بالثقافة الغذائية والتربية الصحّية، فنجد الحثّ على تناول الاطعمة والاغذية التي تحقق نموّ الجسم نموّاً صحّياً وتوفّر له المناعة ضدّ الامراض وعوامل الضعف.
ويمكننا أن نلخّص منهاج الاسلام وعنايته بالصحّة البدنية بالاتي:
1 ـ العناية بالتغذية وحثّ الابوين لاسيما المرأة الحامل والمرضع على تناول بعض الاغذية للحفاظ على صحّة الحمل واكسابه الصفة الجمالية، والتأكيد على العناية بغذاء الصبي لما للتغذية من أثر في صحّة الحمل وسلامة بنية الناشئة وجمال الصورة.
ونستطيع أن نلمس حقيقة حضارية هامّة،وهي أنّ اهتمام الاسلام بفقه الاغذية لايقل عن اهتمامه بفقه العبادة والتنظيم الاجتماعي،نجد ذلك واضحاً فيما ورد من روايات وأحكام(2).
وهناك عشرات التوصيات تتناول الفواكه والخضراوات وأنواع اللحوم والبقول، داعية إلى الاهتمام بتغذية البدن والحفاظ على التوازن الغذائي والبنية البدنية.
2 ـ تحريم المأكولات والمشروبات والممارسات الضارّة بصحّة الجسم، ولعلّ أبرز ما في المنهاج الاسلامي وفقهه الصحّي لحفظ الصحّة وتوفير الامن الصحّي هو تحريمـه للاطعمـة والاشربة والممارسات الضارّة بالجسم.
فقد حرّم الاسلام الخمر والمخدّرات والزنى واللواط والمساحقة وسمسرة الفواحش الجنسية والدم ولحم الخنزير وكثيراً غيرها، كما حرّم كل مامن شأنه الاضرار بالبدن عملاً بقاعدة (لاضرر ولاضرار) التي وردت في قول الرسول الكريم محمّد (صلى الله عليه وآله).
وفي جواب الامام الباقر (عليه السلام) لاحد سائليه نجد تحليلاً علمياً لحكمة الاباحة والتحريم، قال السائل: قلت: لم حرّم الله الخمر والميتة ولحم الخنزير والدّم؟ فقال:
(إنّ الله تبارك وتعالى لم يحرّم ذلك على عباده، وأحلّ لهم ماوراء ذلك من رغبة فيما أحـلّ لهم ، ولا زهـد فيما حرّمه عليهم، ولكنّه خلق الخلق فعلم ماتقوم به أبدانهم ، ومايصلحهم، فأحلّه لهم وأباحه لهم، وعلم مايضرّهم فنهاهم عنه، ثـمّ أحلّه للمضطرّ في الوقت الذي لايقوم بدنه إلاّ به).
وإذن فملاك الاباحة هو: (ماتقوم به أبدانهم، ومايصلحهم فأحلّه لهم). وملاك التحريم هو: (وعلم مايضرّهم فنهاهم عنه).وقد أثبتت الدراسات والابحاث العلمية أنّ أخطر أمراض البشرية المعاصرة سببها الخمر والممارسات الجنسية الشاذّة وغير المشروعة، كالزنى وغيره من أنواع الفساد الاخلاقي.ولعلّ كارثة الايدز أو مرض (السيدا) هو أفدح كارثة مرعبة تهدد حياة البشرية والتي سببها الممارسات الجنسية الشاذّة.أمّا أمراض الخمر والمخدرات وأضرارها الصحيّة فتعتبر من أفدح أنواع الامراض وأخطرها على الصحّة وسلامة المجتمع. وتلك الامراض لا تضرّ بالصحة وحسب بل وتضرّ بالوضع الاقتصادي والامني، فكثير من جرائم القتل والاغتصاب وحوادث السيّارات سببها الخمور والمخدّرات.وكم تبذل الدول والحكومات من جهود وأموال لمكافحة الخمر والمخدرات دون جدوى.
3 ـ النهي عن الاسراف: ومن الممارسات الخطرة على صحّة الجسم هو الاسراف في الطعام والشراب والجنس... الخ، فكثير من الامراض الجسدية سببها الشراهة والانسياق وراء الشهوة، والاسراف في تناول الاطعمة والاشربة، لذلك نهى القرآن عن الاسراف في الطعام والشراب وغيره، فقال تعالى: (كلوا واشربوا ولا تُسرِفوا).
وورد عن الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله):
(ما ملا ابن آدم وعاء شرّاً من بطنه).
كما ورد عنه (صلى الله عليه وآله)!!!!!! الرعاية الصحية الاسلام !!!!!!!!!!المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء).
وبهذه التشريعات الصحّية وتوعية الانسان أضرار الاسراف ونهيه عنه وضع الاسلام أبرز الوصايا للحفاظ على الصحّة، وهي وصايا الوقاية من المرض، عملاً بالحكمة المشهورة:
(الوقاية خيرٌ من العلاج).
4 ـ الحفاظ على الطهارة والنظافة: وبتشريع الطهارة والدعوة الى النظافة قد وضع الاسلام منهاجاً واسعاً لحماية الانسان والبيئة من التلوّث والقاذورات، ومصادر الاضرار بالصحّة. ويمكننا أن نلخّص المنهاج الاسلامي في هذا المجال في مرتكزين أساسين هما:
أ ـ لقد اعتبر الاسلام بعض الاشياء نجسة، وألزم بالتطهّر منها.
وهذه النجاسات هي المصدر الاكبر للجراثيم والميكروبات المرضية، كالغائط والبول وفضلات كثير من الحيوانات والميتة والدم والمني والاشياء المتنجسة بها...الخ، فتلك الفضلات والمواد تشكّل مصدر التلوّث والاصابة بالامراض. وبالتطهّر والتوقي منها نوفّر أسساً هامّة في الوقاية من الامراض وحفظ الصحّة.
ب ـ النظافة: تشكل النظافة مظهراً من أبرز مظاهر الانسان المتحضّر الذي يعني بصحّته وذوقه ومظهره، وجاء الاسلام ليحقق المصالح ويدرأ المفاسد، وفي مقدمة تلك المصالح حفظ صحّة الانسان والتسامي بذوقه ووعيه الصحّي والحضاري.
وتتركّز اليوم اهتمامات الانسان وبحوثه العلمية على حماية البيئة وحفظها من القاذورات ومصادر التلوّث التي أصبحت من أبرز مشاكل العصر. والالتزام بمنهاج الاسلام في النظافة والطهارة يحقق لنا حماية البيئة وحفظ الصحّة، والتخلّص من الامراض التي تنتج عن إهمال النظافة والتلوّث بالقاذورات، فقد جاء التأكيد على النظافة والدعوة إلى التخلص من القاذورات والاوساخ، نجد ذلك واضحاً في بيان القرآن الكريم:
(مايريدُ الله ليجعلَ عليكم من حرجً ولكن يُريدُ ليُطهّركُمْ وليُتمّ نعمتهُ عليكم لعلكُمْ تشكرون).(المائدة/6)
فبالتأمّل في آية الطهارة هذه نجد القرآن قد اعتبر التطهير من القاذورات اتماماً للنعم الالهية على الانسان التي تستحق الشكر، وذلك لانّ الطهارة إحدى مصادر الصحّة، والصحّة إحدى النعمتين اللتين ذكّر الرسول الكريم(صلى الله عليه وآله) الانسان بهما، بقوله:
(نعمتان مكفورتان ـ مجهولتان ـ الامن والعافية).
وفي التوجيه النبوي الشريف نجد الدعوة إلى التخلص من الاوساخ والقاذورات، وتحقيق النظافة في الملبس والبيت والبدن...الخ.
فقد جاء ذلك بقوله (صلى الله عليه وآله):
(تنظّفوا انّ الاسلام نظيف).
(انّ الله يبغض الوسخ الشعث).
(بئس العبد القاذورة).
5 ـ الرياضة: الرياضة مجموعة من الفعاليات والتمارين التي تصعّد قدرة البدن وقوّته وتحقق للانسان اللياقة البدنية كالسباحة وركوب الخيل والمشي والمصارعة وغيرها من الفعّاليات الاخرى.
ومثل هذا الاعداد الرياضي يزيد من قدرة الجسم على العمل والانتاج، كما يزيد من قدرته على مقاومة الامراض وظروف البيئة التي تتسبب بجلب الامراض.وقد مر ذكر الايات والاحاديث التي تثبت اهتمام الاسلام وتأكيده على الرياضة وتصعيد قدرة الانسان وقوته.
ومن الواضح في مبادي التشريع الاسلامي أن الرسول (صلى الله عليه وآله) قدوة في كل شيء وعندما يفعل شيئاً إنّما يثبت بذلك شريعة للبشرية ومنهجاً للعمل، مالم يكن ذلك الفعل خاصاً بشخص النبي الكريم(صلى الله عليه وآله).
6 ـ العمل والتخلص من الفراغ:
(فامشوا في مناكِبِها وكُلُوا من رزقهِ وإليهِ النُشور). (الملك/15)
في هذه الاية الكريمة حثّ القرآن الانسان على السعي في الارض لطلب الرزق والكسب الحلال،والسعي حركة وعمل،والحركة والعمل مصدران مهمّان من مصادر النشاط والقوّة.وجاء عن الرسول (صلى الله عليه وآله) قوله:
(العبادة سبعون جزءاً أفضلها طلب الحلال).
وجاء أيضاً:
(إنّ الله يبغض العبد الفارغ النوّام).
والعمل لايعطي فوائد اقتصادية وتنموية وحسب،بل ويحقق للانسان فائدة صحية أيضاً،فالعمل جهد عضلي،ينمّي قدرة الانسان وقوّته البدنية،ويكسبه صحّة وحيوية وقدرة عضلية تفوق في بعض جوانبها التمارين والنشاطات الرياضية.وكما أنّ للعمل آثاره الايجابية على بنية الجسم ولياقته الصحية،فانّ له تأثيره على الوضع النفسي للانسان،فكثير من مشاكل الانسان النفسية سببها البطالة والفراغ،فتنعكس حالات مرضية وآلام نفسية يتحوّل الكثير منها إلى آلام وأمراض جسدية.وكما يكون العمل مصدراً مـن مصـادر القوّة والنشـاط النفسي والجسـدي،فـانّ البطالـة والفراغ يكونان مصدراً من مصادر ترهل الجسم وضعفـه وانحلال قواه.
7 ـ العلاج والوقاية من الامراض: إنّ التشريعات والتوجيهات التي تحدثت عن الصحّة والوقاية والعلاج وحقوق البدن، تشكل مساحة واسعة من الفقه والثقافة والاداب الاسلامية وقد شدّدت الاحكام والوصايا الاسلامية على العناية بالبدن وحفظ الصحّة والمعالجة من الامراض إلى درجة الوجوب، إذا كان المرض لايزول إلاّ بالعلاج، لذا اعتبر الاسلام أنّ مايحتاجه الانسان للعلاج والرعاية الصحية لنفسه ولافراد أسرته من مصروفه السنوي المعفو من فريضتي الخمس والزكاة.
ولاهتمام الاسلام بالعلاج والتداوي اعتبر التشريع الاسلامي توفير الادوية والخبرات والمؤسسات الطبية في المجتمع واجباً كفائياً كما اعتبر العلاج واجباً عينياً على الطبيب المعالج الذي لايوجد غيره.
وإذا كان وجوب توفير الخبرات الطبّية واجباً على عموم أفراد المجتمع، فانّ معالجة النفس وبذل المال اللازم واجب عيني على الشخص لعلاج نفسه، ولعلاج من كلّف شرعاً بالنفقة عليه، كالزوجة والابناء الصغار والوالدين العاجزين عن النفقة، فإذا عجز عن ذلك أعطي من الفرائض المالية للتداوي والعلاج، وبالاضافة الى ذلك فان الدولة مكلّفة بتوفير العلاج ومستلزماته للمواطنين العاجزين عنه.
والاسلام ينطلق في وجوب العلاج من مبدأ أساسي في فهم الصحّة والمرض والعلاج ومن رؤيته العقيدية ونظرته الفلسفية العامّة للحياة.
فالفكر الاسلامي يؤمن بأنّ العالم بأسره هو عالم يقوم على أساس مبدأ العلية (مبدأ السبب والنتيجة) وفلسفة الترابط العام بين الاشياء، فهو عبارة عن سلسلة من الاسباب والنتائج، فالمرض نتيجة لاسباب وعلل، وانّ الشفاء منه يأتي لازالة تلك الاسباب والعلل بواسطة أسباب ووسائل أخرى (العلاج) وانّ العلاقة بين المرض والعلاج هي جزء من نظام الصراع القائم في عالم الطبيعة والاحياء وفي اطار الجسم البشري، والمرض في معظم حالاته هو جزء من هذا الصراع، لذا فانّ العلاج يسير وفق نظام الصراع وقانون العلّة والمعلول (السبب والنتيجة) وهذا الفهم العلمي نقرأه في ماورد عن الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) من ارشادات طبّية وأوامر بطلب العلاج.
وإنّ اللجوء الى العلاج يتفق والعقيدة الاسلامية التي تجمع بين الايمان بقانون العلّية الطبيعية والاعتماد على الله سبحانه. ذلك لانّ عمل العلل والاسباب الطبيعية يجري ضمن سياق القدر الالهي والاستعانة به، فالاسباب والعلل كما عبّر الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) عنها هي جزء من القدر الالهي.
لذا جاء الحث على العلاج والتداوي، وجاء توضيح العلاقة بين السببية العلاجية والقدر الالهي. فعن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله) انّه قال:
(ما أنزل الله داء إلاّ أنزل له شفاء)(3).
وعن جابر بن عبد الله الانصاري أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) قال:
(لكلّ داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء، برىء بإذن الله عزّوجلّ)(4).
وجاء في الاخبار:
(أنّ موسى بن عمران اعتلّ بعلّة فدخل عليه بنو إسرائيل فعرفوا علّته، فقالوا له: لو تداويت بكذا لبرئت. فقال: لا اتداوى حتى يعافيني الله من غير دواء. فأوحى الله إليه: وعزّتي وجلالي لاأبرئك حتى تتداوى بما ذكروه لك. فقال لهم: داووني بما ذكرتم فداووه، فبرىء. فأوجس في نفسه في ذلك فأوحى الله إليه: أردت أن تبطل حكمتي بتوكّلك عليّ، فمن أودع العقاقير منافع الاشياء غيري)(5).
وأخرج أحمد بن حنبل في مسنده أن أُسامة بن شريك قال:
(كنت عند النبي (صلى الله عليه وآله) وجاءت الاعراب فقالوا: يارسول الله أنتداوى؟ فقال: (نعم يا عباد الله تداووا، فانّ الله عزّوجلّ لم يضع داء إلاّ وضع له شفاء غير داء واحد)، قالوا: ماهو؟ قال: «الهرم»)(6)
وكما أمر بالعلاج والتداوي أوضح أنّ لكلّ مرض علاجاً غير أنّنا نجهله، لذا أوجب البحث عنه واكتشافه، جاء ذلك في قوله (صلى الله عليه وآله):
(إنّ الله عزّوجلّ لم ينزل داء إلاّ أنزل له شفاء، علمه من علمه، وجَهلَهُ من جَهلُهُ).
بل اعتبرت الشريعة الاسلامية كتم المرض وعدم بيانه للطبيب ليعالج معالجة دقيقة هو خيانة للبدن، لذا ورد الحديث عن الامام الصادق (عليه السلام): (من كتم عن الطبيب مرضه، فقد خان بدنه).
ولتشخيص العلاقة بين السببية العلاجية وبين القدر الالهي فلنقرأ مارواه أبو خزامة من الحديث النبوي الذي اعتبر العلاج من قدر الله سبحانه، قال: (قلت: يارسول الله أرأيت رُقى نسترقيها، ودواء نتداوى به، وتقاة نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئاً؟ فقال: «هي من قدر الله»)(7).
وهكذا يثبت الفقه الطبّي في الاسلام وجوب رعاية البدن وتوفير العلاج والامن الصحّي. وهذه القيم التشريعية، وهذا التفكير العلمي أوجد منهاجاً علمياً للبحث الطبّي فتقدّم الطبّ على يد العلماء المسلمين، وارتقى الى مستوى البحث العلمي والمنهجية التجريبية، واكتشاف النظريات الطبّية في الامراض والعلاج ونظام الجسم وتكوينه.
8 ـ وضع منهاج للصحّة النفسية: الحياة البشرية بمختلف جوانبها السياسية والاقتصادية والامنية والعقيدية والصحّة البدنية والنفسية والعلاقات الاجتماعية والعائلية..الخ، كلّ متكامل يؤثّر بعضها في بعض، ويتأثّر به، فالصحّة النفسية التي هي مصدر سعادة الانسان وشقائه يؤثّر فيها مجمل الوضع المحيط بالانسان. فالفقر والبطالة والارهاب السياسي وانعدام الامن ومشاكل الاسرة، كلّها عوامل تؤثّر على الصحّة النفسية سلباً أو إيجاباً. والمنهاج الاسلامي منهاج علمي متكامل أتقن في مختلف مجالاته ومعالجاته، وبشكل يحقق للانسان الصحة والطمأنينة النفسية، إضافة إلى منهاجه التربوي في مجال الحفاظ على سلامة الوضع النفسي من العقد والامراض النفسية. فقد كرّس الاسلام جانباً كبيراً من فكره وتشريعه لحماية الوضع النفسي من الخوف والقلق والحقد والانانية والحسد والغيرة عند المرأة...الخ.
وبذا رسم للنفس البشرية خطّ السير ومنهج الحركة الذي يحميها من الامراض التي تصيبها وتفتك بها وبالجسد عن طريقها.
9 ـ مكافحة الفقر: الفقر هو سبب خطر من أسباب المرض وفقدان الصحّة النفسية والجسدية، ولقد غدا الفقر رغم التقدّم العلمي والتطور الالي مشكلة الانسان الكبرى، ذلك لانّ تطوّر العلوم والصناعة لم يؤثّر في إصلاح الجانب الانساني والاخلاقي من الانسان، فكلّما تقدّم الوضع المادّي للانسان المتكبّر انهار وضعه النفسي والاخلاقي، فازداد ظلماً وجشعاً وحباً للمال وسيطرة على خبرات الانسان المستضعف، ممّا زاد في محنة الفقراء واتّساع مساحة الفقر.
ولعلّ من أبرز أمراض الفقر هو مرض سوء التغذية، وعدم توفّر الغذاء المتوازن صحيّاً للانسان.
فللجسم حاجته من البروتين والفيتامينات والنشويات والسكّريات والدهنيات...الخ، فما لم تتوفّر الحاجة الغذائية للجسم يصاب بالعديد من الامراض وضعف المقاومة وانهيار الصحّة والقوّة.
وعندما تحلّ مشكلة الفقر يتحقق القضاء على أمراض الفقر هذه.
وكما يفرز الفقر أمراضاً غذائية مباشرة بسبب سوء التغذية فانّه يتسبب في إضعاف المؤسسات والاجراءات الوقائية، وتوفير الحياة الصحّية للانسان أو انعدامها.
والاسلام عندما وضع منهاجه الاقتصادي راعى فيه توفير حاجة الانسان من الغذاء والسكن واللباس والدواء...الخ، وانقاذ المجتمع من الفقر.
والملاحظ في المنهاج الاقتصادي الاسلامي أنّ فريضة الزكاة تركّزت في الموادّ الغذائية، كالقمح والتمر والشعير والزبيب والحيوانات، إضافة إلى النقود، ممّا يوفّر الامن الغذائي، ويساعد على مكافحة أمراض سوء التغذيـة.
10 ـ الراحة والنوم: والجسم آلة حيّة مليئة بالحركة والفعّالية والنشاط فيصيبها التعب والارهاق، وما لم تحصل على الراحة واستعادة النشاط يصيبها العطب والانهيار والمرض.
وقدر الله سبحانه نظام النوم راحة للفكر والنفس والبدن، ولتنظيم الحياة البشرية. كما وضع قانوناً علمياً للعمل وبذل الجهد وللراحة، بشكل متوازن، فقال تعالى!!!!!! الرعاية الصحية الاسلام !!!!!!!!!!وَجَعلنا نَومَكُمْ سُباتاً* وَجَعلنا الليلَ لِباساً وَجَعلنا النهارَ مَعاشاً). (النبأ/9 ـ 11)
وبذا قسّم الوقت بين الراحة والعمل والحركة والنشاط.
وجاء في الارشاد النبوي الحثّ على التقليل من متاعب البدن، وقيمة الراحة، والحدّ من دوافع الطمع والجشع التي تدفع الانسان الى إرهاق جسمه وفكره ونفسه. فالارهاق سبب من أهم أسباب تعكير الحياة النفسية، والتوتر العصبي، إضافة إلى الاضرار بالجسم. كما انّ النوم والراحة هما أفضل وسيلة من وسائل العلاج العصبي، وإعطاء الجسم فرصة لاستعادة النشاط. نجد ذلك الارشاد في قول الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله)!!!!!! الرعاية الصحية الاسلام !!!!!!!!!!أجملوا في الطلب فانّ روح القدس نفث في روعي لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها).
وبهذا التنظيـم وتقسيم الوقت بين الراحة والجهد والعمل وضع الاسلام منهجـاً عملياً دقيقاً لحفظ الجسـم والنفس والفكر من الارهاق والمرض.


الامراض النفسية وأثرها في الصحّة الجسمية
إنّ من المسلّمات الاساسية في الفكر الاسلامي أنّ لكلّ من الجسم والروح والعقل والنفس كيانه ونظامه وعمله الخاصّ به، وانّ هذه العناصر يؤثّر بعضها ببعض، ويتأثّر به. وفي دراستنا الموجزة هذه نحاول أن نعطي تعريفاً مبسّطاً بالامراض النفسية وعلاقتها بالامراض الجسمية، وخطورة تلك الامراض، وصعوبة علاجها، حتى بعد نشوء نظريات التحليل النفسي ومحاولة اكتشاف منشأ المرض والعقد النفسية، والحالات المرضية التي يعاني منها مرضى النفس، وبيان قيمة الايمان بالله سبحانه وأثره في تحصين النفس البشرية من تلك العقد والامراض، وقدرته على معالجتها واصلاحها، فالنفس البشرية كما تفيد دراسات العلماء الاسلاميين هي كيان مجرّد عن الخصائص المادّية، وجهاز قائم بذاته، وهذا الجهاز هو كالجسم يصح ويمرض ويُعالج.
ولنستمع إلى الفيلسوف الاخلاقي الشيخ محمد مهدي النراقي أحد علماء الاخلاق (8) الاسلاميين، وهو يتحدّث عن النفس والجسم والاخلاق (الاوضاع النفسية) وما يصيب كلاً من الجسم والنفس من أمراض وخلل في نظام عمليهما، قال مسجلاً ذلك:
(اعلم انّ الانسان ينقسم إلى سرٍّ وعلن، وروح وبدن، ولكلّ منهما منافيات وملائمات، وآلام ولذّات، ومهلكات ومنجيات. ومنافيات البدن وآلامه هي الامراض الجسمانية، وملائماته هي الصحّة واللذات الجسمانية. والمتكفّل لبيان تفاصيلها ومعالجاتها هو علم الطب. ومنافيات الروح وآلامه هي رذائل الاخلاق التي تهلكه وتشقيه، وصحّته رجوعه إلى فضائلها التي تسعده وتنجيه، وتوصله إلى مجاورة أهل الله ومقرّبيه، والمتكفّل لبيان هذه الرذائل ومعالجاتها هو علم الاخلاق. ثمّ انّ البدن مادّي فان، والروح مُجرّد باق)(9).
ثمّ قال:
(لاريب في تجريد النفس وبقائها بعد مفارقتها عن البدن)(10).
ثمّ تحدّث موضّحاً:
(ماعرفت من تجرّد النفس إنّما هو التجرّد في الذات، دون الفعل لافتقارها فعلاً إلى الجسم والالة، فحدّها(11): أنّها جوهر ملكوتي يستخدم البدن حاجاته، وهو حقيقة الانسان وذاته. والاعضاء والقوى آلاته التي يتوقف فعله عليها. وله أسماء مختلفة بحسب اختلافات الاعتبارات، فيسمى «روحاً» لتوقف حياة البدن عليه، و«عقلاً» لادراكه المعقولات و«قلباً» لتقلبه في الخواطر)(12)
وهكذا يشخّص التحليل الفكري لدى علماء الاسلام عدّة حقائق متعلّقة بالنفس البشرية، وهي:
1 ـ إنّ النفس كيان مجرّد عن الخصائص المادية، كما أنّ الطاقة في مفهوم علم الفيزياء تختلف عن المادة.
2 ـ إنّ النفس هي حقيقة الانسان وذاته، وهي التي تسمى (الانا) فإذا قال الانسان: (أنا) انّما يقصد (النفس) هذا الكيان المجرّد الذي يشعر باللذة والالم ويدرك ويفكر ويكره ويحب ويخاف ويقلق ويغضب ويرضى ويريد ويرفض...الخ.
3 ـ إنّ الجسم آلة لتنفيذ مآرب النفس، فما تريده النفس وترغب به يتحرّك لتحقيقه عن طريق تحويل الصورة الفكرية إلى موقف إرادي وسلوك عملي. لذا فانّ النفس تؤثّر بالبدن، كما يؤثّر البدن في النفس، ومن هذه الالية يتحول كثير من المشاعر والتصوّرات الى حالات مرضية كالقلق والخوف والحبّ والكراهية...الخ فتؤثّر تأثيراً انفعالياً فيستجيب الجسم لتلك الانفعالات استجابات فسيولوجية، وتترك آثارها المرضية أحياناً على الجسم.
4 ـ إنّ النفس تمرض كما يمرض الجسد، ومرض النفس هو انحرافها عن خطّ الاستقامة الذي يسمّيه الفلاسفة الاخلاقيون بحدّ الوسط أو الاعتدال. فتصاب بالقلق والخوف والحقد والشعور بالنقص..الخ. وانّ هذه الامراض تثير انفعالاً يتحوّل إلى أمراض جسمية. فقد أثبتت الاحصائيات العلمية أنّ نسبة عالية من الامراض الجسمية سببها الامراض والانفعالات النفسية، كأمراض الجهاز الهضمي، مثل القرح وسوء الهضم وتهيج الامعاء، وكالامراض العصبية، واختلال نسبة السكّر، وأمراض الحساسية والصداع...الخ.
فكثير من الامراض تبدأ نفسية ثمّ تتحوّل إلى أمراض جسدية. وتؤكّد الاحصاءات والدراسات النفسية أنّ معظم الامراض الجسمية سببها الامراض النفسية، وانّ العلاقة متبادلة في كثير من الاحيان بين الجسم والنفس من الصحّة والمرض.
ولنقرأ ماورد في تقرير صحّي يتحدّث عن علاقة المرض الجسمي بالمرض النفسي، فقد جاء فيه:
(وتدلّ الاحصائيات في البلدان الغربية التي انتشرت فيها ثقافة الصحّة النفسية، والتي تقدّمت فيها وسائل العلاج النفسي على كثرة انتشار الامراض النفسية والعقلية بين الناس. فتدلّ الاحصائيات في أميركا مثلاً على أنّ حوالي نصف مليون من الاميركيين يعالجون في المستشفيات من هذه الامراض، كما تقبل المستشفيات الاميركية كل عام حوالى (000/150) حالة جديدة منها. وتدلّ بعض الاحصائيات الاخرى على أنّ حوالي (10بالمئة) من الاميركيين معرّضون للاصابة بهذه الامراض في فترة من حياتهم)(13).
(الواقع انّ النتيجة التي وصلت إليها تتفق كلّ الاتفاق مع النظرية الطبّية الحديثة عن أهمّية العنصر السيكولوجي في العلاج الحديث، فقد دلّت الاحصائيات الدقيقة على أنّ (80بالمئة) من المرضى بشتى أنواع الامراض في جميع المدن الاميركية الكبرى ترجع أمراضهم إلى حدّ كبير إلى مسببات نفسية... فما هي الاسباب الرئيسية لما تسببه الامراض العصبية؟ انّ من الاسباب الرئيسية لهذه الامراض الشعور بالاثم أو الخطيئة والحقد والخوف والقلق والكبت والتردد والشكّ والغيرة والاثرة والسأم، ومما يؤسف له انّ كثيراً ممن يشتغلون بالعلاج النفسي قد ينجحون في تقصي أسباب الاضطراب النفسي الذي يسبب المرض ولكنّهم يفشلون في معالجة هذه الاضطرابات، لانّهم لايلجأون في علاجها إلى بثّ الايمان بالله في نفوس المرضى، ويجب فوق ذلك أن نتساءل عن هذه الاضطرابات الانفعالية والعوامل التي تسبب تلك الامراض، انّها هي ذاتها الاضطرابات التي جاءت الاديان لكي تعمل على تحريرنا منها...)(14).
وتتفق الدراسات النفسية الحديثة هذه مع دراسة علماء الاخلاق الاسلاميين في أنّ النفس البشرية تصاب بالامراض، وأنّها تواجه حالة الصحّة والمرض، كما يواجهها الجسم. ويسجل أحد الاساتذة المختصّين في علم النفس هذه الحقيقة بقوله: (إنّ الصحّة النفسية والمرض النفسي هما طرفا الحالات النفسية اللذان ينبغي لعلم الصحّة النفسية التركيز على دراستهما، فبأحدهما يعمق ادراكنا للاخر، ويتحدد مدى قربنا أو بعدنا عن كليهما، وهما كوجهين لعملة واحدة بها تتأكد معرفتنا للكيفية التي ينمو بها السلوك ويضطرب أو يتحلل...)(15)..
ثم يتابع حديثه قائلاً: (ومن الناحية العملية يمكن اعتبار الحياة سلسلة من الصراعات ينجح الفرد في التغلب عليها فتتكون الصحّة النفسية، أو يفشل فيكون المرض النفسي. ومعنى ذلك أنّ الصحّة النفسية لايمكن فهمها إلاّ في ضوء المرض النفسي. ويمكن القول بأنّ المرض النفسي في جوهره هو إخفاق في استيعاب وتوافر وتمثل خصائص السلوك الصحي النفسي، كما انّ دراسة المرض النفسي وتقصيه وتحليل أسبابه كان له أثر كبير في تحديد الخصائص التي يمكن الحكم في ضوئها على الصحّة النفسية)(16).
ثمّ ينتهي الى القول: (فهناك منطقتان أساسيتان هما: «منطقة الصحّة النفسية» وتشمل أحوال «الخلو من المرض النفسي» وهي أدنى حالات هذه المنطقة، تعلوها حالة «السلامة النفسية» وتأتي في القمّة «حالة الصحّة النفسية» وفي المقابل هناك «منطقة المرض النفسي» وتشمل «حالة الاضطرابات الانفعالية» والتي تعتبر أبسط أحوال المرض النفسي «حالة الامراض النفسجسمية» ثمّ «الامراض العصابية» وأخيراً «الذهان» الذي يمثّل أشدّ حالات التدهور العقلي)(17).
وهكذا تتكون أمامنا صورتان متقابلتان، وهما صورة الصحّة النفسية وصورة المرض النفسي، تتنازعان على النفس البشرية ولا سعادة للانسان إلاّ بتوفر الصحة النفسية وخلو النفس من الامراض والانفعالات المرضية.
وكما أوضح علماء الاسلام فانّ ما أسموه بالفضائل (حالات الصحّة النفسية) والخلو مما أسموه بالرذائل الاخلاقية (حالات المرض النفسي) هي من المبادي الاساسية في بناء الشخصية الاسلامية، لذلك نجد الرسول الكريم محمداً (صلى الله عليه وآله) ينادي: (انّما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق)(18).
وفي قول آخر يحلل لنا تحليلاً علمياً انعكاس سوء الخلق المرضي على النفس فيقول:
(من ساء خُلُقُه عذّب نفسه)(19).
وتعذيب النفس ليس في الاخرة وحسب، بل وفي عذاب القلق ووخزات الضمير، من الهمّ والغمّ والكآبة والحزن وحالات الانانية والغيرة والحسد التي تنهش أعماق النفس وتصلي المصاب بها بجحيم دائم.
وقد أحسن الامام علي (عليه السلام) تصوير الحالة النفسية للانسان الحسود، وهو الاناني الذي لا يريد الخير للاخرين، ويؤلمه أن يرى تفوّق الاخرين عليه ويتمنّى ويسعى لتجريدهم وحرمانهم مما هم فيه من خير فيعيش في حقد وكراهية ورغبة في الانتقام، الذي كثيراً ما يتحوّل إلى حالات قتل أو تآمر، أو وشاية بالاخرين، أو نيل من كرامتهم وسعي لاسقاطهم، صدق أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي صوّر هذه الحالة بقوله:
(ويح الحسد ماأعدله، بدأ بصاحبه فقتله)(20).
والاحصاءات والدراسات النفسية تفيد فشل الانظمة الاجتماعية والمناهج التربوية ونظريات تنظيم السلوك البشري في علاج الامراض النفسية وانقاذ الانسان منها، بل وتشهد التقارير والاحصاءات بتزايد الاصابة بالامراض النفسية، وفقدان الصحّة النفسية نتيجة الحياة المادّية المضطربة والمقلقة للانسان. فالارهاب السياسي بسبب الخلاف الفكري أو السياسي، أو تسلّط الحكم الدكتاتوري، وفقدان أمن الافراد والجماعات في معظم دول العالم هو المأساة البشرية السائدة. والخوف من الحروب والنزاعات، وعدم الطمأنينة على الحاضر والمستقبل، والقلق من تدهور الوضع المعاشي، والاحساس بفقدان معنى الحياة واليأس من قدرة المكاسب المادّية، وفقدان الرضا والانسجام بين الناس والمحيط، وتمزّق أوضاع الاسرة، وفقدان الحبّ والعطف والحنان، وانتشار التشرّد والضياع، والاحساس باحتقار الشخصية، وعدم وجود من يعتني بالانسان المشرّد، فهذه الحالات كلّها أصبحت من مشاكل العصر، وافرازات الحضارة المادّية التي جلبت للانسان الويلات، وتسببت بنشر الامراض والعقد النفسية التي افقدت الانسان طعم الحياة والسعادة.
وليس أمام الانسان من ملجأ ولا مخلّص غير الاسلام الذي استوعب منهاجه حماية النفس وتحصينها من الامراض النفسية بالايمان بالله سبحانه وبعالم الاخرة، والعمل على تزكية النفس وتطهيرها من الحقد والانانية، وحمايتها من الخوف والقلق، بتسليم الامر إلى الله سبحانه، والرضا بقضائه وقدره عندما يواجه الحالات النفسية غير الطبيعية، وبتحصين النفس من الاصابة بالمرض النفسي بالتربية وتوفير الاجواء الاسرية والاجتماعية والسياسية والقانونية التي توفرّ للانسان الطمأنينة والحبّ والاحترام لشخصيته والرعاية له. والاساس العلمي الذي ينطلق منه المنهج الاسلامي في حماية النفس من العقد والامراض النفسية هو الايمان بأنّ الفطرة البشرية فطرة نقيّة سليمة من العقد والامراض النفسية، قال تعالى:
(فطرَة اللهِ التي فَطَرَ الناسَ عليها لاتبديلَ لخلقِ اللهِ ذلك الدّينُ القيّمُ ولكنّ أكثَرَ الناسِ لايعلمون). (الروم/30)
وانّ الصحّة النفسية تتمثل بالحفاظ على هذه الفطرة وحمايتها من التلوّث والانحراف بتعهّدها بالتربية الاخلاقية، وتوفير البيئة والمناخ الاجتماعي الذي يساعد نقاء الفطرة وسلامتها على النموّ والتكامل بعيداً عن الانحراف والشذوذ، بعد أن حرّم إخافة الانسان واحتقار شخصيته، ودعا الوالدين وأفراد الاسرة والمجتمع إلى الحبّ والتعاون واحترام الاخرين، وأوجب توفير الامن السياسي والمعاشي، وشاد في النفس عقيدة اللجوء إلى الله والاستعانة به، وبذلك يتحرر الانسان من عقدة الخوف والاحتقار والانانية.
والمبدأ الاخر من مبادي صيانة النفس من الامراض النفسية هو الايمان بعالم الاخرة وبفناء الاشياء جميعها، وخلود الخير والعمل الصالح، ليكون أساس الجزاء والنعيم، فتستقرّ النفس وتطمئنّ بعيداً عن القلق والخوف، عدوّ الانسان وسبب شقائه وعذاب نفسه في الحياة.
(اعلموا أنّما الحياةُ الدُّنيا لَعِبٌ ولهوٌ وزينةٌ وتَفاخرٌ بينَكُم وتَكاثر في الاموال والاولادِ كَمَثَلِ غَيْث أعجَبَ الكُفارَ (21) نَباتُهُ ثُمّ يَهيجُ فَتراهُ مُصفَرّاً ثمّ يكونُ حُطاماً وفي الاخرةِ عذابٌ شَديدٌ ومَغْفرةٌ من اللهِ ورضوانٌ وما الحياةُ الدُّنيا إلاّ متاعُ الغُرورِ* سابِقوا إلى مغْفرة من رَبكُمْ وجَنة عَرْضُها كَعَرضْ السماءِ والارضِ أُعِدّت للذينَ آمنوا بالله ورُسُلهِ ذلكَ فَضلُ اللهِ يؤتيهِ مَنْ يشاءُ والله ذو الفضل العظيم* ما أصابَ مِن مُصيبة في الارضِ ولا في أنْفُسِكُمْ إلاّ في كتاب من قَبلِ أنْ نَبّرأها إنّ ذلكَ على اللهِ يَسيرٌ* لِكيلا تأسوا على ما فاتَكُمْ ولا تَفْرَحوا بِما آتاكُمْ والله لايُحبّ كُلّ مختال فخور). (الحديد/20 ـ 23)
لقد قامت هذه الايات المباركة بتقديم تحليل لمعنى الحياة والموت لتوعية الانسان، وتكوين فهم سليم للحياة، وعلاقة سليمة معها، فصوّرتها بدقة حسيّة قريبة الادراك من فهم الانسان ووعيه، لاستئصال مناشىء القلق والشقاء النفسي المتركّز في خوف الانسان من أن تفوته الاشياء وتضيع منه، وفي خوفه مما يتوقّع حدوثه، ومما وقع عليه. وكما يشرح له حقيقة الحياة ويشبهها بحياة الزرع، ويدعوه الى أن لايخضع للخوف من ضياع مكاسب الحياة والقلق عليها، فكلّ شيء مقدّر ويسير وفق قدر. يوضّح له أيضاً أنّ اللجوء إلى الله هو مفتاح السعادة والطمأنينة، ليرتبط بالله بعيداً عن القلق، فيخاطبه بقوله:
(الذينَ آمَنوا وتَطمَئنُّ قُلُبُهُمْ بِذِكْرِ الله ألا بِذِكْرِ الله تَطْمَئنُّ القُلوب). (الرعد/
المرض والتكامل النفسي
لقد أكّدت الدراسات والابحاث النفسية الاخلاقية أنّ الصحّة النفسية هي مصدر سعادة الانسان واستقرار المجتمع وحفظ النظام فيه.
فالمجتمع الذي يتمتّع أفراده بالصحّة النفسية، وبالسلوك السوي يبني نظاماً اجتماعياً تندر فيه الجريمة والانحطاط والمشاكل والازمات السياسية والاقتصادية والامنية، ويسلم من السلوكية العدوانية. والانسان يستطيع بالتربية والارادة وظروف العلاج والرياضة النفسية أن يتخلّص من الحالات المرضية، كالانانية والحقد والكبرياء والغرور والاعجاب بالنفس والجشع...الخ. وهو كما وصفه القرآن الكريم معرّض للاصابة بمرض الكبرياء والظلم والاستعلاء على الاخرين، ولكي تتضح الصورة فلنقرأ جانباً من تشخيص القرآن وتحليله، قال تعالى:
(ما أصابَ مِن مُصيبة في الارض ولا في أنْفُسِكُمْ إلاّ في كتاب من قَبلِ أنْ نَبْرأها إنّ ذلك على الله يسيرٌ* لِكَيلا تأسوا على مافاتَكُمْ ولا تَفْرَحوا بِما آتاكُمْ والله لايُحِبّ كُلْ مختال فخور). (الحديد/22 ـ 23)
(وأمّا الذينَ استنكفوا واستكبروا فَيُعذّبُهُمْ عَذاباً أليماً ولا يَجِدونَ لَهُم من دونِ اللهِ وليّاً ولانَصيرا). (النساء/173)
(إنّ الذينَ يُجادِلونَ في آياتِ الله بِغير سُلطان أتاهُم إن في صُدُورِهم إلاّ كِبْرٌ ما هُم ببالغيه فاسْتَعِذ بالله إنّهُ هو السميعُ البَصير). (غافر/56)
(إنّا جعلنا ما على الارضِ زينةً لها لنبلوهُمْ أيُّهُمْ أحْسَنُ عَمَلاً). (الكهف/7)
(وما الحَياةُ الدّنيا إلاّ مَتاعُ الغُرور* لتُبلونّ في أموالكُمْ وأنْفُسِكُمْ). (آل عمران/185 ـ 186)
(وأيّوبَ إذْ نادى رَبّهُ أنّي مَسَّني الضُرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الراحِمين* فاسْتَجبنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وآتيناهُ أهلَهُ ومِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً من عِنْدِنا وذِكرى للعابِدين). (الانبياء/83 ـ 84)
(الذينَ إذا ذُكِرَ الله وجِلَتْ قُلوبُهُمْ والصابِرينَ على ماأصابَهُمْ والمُقيمي الصلاة وممّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقون). (الحج/35)
(الذي خَلَقَني فَهو يَهْديني* والذي هو يُطْعِمُني ويَسْقيني* وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفيني). (الشعراء/78 ـ 80)
وهكذا يتحدّث القرآن عن حقائق كبرى في عالم الانسان، نستطيع أن نذكر أبرزها كالاتي:
1 ـ إنّ النفس البشرية عرضة للاصابة بالمرض النفسي، كالتكبّر والاستعلاء والغرور والطغيان، نتيجة الاحساس بالقوّة والاستغناء عن الله والناس، ولتغطية حالة الشعور بالنقص المترسّبة في أعماق العقل الباطن.
فكثير من المتكبّرين والمتغطرسين يعانون من عقدة الشعور بالنقص، لذا يلجأون وبشكل لا شعوري إلى ممارسة سلوك المتكبّر.
إنّ تلك الامراض التي تنعكس على شكل سلوك اجتماعي يظهر في التعامل والعلاقات الانسانية بشتّى صورها الاجتماعية والسياسية، وانّ هذه الامراض النفسية والاخلاقية هي محنة الانسان الكبرى، ومصدر شقائه وعذابه في الدنيا والاخرة، لذلك شخّصها القرآن بقوله:
(كلاّ إنّ الانسان ليطغى* أنْ رآهُ استغنى). (العلق/6 ـ 7)
(ولا تمشِ في الارضْ مَرَحاً إنّك لَنْ تخرقَ الارضَ وَلَنْ تَبلغ الجِبال طولاً). (الاسراء/37)
(وأمّا الذينَ استَنْكَفوا واسْتَكْبَروا). (النساء/173)
(ان في صدورهم إلاّ كِبَرٌ). (غافر/56)
(فأمّا عادٌ فاسْتَكْبَروا في الارضِ بِغيرِ الحَقِّ وقالوا مَنْ أشدُّ مِنّا قوّة). (فصلت/15)
وهكذا كانت تلك العقد هي مصدر الكفر والظلم والفساد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، كما هي مصدر الانحراف في السلوك الفردي.
2 ـ إنّ الابتلاء بشتّى أنواعه، ومنه الامراض الجسدية، هو أحد الوسائل التربوية والتأديبية الرادعة التي تُشعر الانسان بضعفه وحاجته إلى بارئه. كما تسلك كعقوبة للمجرمين والمتكبّرين والطاغين. ثمّ هي درس وموعظة للاخرين الذين يشاهدون الطاغي والمتكبّر والمغرور وقد فتك به المرض، وأذلّه وأفقده نعمة الصحّة والاستمتاع بالحياة. وقد أفاض علماء العقيدة والاخلاق الاسلاميون في دراسة الامراض وأثرها في تكامل النفس وتهذيبها فقسّموها إلى قسمين:
أ ـ قسم منها هو عقوبة وانتقام وتأديب وردع للمجرمين.
ب ـ وقسم منها تربية وكفّارة للذنوب، وتصعيد للسير التكاملي لدى الانسان.
فالمرض يوحي للانسان بالاحساس بالضعف أمام خالقه، وحاجته الى رحمته وعفوه وإحسانه، وإشعاره بالعطف والرحمة على الاخرين، والحيلولة بينه وبين حالات الغرور والطغيان وظلم الاخرين الذي يولّده الاحساس بالقوّة والاستعلاء عليهم.
3 ـ دعا القرآن الكريم الانسان الذي تلم به المحن والمصائب ومنها المرض إلى الصبر والشكر على المصيبة، ومواجهتها بعزيمة وإرادة قوية، وعدم اليأس من الشفاء، فانّ الشفاء بيد الله سبحانه، وما الدواء والعلاج إلاّ وسيلة تحتاج إلى توفيق ومشيئة إلهيّة.
4 ـ إنّ الله يعوّض الصابرين على ماأصابهم من محن وبلاء في أجسادهم. ولقد عرض القرآن نموذجاً فذّاً للابتلاء بالمرض الجسدي وللصبر واستحقاق الرحمة والعوض، عرض محنة النبي أيوب (عليه السلام)وتحدّث عن قصة مرضه وطول بلائه.
ومن هذه التجربة النبوية يتعلّم الانسان الصبر على المرض والاتّجاه إلى الله بالدعاء الذي يسير بقوى النفس نحو التكامل، ويركزّ مفهوم التواضع والعبودية والاتّجاه إلى خالق الوجود مفيض الخير والنعم.
5 ـ كشف القرآن عن حقيقة غائبة عن الكثيرين من بني الانسان الذين يتعاملون مع الحوادث والوقائع تعاملاً ساذجاً وسطحيّاً، فينظرون إلى كل ما يؤلمهم وتكرهه أنفسهم أو يعاكس أهواءهم أنّه شرٌ يجب التخلّص منه. يصحح القرآن هذا الخطأ، ويؤكّد أنّ كثيراً مما يحسبه الانسان شرّاً هو خير له. ويعرض هذا الفهم مساوقاً لفهم الطفل لمرارة الدواء ورفضه لتناوله. وبهذه القاعدة التربوية والفكرية العامّة يوضّح القرآن الحكمة من المرض وفلسفته في الحياة فيفهم الانسان أنّ وجود المرض ظاهرة طبيعية وضرورية في الحياة البشرية، وهي خير بوضعها القانوني العام، كالقتال بوضعه القانوني العام، وكالعقوبات القضائية بوضعها القانوني العام.
لقد أوضح القرآن هذه الحقيقة بقوله:
(كُتِبَ عليكُمُ القِتالُ وهو كُرّهٌ لَكُمْ وعَسى أن تَكْرَهوا شيئاً وهو خَيْرٌ لَكُمْ وعَسى أن تُحِبّوا شَيئاً وهو شَرٌ لكُمْ والله يَعْلَمُ وأنْتُم لاتَعْلَمون). (البقرة/216)
وكما أوضح فلسفة العقوبات القضائية بقوله:
(وَلَكُم في القِصاصِ حياةٌ ياأُولي الالباب). (البقرة/179)
فعلى الرغم مما في القتال والعقوبات القضائية من آلام وكراهة نفسية فهي إحدى وسائل الامن والسلام في المجتمع البشري، وبالتالي فهما من أبرز مصادر السعادة والطمأنينة. وعلى هذه القاعدة تبنى حكمة المرض الجسدي الذي يسلك كرادع للمرض النفسي وأداة للتربية والتأديب، لذلك نجد الايضاح لحكمة المرض تتجلّى في العديد من الاحاديث والبيانات النبوية والاخرى الصادرة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) التي تتحدّث عن المرض كأداة للابتلاء والاختبار، والاخرى تتحدث عن المرض كوسيلة للتكامل وتطهير الذات والوجدان من الامراض النفسية فمن الطائفة الاولى نقرأ:
روي عن الرسول (صلى الله عليه وآله) قوله:
(قال الله عزّوجلّ: ما من عبد أريد أن أدخله الجنّة إلاّ ابتليته في جسده، فإن كان ذلك كفّارة لذنوبه، وإلاّ ضيّقت عليه في رزقه، فإن كان ذلك كفّارة لذنوبه، وإلاّ شدّدت عليه الموت حتى يأتيني ولا ذنب له، ثمّ أدخله الجنّة)(22).
وروي عن الامام الصادق (عليه السلام):
(ما يمرّ بالمؤمن أربعون يوماً وما يعاهده الله، امّا بمرض في جسده، أو بمصيبة يؤجره الله عليها)(23).
وروي عنه قوله أيضا:
(انّه ليكون للعبد منزلة عند الله فما ينالها إلاّ بإحدى خصلتين، امّا بذهاب ماله، وامّا ببليّة في جسده)(24).
ويتحدّث الامام علي بن الحسين، السجاد (عليه السلام) عن المرض فيقول:
(إني لاكره في الرجل أن يعافى في الدنيا فلا يصيبه شيء من مصائبها)(25).
ويوضّح الرسول (صلى الله عليه وآله) القيمة التربوية والاثر الاصلاحي للمرض الجسدي ولما يصيب الانسان من بلاء، يوضّح أثر ذلك على تصميم المسار السلوكي وعلاج الحالات النفسية المرضية، وتصعيد حركة النفس التكاملية بشكل يفوق الاثار الاصلاحية التي تتركها أعمال البر الاخرى نظراً لما يترك الابتلاء من إحساس نفسي عميق وتفاعل فعّال في أعماق النفس، يوضّح الرسول (صلى الله عليه وآله) كلّ ذلك بحكمته الرشيدة فيخاطب أصحابه قائلاً:
((«من يحبّ أن يصح فلا يسقم»، فابتدرنا فقلنا: يانبي الله فعرفنا ما في وجهه، فقال: «أتحبّون أن تكونوا كالحمير الضالّة»؟ فقالوا: لا يانبيّ الله، فقال: «ألا تحبّون أن تكونوا أصحاب بلاء وكفّارات فوالذي نفسي بيده إنّ الله لايبتلي المؤمـن بالبلاء مايبتلي إلاّ للكرامة عليـه، إنّ الله قد أنزله منزلاً لم يبلغه بشيء من عمله دون أن ينزل به من البلاء ما بلغ به ذلك المنزل»)(26).
ونقرأ تحليلاً دقيقاً للامام محمد الباقر (عليه السلام) لحكمة المرض وآثاره التي تعمل على تقويم النفس وتصحيح مسارها السلوكي، وعلاج حالاتها المرضية، فهو يوضّح أنّ مرض الجسم يعالج مرض النفس. روي عنه ذلك البيان بالنص الاتي:
(الجسد إذا لم يمرض أشر (27) ولا خير في جسد يأشر)(28).
وهكذا تضع نصوص القرآن والسنّة تحليلاً علمياً لاخطر قضية تواجه الانسان في حياته، وهي قضية المرض الجسمي والنفسي. والكشف عن مسألة غامضة في هذه القضية، وهي أنّ كثيراً من حالات المرض الجسمي هي علاج للمرض النفسي. وانّ مرض المؤمن الذي يقع عليه من الله سبحانه، لا من تقصيره هو لصالحه، بل وحتى المرض الذي يحدث للانسان نتيجة التقصير يكسبه تجربة التوقّي من المرض، ويشعره بنعمة الصحّة التي أنعمها الله عليه. فالمرض كما تفيد النصوص هو تربية للانسان المؤمن، وتصعيد لحركة التكامل النفسي عنده، لما ينتج من الصبر على الالم، وتقوية الارادة، والرضا بقضاء الله وقدره، وكبح لجماح النفس، ومقاومة لنوازع الكبرياء والغرور والاستعلاء والبطر...الخ. وهو بعد ذلك كفّارة للذنوب، فالمرض النازل بالمؤمن بقضاء من الله سبحانه هو ألم، ولهذا الالم عوض إلهي.
وهذا العوض هو المغفرة والعفو الجميل، ولا يعني هذا الفهم طلب المرض أو الخضوع له، بل أوجب الاسلام على الانسان حماية نفسه من كلّ ضرر، وحرّم الاضرار بها، كما أوجب عليه العلاج من المرض الذي لايزال إلاّ بالعلاج. لذا اعتبر الفقه الاسلامي علاج الزوجة جزءاً من النفقة الواجبة على الزوج. بل وصوّر لنا كتمان المرض وعدم البوح به للطبيب ليتمّ التشخيص والعلاج خيانة للجسم. فقد ورد عن الامام علي (عليه السلام) قوله:
(من كتم الاطباء مرضه فقد خان بدنه).
ويتعامل التوجيه الاسلامي مع الحالات النفسية للمريض بإيجابية وتحليل علمي موجّه النتائج، منها أنّ بعض المرضى يشعر بالخطأ والتقصير تجاه نفسه وخالقه ومجتمعه غير أنّه سرعان ماينسى هذه الموعظة، وينسى فضل الله عليه عندما يزول عنه المرض وتعود إليه الصحّة، لذا تعامل معه بالتوعية والتذكير وتصحيح المواقف والسلوك، لانتشاله من هذه المشكلة السلوكية. جاء هذا التوجيه في وصية للامام علي (عليه السلام) قال فيها:
(لاتكن ممن يرجو الاخرة بغير العمل، إن سقم ظلّ نادماً، وإن صحّ أمن لاهياً، يعجب بنفسه إذا عوفي، ويقنط إذا ابتلي).


الالام والعوض

إنّ من نعم الله سبحانه وعظيم صنعه هو إحساس الانسان باللذة والالم، وتشكّل اللذة والالم الدافع الاساس للسلوك البشري. فالانسان بطبيعته يقبل على ما يوفّر له اللذة وينفر عمّا يجلب له الالم، فهو يكره الالم ويحبّ اللذة.
عرّف العلاّمة الحلي الالم واللذة بقوله: (قد يعنى بالالم إدراك المنافي، وباللذة إدراك الملائم)(29).
كما عرّفهما أيضاً بقوله: (اعلم انّ اللذة والالم قد يكونان من توابع المزاج فانّ اللذة من توابع اعتدال المزاج، والالم من توابع سوء المزاج وهذان المعنيان إنّما يصحّان في حقّ الاجسام)(30).
وعرّف علماء النفس الالم بأنّه: (إحساس بالخطر) فالالم منبّه، ومُشعر للانسان بوجود خطر يهدده، وهو الذي عبّر عنه العلاّمة الحلي بقوله: (إدراك المنافي). والالم بطبيعته يقسم إلى قسمين هما:
1 ـ الالم الجسمي.
2 ـ الالم النفسي.
ولكل منهما خصائصه وآثاره ونتائجه، وكما يؤثّر الالم النفسي في فعاليات الجسم ونشاطه وقدراته، يؤثّر كذلك الالم الجسمي في النفس، ويترك فيها انطباعات مؤلمة في أحيان كثيرة. فالالام النفسية تتحوّل إلى آلام جسدية، والالام الجسدية تتحوّل إلى آلام نفسية. وانطلاقاً من التسليم بأنّ الله سبحانه حكيم، ولا يفعل شيئاً إلاّ لحكمة ومصلحة للعباد في آخرتهم ودنياهم وإن خفيت عليهم تلك الحكمة، وأنّ لافعاله غاية وغرضاً.
انطلاقاً من كلّ ذلك نؤمن بأنّ المرض الواقع على الانسان من الله سبحانه له غرض وغاية حكيمة تعود على العبد نفسه. وهذه الحكمة والغاية تتلخّص في:
1 ـ قد يفعل الله سبحانه المرض بالعبد ابتداء لطفاً به لدفع ضرر أعظم منه، ولولا ذلك المرض لوقع عليه خطر أكبر، وضرر أعظم.
2 ـ قد يفعل الله المرض بالعبد ابتداءً لطفاً به لتحقيق نفع ومصلحة تعود عليه أو على غيره.
3 ـ قد يفعل الله المرض بالعبد عقوبة وانتقاماًلاستحقاقه ذلك.
وتأسيساً على عدل الله سبحانه فانّ الله بعدله يعوّض العبد عمّا أصابه من الالام الجسمية أو النفسية في الحالتين الاولى والثانية.
أمّا مايصيب الانسان من الالم في الحالة الثالثة فهي عقوبة ولاعوض عليها، لذلك تحدث علماء العقيدة الاسلامية عن الالام، كالامراض وغيرها، التي تقع على الانسان من الله سبحانه، وما يستحق المصاب بها من عوض:
(في الاعواض، ذهبت الامامية إلى أنّ الالم الذي يفعله الله تعالى بالعبد إمّا أن يكون على وجه الانتقام والعقوبة وهو المستحق، لقوله تعالى!!!!!! الرعاية الصحية الاسلام !!!!!!!!!!ولقد علمتُم الذينَ اعتدوا مِنكُمْ في السبتِ فقُلنا لهم كونوا قِردةً خاسئين)(31).
وقوله تعالى: (أو لايرونَ أنّهُم يُفتنونَ في كلّ عام مرّة أو مرّتين ثُمّ لايَتوبونَ ولا هُمْ يذّكرون)(32) ولا عوض فيه. وأمّا أن يكون على وجه الابتداء، وانّما يحسن فعله من الله تعالى بشرطين: أحدهما أن يشتمل على مصلحة ما للمتألم أو لغيره، وهو نوع من اللطف، لانّه لولا ذلك لكان عبثاً. وانّه تعالى منزّه عنه. الثاني أن يكون في مقابلته عوض للمتألّم يزيد على الالم، بحيث لو عُرِض على المتألم الالم والعوض اختار الالم، وإلاّ لزم الظلم والجور من الله سبحانه على عبيده، لانّ إيلام الحيوان (33) وتعذيبه على غير ذنب ولا فائدة تصل إليه ظلم وجور، وهو على الله تعالى محال)(34).
قال العلاّمة الحلّي:
(هذه الوجوه التي يستحق بها العوض على الله تعالى: الاول إنزال الالام بالعبد كالمرض وغيره. وقد سبق بيان وجوب العوض به من حيث اشتماله على الظلم لو لم يجب العوض. الثالث: إنزال الغموم بأن يفعل الله تعالى أسباب الغمّ، لانّ الغمّ يجري مجرى الضرر في العقل، سواء الغمّ علماً ضرورياً بنزول مصيبة، أو وصول ألم، أو كان ظنّاً بأنّ يغتمّ عند أمارة لوصول مضرّة أو فوات منفعة. فلما كان سبب الغمّ منه تعالى كان العوض عليه، وأمّا الغمّ الحاصل من العبد نفسه من غير سبب منه تعالى، نحو أن يبحث العبد فيعتقد جهلاً نزول ضرر به، أو فوات منفعة، فانّه لا عوض فيه عليه تعالى)(35).
وهكذا تقدّم لنا دراسة علماء العقيدة الاسلامية العلاقة بين عدل لله وحكمته، ومايصيب الانسان من مرض جسمي، أو غم نفسي، وتوضّح لنا أنّ الالم الصادر عن الله ابتداءً شيء حسن، لانّه نافع للانسان لاشتماله على مصلحة دنيوية وعوض أُخروي. امّا مايقع على الانسان بسبب تقصيره أو تصوّراته المرضية فتتراكم عليه الغموم والهموم فلا عوض عليها.
وقد وردت روايات عديدة تتحدّث عن أثر الهمّ والغمّ والحزن في تنقية النفس وإصلاحها وتطهيرها من الشوائب، بالاضافة الى استحقاق العبد الاجر والعوض عليها. تحدّث النبي الكريم محمد (صلى الله عليه وآله) عن ذلك فقال:
(إذا كثرت ذنوب العبد ولم يكن له من العمل مايكفّرها ابتلاه الله بالحزن ليكفّرها)(36).
وروي عنه قوله (صلى الله عليه وآله):
(ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا همٍّ ولا حزن ولا أذى ولا غمٍّ، حتى الشوكة يشاكها إلاّ كفّر الله بها من خطاياه)(37).
وعن عبد الله (رضي الله عنه) قال:
(أتيت النبي (صلى الله عليه وآله) في مرضه وهو يوعك وعكاً شديداً، وقلت: انّك لتوعك وعكاً شديداً، قلت: ان ذاك بأنّ لك أجرين، قال: «أجل مامن مسلم يصيبه أذى إلاّ حاتّ الله عنه خطاياه كما تحات ورق الشجر»)(38).
وهكذا يوضّح النبي الكريم أنّ مرض المؤمن كفّارة لذنوبه، كما تكفّر الالام النفسية، كالهمّ والغمّ والحزن والذنوب، لذا كان على المسلم أن يصبر على مايصيبه من المرض والبلاء في جسمه ونفسه. لذا تحدّث القرآن عن جزاء الصابرين على المرض والبلاء وعرض شخصية النبي أيوب (عليه السلام)نموذجاً لذلك الصبر، قال تعالى:
(وأيوب إذ نادى ربّه أنّي مسّني الضرُّ وأنت أرحم الراحمين). (الانبياء/83)
كما تحدّث القرآن في موارد أخرى عن قيمة الصبر في التربية وتقوية الارادة ومواجهة المحن والتحدّيات، قال تعالى:
(واصبر على ماأصابك إنّ ذلك من عزم الامور). (لقمان/17)
(استعينوا بالصبر والصلاة إنّ الله مع الصابرين). (البقرة/153)
(وذكّرهم بأيّام الله إنّ في ذلك لايات لكلّ صبّار شكور). (ابراهيم/5)
المريض والتكاليف الشرعية
لقد حددت الشريعة الاسلامية التكاليف والمسؤوليات العبادية الواجبة على الانسان في حالتي الصحّة والمرض مراعية قدرة الانسان واستطاعته، فتحدث القرآن الكريم والسنّة النبوية والدراسات الفقهية عن تكاليف المريض والاحكام المتعلّقة به على أساس من أصول التكليف والمسؤولية والجزاء في العقيدة الاسلامية المرتبطة بعدله سبحانه ولطفه بعباده ورحمته بهم، قال تعالى موضّحاً القاعدة العامّة للتكليف بقوله:
(لايُكلّفُ اللهُ نفساً إلاّ وسعها). (البقرة/286)
(لايُكلّفُ اللهُ نفساً إلاّ ماآتاها). (الطلاق/7)
(وما جعل عليكم في الدين من حرج). (الحج/78)
(يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الانسان ضعيفاً). (النساء/28)
وعلى أساس هذه المبادي قال تعالى أيضاً:
(فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدةٌ من أيّام أُخَر وعلى الذين يُطيقونَهُ فِديةٌ طعامُ مِسكين). (البقرة/184)
وقال تعالى في الاعفاء من الجهاد:
(ليس على الاعمى حرج ولا على الاعرج حرجٌ ولا على المريض حرج). (النور/61)
وكما تحدّث القرآن الكريم في قاعدة التكليف الاساسية فأوضح أنّ من شروط التكليف بشيء والجزاء عليه هو توفّر الاستطاعة على إنجاز ذلك الشيء، سواء كانت الاستطاعة المطلوبة بدنية أو مالية أو نفسية، كما أوضح أنّ الحرج مرفوع عن العباد، ولا يكلّف الله الانسان تكليفاً يسبب له الحرج بل انّ الله بلطفه ورحمته قد خفف عن العباد وسهّل لهم طرق الوصول إليه.
لذا فقد قامت التكاليف العبادية وغيرها كالطهارة والصلاة والصوم والحجّ والجهاد على الاستطاعة البدنية.
وهذا المبدأ يعبّر عن عدل الله سبحانه ولطفه ورحمته بالخلق. وعند قراءة النصوص الفقهية نلاحظ أنّ الشريعة الاسلامية قد فرّقت بين المريض وبين الشخص السليم في التكاليف، فالشريعة الاسلامية قد أوجبت، مثلاً على الانسان الذي يتمتّع بصحّة طبيعية الغسل من الحدث الاكبر كالجنابة والحيض والنفاس كما أوجبت عليه الوضوء للصلاة، وامّا المريض مرضاً يضرّ معه الغسل أو الوضوء فقد أعفي عنهما، وعليه أن يستعمل الطهور البديل وهو التيمم. فيتيمم بدلاً من الغسل أو الوضوء. والمريض الذي يضرّ به الصوم لايصحّ صومه، وعليه الافطار والقضاء بعد الشفاء من المرض، أو دفع الفدية، وهي مقدار محدد من الطعام إلى الفقراء عن كلّ يوم يعجز عن صيامه. والمريض الذي لايستطيع أداء الصلاة قائماً يؤدّيها جالساً فإن عجز أدّاها مضطجعاً. والعاجز بدنياً عن الحجّ والجهاد يسقط عنه هذان الفرضان ويعفى من المسؤولية.
كما انّنا نجد قاعدة (لاضرر ولاضرار) حكماً شاملاً لايّ تكليف يسبب الضرر البدني للانسان وعملاً بهذه القاعدة أسقط عن الانسان أيّ تكليف يسبب له الضرر البدني.
منجزات المريض
انّ بعض الامراض التي تصيب الانسان هي أمراض خطيرة تؤدي بحياة الانسان ولا يمكن الشفاء منها. ويسمّي الفقهاء مثل هذا المرض «مرض الموت» ويتعامل القانون الاسلامي مع تصرّفات هؤلاء المرضى المالية بتحفظ ويخضعها لضوابط خاصّة فيحجر على تصرّفات المريض المالية التي تضرّ بورثته بعد حياته. ذلك لانّ جانباً من تصرفاته المالية يضرّ بورثته لاسباب نفسية يلجأ إليها بعض المصابين بمرض الموت الذين يئسوا من الشفاء، كحبّهم لبعض الاشخاص فيؤثرونهم على الاخرين، أو كراهيّتهم لاشخاص آخرين والرغبة في حرمانهم من حقّهم في الميراث، أو غير ذلك. والاحكام الاسلامية التي تتعامل مع هذا المريض لا تأخذ نيّته بنظر الاعتبار في هذه الحال، إنّما تأخذ طبيعة تصرّفه المالي إن كان يضرّ بالورثة، أو لا. ومن هذه التصرّفات التي يلجأ إليها بعض المصابين بمرض الموت هي:
1 ـ الطلاق لحرمان الزوجة أو الزوج من الميراث.
2 ـ الهبة والصلح والابراء والوقف والصدقة وأمثالها من التصرّفات المالية الشرعية التي ينقل فيها المريض ملكيّة ماله إلى الاخرين من غير عوض يعود عليه، وينتج عنه الاضرار بالورثة.
وقبل أن نوضّح هذه الاحكام نذكر بأنّ الشريعة الاسلامية لم تسمح لايّ شخص، سواء هذا المريض أو من كان سليم الجسم أو غيرهما أن يوصي بأكثر من ثلث ماله، إلاّ إذا وافق الورثة على إقرار ذلك الزائد على الثلث، وإلاّ اعتبرت الوصية في الثلث وبطلت في الزائد عليه. وفيما يأتي ننقل أحكام تصرّفات المريض المالية التي تضرّ بالورثة، والموقف الشرعي منها، فهي:
1 ـ لو أقرّ المصاب بمرض الموت بدين أو عين (سلعة أو نقود...الخ) لشخص، سواء أكان من الورثة أو من غيرهم، فانّ نفاذ هذا الاِقرار متوقّف على ثبوت صدقه. فإن كانت هناك امارات تدلّ على أنّ هذا التصرّف صدر منه لحرمان الورثة أو لايثار ذلك الشخص ولا يوجد دين ولا عين في ذمّته لذلك الشخص فانّ هذا الاقرار لاينفذ إلاّ بمقدار ثلث ماله. امّا إذا لم توجد مثل هذه الدلائل فتصرّفه المالي صحيح ويكون نافذاً. وفي حال عدم وجود دلائل على صدقه أو عدمه فالاقوى عدم نفاذ الاِقرار فيما إذا زاد على الثلث(39)، والاحوط التصالح بين الشخص المقرّ له، وبين الورثة.
2 ـ لو وهب مالاً أو صالح على مال أو أوقف مالاً أو غير ذلك من التصرفات المالية غير المعوّضة التي تضرّ بالورثة، فلا تنفذ مثل هذه التصرّفات إذا كانت تزيد على ثلث ماله إلا بعد موافقة الورثة على ذلك. أمّا إذا وافق البعض منهم، ولم يوافق البعض الاخر فانّها تنفذ فيما زاد على الثلث بالقدر الذي أقرّه هذا البعض من الورثة.
3 ـ لو طلّق المصاب بمرض الموت زوجته طلاقاً رجعياً أو بائناً فانّها تبقى تستحقّ الميراث منه إلى مدّة سنة، إن مات خلالها، امّا إذا مات بعد سنة من وقوع الطلاق فلا ميراث لها، بشرط أن لايكون الطلاق بطلب منها ولم يكن خلعاً ولا مباراة، وأن لا يبرأ من مرضه هذا، وأن لا تتزوّج بعد انقضاء العدّة. فإن تزوّجت فلا ميراث لها، كما إذا كان الطلاق بطلب منها فانّها لا تستحقّ الميراث إلاّ إذا مات خلال فترة العدّة في الطلاق الرجعي، وهذا الحكم شامل للمريض مرض الموت ولغيره، كما ويرث الزوج زوجته لو ماتت في هذه العدّة أيضاً، ذلك لانّ المطلّقة طلاقاً رجعياً تعتبر زوجة ما دامت في العدّة. امّا إذا تزوجته بعد انقضاء عدتها ورثته بها(40).
4 ـ من الاحكام المقرّرة في الشريعة الاسلامية انّ المرأة تستحقّ المهر كاملاً من زوجها مع الدخول بها، وتستحقّ نصف المهر إذا طلّقها أو مات الزوج أو ماتت الزوجة قبل الدخول بها. وإذا مات أحدهما قبل الدخول ورثه الاخر، فلا يشترط الدخول في استحقاق الميراث. ويستثنى من هذه الاحكام ما لو كان الزوج مصاباً بمرض الموت، فانّ هذا الزوج إذا مات في مرض الموت، سواء بسبب هذا المرض أو بسبب آخر، كالحوادث أو الامراض الاخرى فعندئذ يبطل العقد، ولا مهر للزوجة ولا ميراث، امّا إذا مات بعد الدخول بها صحّ العقد وثبت المهر والميراث(41).
5 ـ إذا عقد المصاب بمرض الموت على امرأة فمات قبل الدخول بها، فلا عدّة عليها بموته(42).


التطبيب والمرأة الاجنبية
لكي تحفظ الشريعة الاسلامية حرمة المرأة وكرامتها، ولكي تستأصل جذور الفساد والانحراف من المثيرات والاغراءات الجنسية أوجبت الستر على المرأة،ووضعت أحكاماً وتوجيهات خاصة بذلك،تتعلق بنظرالشخص الاحنبي أو لمسه للمرأة الاجنبية. ولابدّ لنا ونحن نتحدّث عن أحكام اللمس والنظر إلى المرأة من أن نوضّح أنّ أحكام الشريعة التي تعالج الموقف والموضوع والحدث يختلف حكم المكلّف في أحدها عن حكمه في الظروف الاخرى:
1 ـ في حال الوضع الطبيعي للانسان (حال الاختيار):
وقد حرّمت الشريعة الاسلامية على الرجل أن ينظر أو يلمس في حال الاختيار المرأة الاجنبية (43)، إلاّ النظرة الاولى، من غير ريبة وتلذذ في وقت واحد. أمّا إذا أراد التزويج منها فله أن ينظر إلى وجهها ويديها، وينظرها قائمة وماشية.
وكما حرّمت الشريعة النظر إلى الاجنبية حرّمت على المرأة الاجنبية أن تنظر إلى الرجل الاجنبي أو تمسّه في حال الاختيار.
وتأسيساً على هذه المبادي الشرعية فلا يجوز للمرأة أن تمسّ الرجل الاجنبي أو تنظر إلى جسده لغرض العلاج، كما لا يجوز له أن يمسّ جسدها أو ينظر إليها لغرض العلاج أيضاً إذا وجد المعالج المماثل أو المعالجة المماثلة.
2 ـ وكثيراً ما تحدث حالات للرجل المريض أو المرأة المريضة ولا يوجد المعالج من المحارم أو المماثل في الجنس، فعندئذ يجوز لكلّ منهما النظر إلى الاخر أو لمسه لغرض العلاج بسبب هذه الضرورة ومن غير ريبة أو تلذذ، ومع إمكان الاكتفاء بأحدهما ـ النظر والمس ـ لايجوز الاخر فلو تمكن من المعالجة بالنظر فقط، لايجوز له المس وكذلك العكس.
الطبّ واجب كفائي
من الامور التشريعية التي تفرّد بها التشريع الاسلامي لسموّ أهدافه الحضارية، ونظرته الانسانية والاخلاقية إلى الوظيفة الاجتماعية، إضافة إلى قيمتها المادّية، هي التشريعات الصحية.
ونستطيع أن نفهم التفوّق الحضاري الاسلامي في هذا المجال التشريعي من خلال ما حفلت به الدراسات الفقهية من بحث الفقه الطبّي، ولعلاقة هذا بموضوع المرض والعلاج والمسؤولية تجاه المرض والامن الصحّي فلنستعرض بعض الاحكام والاجراءات التي ثبّتها الفقهاء في هذا المجال.
فلقد درس الفقهاء الواجبات الشرعية وقسّموها على قسمين، هما:
1 ـ الواجب العيني: وهو الواجب الذي يتوجّه فيه الخطاب والمسؤولية إلى كلّ مكلّف بصورة شخصية، كالصوم والصلاة.
2 ـ الواجب الكفائي: وهو الواجب الذي يتوجّه فيه الخطاب الى الجماعة، ويطلب تحقيقه وإنجازه بغضّ النظر عمّن ينجزه، ويكفي فيه أن يستجيب البعض إلى هذا الخطاب فيؤديه، فيسقط عن الباقين، كالدفاع عن المظلوم، وإنقاذ من يهدد حياته الخطر، ودفن الميت وعلاج المريض...الخ.
وقد اهتمّ الفكر والتشريع الاسلامي بالوظيفة الاجتماعية التي توفّر المنافع وتسدّ الحاجة لافراد المجتمع ومؤسساته فجعلها من الواجبات الكفائية، كالهندسة والطبّ وسائر الاختصاصات العلمية في المجتمع.
ولنسجّل نصاً فقهياً يوضّح لنا وجوب الطبّ على الطبيب وجوباً كفائياً، فقد جاء فى هذا النص: (... وكذا (44) لو استأجره على الواجب غير العبادي، كوصف الدواء للمريض أو العلاج أو نحو ذلك فانّه يصح، وكذا لو استأجره لفعل الواجبات التي يتوقّف عليها النظام، كتعليم بعض علوم الزراعة والصناعة والطب...)(45).
وهذا التشريع يعني وجوب توفير ما يحتاجه المجتمع من الاطباء والادوية ووسائل العلاج ومؤسسات البحث الطبّي ومدارس إعداد الاطباء، وكلّ ما يتوقّف عليه إنجاز هذا الواجب وجوباً كفائياً.
وتصير المعالجة واجباً عينياً على الطبيب إذا انحصر العلاج به، ولم يوجد غيره ويكون مسؤولا عن حياة المريض، لو تركه من غير معالجة فمات بسبب هذا الترك.
ومن حقّ الطبيب أن يأخذ الاجر المناسب على العلاج رغم أنّه واجب كفائي كما أوضح النص الفقهي الانف الذكر، غير أنّه ملزم بمعالجة المريض الذي لا تنقذ حياته إلاّ بهذه المعالجة من غير أجرة إذا كان المريض عاجزاً عن دفع الاجر، ويكون مسؤولاً عن حياة المريض لو تركه فمات بسبب عجزه عن دفع الاجرة. كما يكون الطبيب ضامناً لايّ ضرر يلحق بالمريض إذا قصّر في أداء واجبه.
ولنسجّل نصاً فقهيّاً يبين مسؤولية الطبيب وإلزامه بضمان الضرر الذي يلحق بالمريض بسبب التقصير:
(وكذا الطبيب المباشر للعلاج بنفسه إذا أفسد فهو ضامن...)(46).
أي هو مسؤول عن أيّ ضرر يلحق بالمريض نتيجة التقصير في المعالجة أو بسبب ممارسة الطبيب غير الكفوء لتلك المعالجة.
ونستطيع أن نفهم قيمة الطبّ والاجر والثواب الذي يستحقّه الطبيب على نيّة إخلاصه وإرادته تخفيف الالام عن الناس وحفظ صحّتهم من الخطاب الاسلامي الذي دعا فيه إلى الرحمة والمواساة وتخفيف آلام الناس،وتقديم العون والمساعدة لهم ودفع الاذى والضرر عنهم.

الدعاء والشفاء
قال تعالى:
(الذي خَلَقَني فَهو يَهديني* والذي هو يُطعمني ويَسْقيني* وإذا مَرِضْتُ فَهوَ يَشفيني). (الشعراء/78 ـ 80)
(وَنُنَزّلُ مِن القُرآنِ ما هو شِفاءٌ وَرَحمَةٌ للمؤمنينَ ولا يَزيدُ الظالمين إلاّ خَسارا). (الاسراء/82)
(الذينَ آمَنوا وتَطْمَئنُّ قُلوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ ألا بِذِكْرِ الله تَطمَئنُّ القُلوب). (الرعد/28)
(ادعوا رَبَكُمْ تَضرّعاً وخُفيةً إنّه لا يُحُبُّ المعتَدين) (الاعراف/55)
(وقالَ ربكُمُ ادْعوني أسْتَجِب لَكُم). (غافر/60)
(وإذا سألَكَ عِبادي عَنّي فإنّي قَريبٌ أُجيب دَعوةَ الداعِ إذا دَعاني فلْيَستَجيبوا لي وليؤمنوا بي لَعلّهُم يرشدون). (البقرة/186)
(وأيّوب إذ نادى ربّه أنّي مسني الضرُّ وأنتَ أرحمُ الراحمينَ* فاسْتَجَبنا لَهُ فَكَشَفنا ما بِهِ مِنْ ضرٍّ وآتيناهُ أهلهُ ومِثلَهُم مَعَهُم رَحْمَةً مِنْ عِندنا وذِكرى للعابدين). (الانبياء/83 ـ 84)
المرض اسم لحالة اختلال نظامي الجسم أو النفس الطبيعيين واضطراب نشاطهما، ولكي يعود الجسم والنفس إلى حالة الصحة والوضع الطبيعي لهما، لابدّ من إزالة هذا الاختلال والاضطراب وعملية الاِزالة هذه نسمّيها بالعلاج.
وللعلاج الجسمي وسائل وأساليب علمية متعددة، فالمرض الجسمي يعالج عن طريق الغذاء والدواء الكيمياوي أو النباتي والتمارين الطبيعية واستخدام الاشعة أو الجراحة واستئصال العضو واستبداله أو استخراج ماهو ضار من الجسم...الخ.
وكما يعالج الجسم بهذه العلاجات المادّية، تعالج النفس أيضاً عندما تصاب بحالات مرضية، كالخوف والقلق والكآبة والهستريا والوسواس والانهيار وحالات التوتّر العصبي المختلفة...الخ.
وسبحان الذي أتقن صنع الانسان، فالجسم والنفس لهما قابلية استعادة الوضع الطبيعي وتغيير الحالة المرضية، فالجسم يملك القابلية لاصلاح نفسه ذاتياً بما يبدي من مقاومة طبيعية أو بمساعدة ما يتناول من غذاء أو دواء ومنشطات ووسائل مساعدة على إعادة النظام الطبيعي.
وكما يعمل الجسم لاستعادة الوضع الطبيعي (الحالة الصحية) بنشاطه الـذاتـي وبمساعـدة العـلاج، فانّ النفس قابلة للتغيير ، وتقبل أوضاع أخرى.
وإنّ من أهمّ وسائل العلاج النفسي هو عملية التحليل النفسي وكشف سبب العقدة والحالة النفسية، والعمل على التغلّب عليها.
وإنّ من أفضل وسائل التغلّب على الامراض النفسية، هي وسيلة الايحاء للمريض وتفهيمه الحالة المرضية بعد تبسيطها، وتحليل المركّب المرضي المعقّد، ورفع معنويته، وتقبّل المشكلة كحالة طبيعية، أو حالة قابلة للزوال بما يقدّم له من علاج مادّي أو نفسي.
وإنّ كلّ تلك الوسائل العلاجية، سواء معالجة الامراض النفسية أو الجسمية إنّما تعتمـد على مساعدة الجسم والنفس على استعادة الوضع الطبيعي.
وعندما يكون التوجّه إلى الله سبحانه خالصاً بالدعاء، وبعمل الخير، كالصدقة والنذر والاستغفار تتّجه الرحمة الالهية إليه، فيأذن الله للجسم والنفس أن يستعيدا وضعهما الطبيعي، فإرادته القاهرة والمهيمنة على الاشياء كلّها هي من أقوى الاسباب المتحكمة في هذا العالم الذي يسير وفق إرادته ومشيئته.
ويذكّرنا القرآن أنّ الشفاء بيد الله سبحانه، فالشفاء يأتي نتيجة لما خلق الله من علاقات تأثيرية بين الدواء والعلاج، سواء ما يتعلّق منه بالجانب النفسي أو الجسمي.
ويشكّل الايمان بالله والثقة به من أكبر المحفّزات على إصلاح النفس وشفائها من أمراضها لقدرته على إنقاذها من القلق والخوف والحزن والكآبة وحالات التوتّر النفسي المختلفة.
لذا أوضح الله سبحانه للانسان أنّ من آيات القرآن ما هو شفاء للقلوب وتنقية للنفس من حالات الخوف والقلق ومختلف حالات التوتّر التي تسبب الامراض النفسية، فقال تعالى:
(ونُنَزّل من القرآنِ ما هو شفاءٌ ورحمة). (الاسراء/82)
وقال: (ألا بِذِكرِ الله تَطمَئنُّ القُلوب). (الرعد/28)
وعندما تشفى النفس من أمراضها يشفى الجسم من معظم الامراض الجسمية.
وهكذا يكون الدعاء سبباً للشفاء:
أولا: لقدرته على تكوين حالة نفسية لدى المريض بما يوحي له من الثقة بالله والاعتماد عليه والرضا بقضائه وقدره، فينقذه هذا الايمان من القلق والكآبة والتوتّرات النفسية الاخرى، فتنعكس آثار الايمان العلاجية على الوضع الصحّي للجسم انعكاساً إيجابياً. وهكذا يساعد الايمان بالله النفس على استعادة وضعها الطبيعي فتؤثّر في وضع الجسم، وبذا يدخل الدعاء كعلاج علمي وسبب مؤثّر في نظام عمل الجسم تأثيراً طبيعياً.
ثانيا: إنّ الخلق والامر كلّه لله وهو القادر على فعل مايريد:
(بيده الملك وهو على كلّ شيء قدير).
فيأذن بالشفاء والنجاة من المرض، ويعيد الجسم إلى سيرته الطبيعية كما خلقه سليماً في تكوينه ونشاطه وفعّالياته.
وقد أخبرنا سبحانه أنّه يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، وأنّ بيده الشفاء، وأنّه هو الذي شملت رحمته النبي أيوب (عليه السلام) بعد أن مسّه المرض وأعياه، فاستجاب لدعائه، فأعاد له الصحّة والسلامة.
وجاءت الروايات والاخبار عن الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) أنّه كان يعوّذ الحسنين ـ الحسن والحسين(عليهما السلام) ـ بالمعوذتين ـ سورة الناس وسورة الفلق ـ.
كما كان يدعو للشفاء من المرض ويحثّ على الدعاء للمريض.
ونذر علي وفاطمة بنت الرسول (صلى الله عليه وآله) وفضّة (خادمة فاطمة) صيام ثلاثة أيّام لشفاء الحسن والحسين حين مرضا، فمنّ الله عليهما بالشفاء. وحدث أن تصدّقا بطعام الافطار ثلاثة أيّام فأنزل الله سبحانه سورة الدهر ثناء على علي وفاطمة وفضّة والحسن والحسين (عليهم السلام).
ولكي تتمّ الفائدة فلننقل بعضاً من أدعية الرسول للشفاء من المرض لتكون أدعية التوسّل والطلب من ربّ الفضل والرحمة وسبباً في الشفاء:
روى الكفعمي عن المتهجد: ان من طلب العافية من وجع به، فليقل في السجدة الثانية، من الركعتين الاوليين، من صلاة الليل:
(يا عليُّ يا عظيمُ، يا رحمانُ يا رحيمُ، يا سميعَ ـ سامعَ ـ الدعواتِ، يا مُعطي الخيراتِ، صلّ على محمّد وآلهِ، وأعطني مِن خير الدنيا والاخرةِ، ما أنتَ أهلُهُ، واصرِفْ عنّي مِنْ شرّ الدنيا والاخرةِ ما أنت أهلُهُ، وأذْهب عني هذا الوجَع (وليسم الوجع) فانّه قد غاظني وأحزنني) وليلح في الدعاء فانّ العافية تعجل له إن شاء الله:
عن الرضا (عليه السلام) للامراض كلّها:
(قل عليها: «يامُنزِلَ الشفاءِ، ومُذْهِبَ الداءِ صلّ على محمّد وآلهِ وأنْزِلْ على وَجَعي الشفاء»).
وروى السيّد ابن طاووس (رحمه الله) في المهج، عن ابن عباس، قال: كنت جالساً عند عليّ (عليه السلام) فدخل عليه رجل متغيّر اللون، وقال: يا أمير المؤمنين، انّي رجل مسقام، كثير العلل والاوجاع، فعلمني دعاء استعين به على اسقامي، فقال (عليه السلام) : اعلّمك دعاء علّمه جبرئيل النبي (صلى الله عليه وآله) في مرض الحسنين(عليهما السلام)، وهو:
(إلهي كلّما أنعمتَ عليّ نِعمةً قَـلّ لكَ عندها شُكري وكُلما ابْتليتني ببليّة قَلّ لكَ عِندها صَبري، فيا مَن قَلّ شُكري عِندَ نِعَمِهِ فَلَم يَحرمني، ويا مَنْ قَلّ صبري عِندَ بلائِه فَلَم يَخذُلني، ويا مَن رَآني على المعاصي فلَم يَفضحني، ويا مَن رَآني على الخَطايـا فَلَم يُعاقبنـي عليها، صَلّ على مُحمّد وآلِ مُحمّد، واغْفِر لي ذَنبي، واشْفِني مِن مَرَضي، إنّكَ على كُلّ شيء قدير).
قال ابن عباس: فرأيت الرجل بعد سنة حسن اللون، مشرباً بحمرة، قال: مادعوت به وأنا سقيم الاّ شفيت، ولا مريض إلاّ برئت، وما دخلت على سلطان خفت جوره وقرأته إلاّ ردّه الله عنيّ.
وعن الصادق (عليه السلام) : من كانت به علّة فليقل عليها فى كلّ صباح (اربعين مرّة):
(بسم الله الرحمن الرحيم الحمدُ للهِ ربّ العالمين حَسبُنا اللهُ وَنِعمْ الوكيلُ تباركَ اللهُ أحسنُ الخالقينَ ولا حولَ ولا قوّةَ إلاّ باللهِ العليِّ العظيم. وعن الصادق (عليه السلام) ضع يدك على الوجع وقل ثلاثاً اللهُ اللهُ اللهُ ربيّ حقّاً لا أُشركُ بهِ شيئاً اللّهُمّ أنت لها ولكُلّ عظيمة ففرِّقها ـ ففرّجها - عني)، وعن الصادق(عليه السلام)للاوجاع كلّها:
(بسمِ الله وباللهِ كَمْ مِن نعمة للهِ فى عِرْق ساكن وغير ساكن على عبد شاكر وغير شاكر ـ وقل ثلاثاً ـ اللّهُمّ فَرِّج عني كُربَتي وعَجِّل عافيتي واكشِف ضُري).
وعنه (عليه السلام): أنّ علياً (عليه السلام) مرض فأتاه النبي(صلى الله عليه وآله) وقال: «قل»:
(أللّهُم إنيّ أسألُكَ تَعجيلَ عافيتكَ وصبراً على بَليّتكَ وخروجاً مِنَ الدنيا إلى رحمتِكَ).
وعن خطّ الشهيد ـ رحمه الله ـ انّه يمسك بعضد المريض الايمن ويقرأ:
(أللّهُمّ أزلْ عنهُ العِللَ والداءَ وأعِدْهُ إلى الصحّةِ والشفاءِ وأمِدّهُ بُحسن الوقايةِ ورُدّهُ إلى حُسنِ العافيةِ واجْعَل ما نالَهُ في مرضِه هذا مادّةً لحياتِهِ وكفّارةً لسيّئاتهِ اللّهُمّ وصلّ على محمّد وآلِ مُحمّد).
وعن كتاب المجتنى من الدعاء المجتبى تقول في الدعاء للمريض:
(أللّهمّ إنّكَ قُلتَ في كِتابكَ المُنزَلِ على نبيّكَ المُرسلِ: وما أصابَكُم مِن مُصيبة فبِما كَسَبَت أيديكُم ويَعفو عن كثير اللّهمّ فصلِّ على مُحمد وآلِ محمّد واجْعَل هذا المرَضَ مِن الكثير الذي تَعفو عَنهُ وتُبرىّء مِنهُ، اسْكُن أيها الوَجَعُ وارْتَحِل الساعةَ عن هذا العَبدِ الضعيفِ سَكنْتُكَ ورَحّلْتُكَ بالذي سَكَنَ لهُ ما في الليلِ والنهارِ وهو السميعُ العليم).
وعن علي (عليه السلام) عوذة لكلّ ألم في الجسد فمن قالها لم يضره ألم وهي:
(أعوذُ بِعزّةِ الله وقُدرَتِهِ على الاشياء كُلّها أُعيذُ نفسي بجبارِ السماواتِ والارضِ وأُعيذُ نفسي بمن لايَضُرُّ مَعَ اسمِهِ شيءٌ مِن داء وأُعيذُ نفسي بالذي اسمُهُ بَركَةٌ وشِفاء).
قال رسول الله: إذا رأيتم أهل البلاء فاحمدوا الله ولاتُسمِعوهم فان ذلك يحزنهم. وعن الباقر (عليه السلام) إذا نظرت إلى المبتلى فقل ثلاث مرّات من غير أنْ تُسْمِعهُ: (الحمدُ للهِ الذي عافاني ممّا ابتلاهُ ولو شاءَ فَعل).
الدعاء عند المصيبة والصبر عليها، قال الله تعالى:
(وبَشِّر الصابِرينَ الذينَ إذا أصابَتهُم مُصيبةٌ قالوا إنّا للهِ وإنّا إليهِ راجِعونَ أُولئكَ عَليهِم صَلَواتٌ منِ رَبِهِم ورَحمةٌ وأولئِكَ هُمُ المُهْتَدون). وأن يأتي بتحميد الصادق (عليه السلام) وهو:
(الحمدُ للهِ الذي لَم يَجْعَل مُصيبَتي في ديني والحمدُ للهِ الذي لَوْ شاءَ أنْ تكونَ مُصيبتي أعظمَ مما كانَت والحمدُ للهِ على الامرِ الذي شاءَ أنْ يكونَ فكان).
دعاء لدفع الهمِّ والحزن:
(يامَن تُحَلُّ بهِ عُقدُ المكارهِ ويا مَن يُفثأ بهِ حَدُّ الشدائِدِ ويا مَن يُلتمسُ منهِ المخرجُ إلى رَوْحِ الفَرجِ ذلتْ لِقُدرتكَ الصعاب وتسبّبتْ بلُطفكَ الاسبابُ وجرى بقُدرتكَ القضاءُ ومَضَت على إرادتكَ الاشياءُ فهي بمشيئتكَ دونَ قولِكَ مؤتَمِرةٌ وبإرادتكَ دونَ نهيكَ مُنزَجِرةٌ أنتَ المدعو للمُهمّات وأنتَ المفزعُ في المُلمّاتِ لايَنْدَفعُ مِنها إلاّ ما دَفَعت ولا يَنْكَشِف مِنها إلاّ ماكشفتَ وقد نَزَلَ بي ياربّ ماقَد تكأدني ثقلُهُ وألمّ بي ما قَد بَهَظني حَمْلُهُ وبِقُدرِتكَ أوردتهُ عليّ وبسُلطانِكَ وجهتَهُ إليّ فلا مُصْدِرَ لما أوْردْتَ ولا صارِفَ لِما وجّهتَ ولا فاتحَ لِما أغْلقتَ ولا مُغلق لِما فتحتَ ولا مُيسِّر لِما عَسّرتَ ولا ناصِرَ لِمَن خذلتَ فصلِّ على مُحمّد وآله وافتَحْ لي ياربِّ بابَ الفَرَجِ بطولِكَ واكْسِر عنّي سُلطان الهمِّ بحولِكَ وأنِلْني حُسنَ النظَرِ فيما شَكوتُ وأذقني حلاوةَ الصُنعِ فيما سألت وهَب لي من لَدُنكَ رحمةً وفَرَجاً هنيئاً واجْعَل لي مِن عندكَ مخرجاً وحيّاً ولا تَشغلني بالاهتمامِ عَن تَعاهُدِ فروضِكَ واستعمالِ سُنّتكَ فَقَد ضِقْتُ لِما نَزَلَ بي ياربّ ذَرعاً وامتلاتُ بِحَمل ما حَدَثَ عليّ همّاً وأنت القادِرُ على كشفِ ما مُنيتُ بهِ ودَفْعِ ما وقَعْتُ فيهِ فافعَلْ بي ذلكَ وإنْ لَم أستوجبِهُ مِنكَ ياذا العرشِ العظيمِ وذا المنِّ الكريمِ فأنتَ قادِرٌ يا أرحم الراحمينَ آمينَ ربّ العالمين).
لدفع الغم:
(ياعِمادَ منَ لا عِمادَ لهُ ياذُخر مَن لاذُخرَ لهِ ياسَنَدَ من لا سَنَدَ لهُ ياحِرْزَ مَن لاحِرزَ لهُ ياحِرْزَ الضُعفاءِ ياعظيم الرجاءِ يامنقِذَ الغرْقى يامُنجيَ الهَلْكى يامُحسنُ يامُجمِلُ يامُنعِمُ يامُفضِلُ أنتَ الذي سَجَدَ لَكَ سَوادُ الليلِ ونورُ النهارِ وضوءُ القَمَر وشُعاعُ الشمسِ وحفيفُ الشَجَر ودَويُّ الماءِ يا اللهُ يا اللهُ لا إله إلاّ أنتَ «افعل بي كذا وكذاواطلب حاجتك»).
دعاء آخر عن كنوز النجاح ايضاً علّمه النبي(صلى الله عليه وآله) فاطمة (عليها السلام) وهو:
(ياعالِمَ الغَيبِ والسرائرِ يا مُطاعُ ياعَزيزُ ياعَليمُ ياهازِمَ الاحزابِ لاحَمدَ يا كائِدَ فِرعونَ لموسى يامُنجي عيسى من أيْدي الظلَمَةِ يا مُخَلِّصَ نوح من الغَرقِ يافاعِلَ كُلّ خَير يا هادياً إلى كُلّ خَير يا دالاً على كُلّ خَير يا آمراً بِكُلّ خَير يا خالقَ الخَير يا أهلَ الخَير أنتَ الله لا إلهَ إلاّ أنتَ قَدْ رغِبتُ إليكَ فيما قَدْ عَلِمتَ فأجبني بِفضلِكَ يا اللهُ يا رحمان).

زيارة المريض
(يا أيّها الناس إنّا خلقناكُم مِنْ ذَكَر وأُنثى وجَعَلناكُم شُعوباً وقبائلَ لِتعارَفوا إنّ أكرمَكُم عِندَ الله اتقاكُم). (الحجرات/13)
إنّ دراسة الاجتماع الاسلامي أو تنظيم الاسلام للمجتمع الانساني تدلّنا على الاسس والروابط المتينة التي بنى الاسلام عليها العلاقات الاجتماعية والقيم الانسانية الرفيعة.
إنّ الاخلاق والقانون والتوجيه التعبّدي والمفاهيم العقيدية كلّها تصبّ في بناء الهيكل الاجتماعي وتنظيمه على أساس الحبّ والتعاون واحترام مشاعر الانسان، وتركيز مفهوم المشاركة الوجدانية والعاطفية، وتوظيف مشاعر الرحمة. واهتمام الاسلام بالانفتاح والتفاعل الاجتماعي، وحثّه على استمرار هذا السلوك يعكس لنا قيمة الحياة الاجتماعية وعنايته بالمجتمع وآدابه.
ولقد أثبتت التجارب التاريخية والحضارية أنّ الاسس والروابط المادّية وحدها لاتبني مجتمعاً متماسكاً، ولا تشيّد بنية إنسانية متينة.
ولعلّ دراسة وتحليل المجتمع المادّي المعاصر تكشف لنا عمق المأساة النفسية والاجتماعة، والجفاف الروحي، وغياب الروح الانساني من العلاقات والروابط وإحساس الانسان بالقلق والسأم والملل واللامعنى والغربة والوحشة.
ومن الواضح في دراسات علم النفس والاخلاق والمعايشة الحسّية أنّ إشباع الجانب النفسي والعاطفي إشباعاً سليماً لهو من أبرز حاجات الانسان وأكثرها تأثيراً في سعادته، بل السعادة في حقيقتها قضية نفسية، وإحساس داخلي يتمثّل بالشعور بالرضا والحبّ والطمأنينة.
والانسان يشعر بالحاجة الى عناية الاخرين وتعاطفهم معه في بعض مراحل حياته أكثر من مراحل ومواقف أخرى.
فهو في مرحلة الطفولة والشيخوخة والعجز والمرض والحوادث المؤلمة يحتاج إلى المواساة والاسناد العاطفي والاشعار بعناية الاخرين ورعايتهم له أكثر من حاجته إلى تلك المواقف والمشاعر في أوقات وظروف أخرى. وانّ افتقاد هذه المواقف من الاخرين يؤثّر تأثيراً سلبياً على شخصية الانسان فتنعكس على علاقته بنفسه وبمجتمعه.
وانّ أخطر المشاعر المرضية التي تفرز نتائج عدوانية عند الكثير من الناس هو شعور الانسان برفض الاخرين له وعدم احترام شخصيّته.
فمثل هذه المواقف من الاخرين، ومثل هذه المشاعر من الانسان تصنع حالة مرضية تزيد في شقائه ومعاناته، لذا دعا الاسلام إلى المواساة والرحمة، وتفقّد الغائب، وحثّ على التزاور، وأكّد على زيارة المريض وصلة الرحم والجار واتّخاذ الاخوان والاصدقاء، ليدخل أفراد المجتمع في سلسلة من التفاعل العاطفي والوجداني الذي تفيض منه روح المواساة والعناية بالاخرى، ويزرع مشاعر الحبّ والاحترام للشخصية الامر الذي يساهم في بناء السلوك القويم، ويعالج حالات الزيغ والانحراف.
إنّ زيارة المريض تزرع في نفسه الاحساس بالحبّ للاخرين، وتخفف الالام عن نفسه وتشعره برعاية إخوانه وذويه وأصدقائه ومجتمعه له. وكثيراً مايبدأ المريض الذي يصاب بمرض مؤلم، أو طويل أو مرض يشعره بالخطر على حياته، كثيراً ما يبدأ بعد الشفاء سلوكاً جديداً وعلاقات إنسانية أكثر إيجابية وصواباً، لاسيّما إذا وجد من يعينه على العلاج والشفاء، وتخفيف الالام مادّياً ومعنوياً.
لذا نجد القرآن الكريم يؤكد على التعارف والتعاون والمواساة بين أفراد المجتمع.
وفي وصايا الرسول (صلى الله عليه وآله) والائمة الهداة، نقرأ توجيهات وإرشادات قيّمة في هذا المجال نذكر منها ما روي في عيادة المرضى والتعاطف معهم كقوله (صلى الله عليه وآله): (إذا زار المسلم أخاه في الله عزّوجلّ ـ أو عاده ـ قال الله عزّوجلّ: طبت وتبوّأت من الجنّة منزلاً)(47).
وروي عن الصادق (عليه السلام) قوله في هذا الاتّجاه:
(عودوا مرضاكم وسلوهم الدعاء)(48).
وروى البراء بن عازب قال:
(أمرنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بسبع، ونهانا عن سبع. قال: فذكر ما أمرهم من عيادة المريض، واتّباع الجنائز، وتشميت العاطس، وردّ السلام، وإبرار المقسم، وإجابة الداعي، ونصر المظلوم. ونهانا عن آنية الفضّة، وعن خاتم الذهب، والاستبرق، والحرير، والديباج، والميثرة، والقسي)(49).
وروي عن الرسول (صلى الله عليه وآله) قوله:
(إنّ عائد المريض يخوض في الرحمة فإذا جلس غمرته)(50).
وروي عنه (صلى الله عليه وآله) أيضاً:
(مامن رجل يعود مريضاً فيجلس عنده إلاّ تغشّته الرحمة من كلّ جانب ما جلس عنده، فإذا خرج من عنده كتب له أجر صيام يوم)(51).
وكما تدعو الوصايا والتوجيهات الاسلامية إلى عيادة المريض تؤكّد أيضاً على تكريم المريض وحمل الهدية إليه، لاشعاره بالسرور وموقف زائريه الودّي منه.
من قراءتنا لمشهد من مواقف الامام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) نرى هذه الممارسة الاخلاقية والحثّ عليها.
عن مولى لجعفر بن محمد (عليه السلام) قال:
(مَرِضَ بعض مواليه فخرجنا إليه نعوده، ونحن عِدّة من موالي جعفر، فاستقبلنا جعفر في بعض الطريق، فقال لنا: (أين تريدون)؟ فقلنا: نريد فلاناً نعوده، فقال لنا: (قفوا)، فوقفنا، فقال: «مع أحدكم تفّاحة أو سفرجلة، أو أُترجّة، أو لَعقة من طيب، أو قطعة من عود بخور؟) فقلنا: ما معنا شيء من هذا، فقال: (أما تعلمون أن المريض يستريح إلى كلّ ما أدخل به عليه»)(52).
إنّ قراءة هذا النصّ تكشف عن نمط الثقافة الاسلامية الذي يعتني بالجانب النفسي، وإدخال السرور على المريض، إضافة إلى ما تحمل من قيمة ومنفعة مادّية. فتراه يؤكد على إهداء الفاكهة ذات اللون والعطر الطيّب إلى المريض، كما يؤكّد على الطيب والبحور كتعبير عن سموّ الذوق الجمالي والاحساس النفسي الذي تتركه الهديّة في نفس المريض.
ومن الاهتمامات النفسية التي اعتنى بها الادب الاجتماعي الاسلامي هو إسماع المريض الكلمات الطيّبة، والدعاء له بالشفاء، وحثّه على الصبر، ممّا يشيع في نفسه عواطف المحبّة والاحساس باهتمام الاخرين به، فترتفع معنويّته لمقاومة المرض وإيجاد الامل والرجاء أو تقويتهما في نفسه.
إنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) يوجّهنا إلى هذا التعامل مع المريض فيقول:
(إنّ من تمام عيادة أحدكم أخاه أن يضع يده عليه، فيسأله كيف أصبح وكيف أمسى)(53).
زار رسول الله (صلى الله عليه وآله) الصحابي الجليل سلمان (رضي الله عنه) فقال:
(يا سلمان شفى الله سقمك، وغفر ذنبك، وعافاك في دينك وجسدك إلى مدّة أجلك)(54).
والاسلام في كلّ قيمه وادابه وأصول علاقاته يتسم بسموّ الذوق، ومراعاة أرقى آداب اللياقة الاجتماعية، واحترام الجانب النفسي في الانسان لذا دعا إلى تخفيف زيارة المريض، وعدم إطالة الجلوس عنده، للحرص على راحته الجسمية والنفسية وسلامة الزائر الصحية. فانّ بعض الزوّار يؤذي المريض بطول الزيارة والجلوس وكثرة الكلام، لذا ورد في الارشاد النبوي الكريم:
(خير العيادة أخفّها)(55).
وورد عنه (صلى الله عليه وآله) أيضاً: (العيادة فواق ناقة)(56).
بل يشتدّ الحثّ على تخفيف الزيارة والرغبة في قصر المكوث عند المريض ما لم يحبّ البقاء عنده في قول الرسول (صلى الله عليه وآله):
(إنّ أعظم العيادة أجراً أخفّها)(57).
وفي قوله (صلى الله عليه وآله): (إنّ من أعظم العوّاد أجراً عند الله لمن إذا عاد أخاه خفّف الجلوس، إلاّ أن يكون المريض يحبّ ذلك ويريد، ويسأله ذلك)(58).
وهكذا تتكامل قواعد وأصول الادب الاجتماعي في زيارة المريض متفاعلة مع أبعاد الحالة النفسية والعقيدية ومعطية أفضل النتائج الاجتماعية بما تزرعه من حبّ وتعارف وإشعار بروح الاخوّة والمواساة.
(والحمد لله ربّ العالمين)
الهوامش
1 ـ الراغب الاصفهاني / معجم مفردات ألفاظ القرآن.
2 ـ للتفصيل والاستزادة: راجع بحار الانوار للعلامة المجلسي/ ج104، ووسائل الشيعد للحر العاملي/ ج7 / ص133 وغيرها من كتب الفقه والحديث.
3 ـ البخاري / ج7 / ص12.
4 ـ مسلم / كتاب الطب.
5 ـ النراقي / جامع السعادات / ط3 / ج3 / ص228.
6 ـ مسند أحمد بن حنبل / كتاب الطب.
7 ـ ابن ماجة / كتاب الطب.
8 ـ لقد تحملت الفلسفة وعلم الاخلاق مسؤولية علم النفس والدراسات النفسية قبل أن ينفصل علم النفس عن الفلسفة والاخلاق فيما بعد.
9 ـ محمد مهدي النراقي / جامع السعادات / ج1 / ص5.
10 ـ المصدر السابق.
11 ـ فحدّها: يعني تعريفها.
12 ـ النراقي / جامع السعادات / ج1 / ص28.
13 ـ مقدّمة الدكتور محمد عثمان نجاتي / معالم التحليل النفسي / سيجموند فرويد/ص13.
14 ـ الدكتور بول ارتست أدولف / الله يتجلّى في عصر العلم / ص136.
15 ـ الدكتور مصطفى خليل الشرقاوي / علم الصحّة النفسية / ص35 ـ 36.
16 ـ الدكتور مصطفى خليل الشرقاوي / علم الصحّة النفسية / ص46.
17 ـ المصدر السابق / ص48.
18 ـ كنز العمال / ح5217.
19 ـ المجلسي بحار الانوار / ج78 / ص246.
20 ـ الامدي / غرر الحكم ودرر الكلم.
21 ـ الكفّار: الزرّاع، وسمّوا بذلك لانّهم يغطون البذور بالتراب. ومنها أخذ اسم الكافر بالله لانّه يغطي ويخفي الايمان به.
22 ـ الطبرسي / مشكاة الانوار / ص 291.
23 ـ الطبرسي / مشكاة الانوار / ص 292.
24 ـ الطبرسي / مشكاة الانوار / ص 298.
25 ـ الطبرسي / مشكاة الانوار / ص 295.
26 ـ الطبرسي / مشكاة الانوار / ص 301.
27 ـ أشِر أشراً: مرح ونشط، بطر واستكبر. والبطر هو الزهو والاستخفاف بالنعمة وكفرانها.
28 ـ الطبرسي / مشكاة الانوار / ص280.
29 ـ كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد / ص 295 ـ 296.
30 ـ كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد / ص 295.
31 ـ البقرة / 65.
32 ـ التوبة / 126.
33 ـ يقصد به كلّ حيّ حسّاس متحرّك، الانسان والحيوان، لوجود الجسد الحيّ والاحساس فيهما.
34 ـ الشيخ محمد حسن المظفر / دلائل الصدق / ج1 / ص361.
35 ـ العلامة الحلي / كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد / ص360
36 ـ الطبرسي / مشكاة الانوار / ص281.
37 ـ صحيح البخاري / ج7 / ص2.
38 ـ صحيح البخاري / ج7 / ص3.
39 ـ الامام الخميني / تحرير الوسيلة / ج2 / ص23.
40 ـ السيّد محسن الحكيم / منهاج الصالحين / ج2 / ص316.
41 ـ المصدر السابق / ص316
42 ـ المصدر نفسه.
43 ـ أجاز الفقهاء النظر إلى وجه المرأة غير المسلمة ويديها، من غير شهوة.
44 ـ يعني وكذا يصحّ أخذ الاجرة.
45 ـ السيد محسن الحكيم / منهاج الصالحين / ج2 / ص120.
46 ـ السيد محسن الحكيم / منهاج الصالحين / ج2 / ص120.
47 ـ مسند أحمد بن حنبل / ج2 / ص 326.
48 ـ الطبرسي / مشكاة الانوار / ص280.
49 ـ مسند أحمد بن حنبل / ج4 / ص284.
50 ـ كنز العمال / ج9 / ح25169.
51 ـ كنز العمال / ج9 / ح25184.
52 ـ ميزان الحكمة / ص129.
53 ـ كنز العمال / ج9 / ح25195.
54 ـ كنز العمال / ج9 / ح25200.
55 ـ كنز العرفان / ح 25139.
56 ـ كنز العرفان / ح25155.
57 ـ كنز العرفان / ح25149.
58 ـ ميزان الحكمة / مادّة (مرضى).

!!!!!! الرعاية الصحية الاسلام !!!!!!!!!!


!!!!!! الرعاية الصحية الاسلام !!!!!!!!!!

ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد

!!!!!! الرعاية الصحية الاسلام !!!!!!!!!!

اخوكم فى الله

مهنــــ ممدوح المصرى ــد س

!!!!!! الرعاية الصحية الاسلام !!!!!!!!!!



رد: !!!!!! الرعاية الصحية في الاسلام !!!!!!!!!!

.
.
{ أسأل الله أن يمتعك بالصحه والعافيه

وأن يجعلك ممن يذكرهم عنده.,
جزيـٌت خيرآ يالغالي..
{عوآآفيُ يآرب!
دمتَ بخيرِ
(

افتراضي رد: !!!!!! الرعاية الصحية في الاسلام !!!!!!!!!!

والله احقاقا للحق انت رجل متميز وتستحق وسام
خلقيا وعلميا وفنيا واداريا وهذا ما لمسته
من متابعة موضوعات الكثيرة فى جميع المنتديات
بالموقع الا وتركت به بصمه تميز وموضوعاتكم
ممتازة وتستحق اعلى الاوسمه تميزا فى كل شىء
بارك الله فيكم وذادكم علما وتقدما

افتراضي رد: !!!!!! الرعاية الصحية في الاسلام !!!!!!!!!!

بسم الله الرحمن الرحيم



السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة
شكرا جزيلا اخى الغالي





جزاك الله خير ا وسلمت يداك
وجعله الله في ميزان حسناتك
دمت متميز وساضع لك اعلى تقييم











افتراضي رد: !!!!!! الرعاية الصحية في الاسلام !!!!!!!!!!

الله يعافيـــــــــك ع الطــــــرح

يسلموووو ومـــــع التحيــــــــــــه


أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
صوراً الاهمال لمركز الرعاية الصحية الأولية في مركز عواضة بالجمش التابع لمحافظة الدوادمي ضحکَة خچڸ اخبار الصحف - سبق - حوادث - كوارث - جرائم احداث عالميه - غرائب - عجائب 2 05/04/2014 01:41 AM
شرح كيفية نقل الاسماء من النوكيا الى الايفون پحر آڸۉد برامج ايفون - خلفيات ايفون - ثيمات ايفون - العاب ايفون - تطبيقات ايفون - iphone 2 30/03/2014 10:20 PM
تكـريم الاسلام للمرأة mohamadamin سيدتي - عالم حواء - عالم المرأه 4 01/11/2013 07:43 PM
موافقه صرف بدلي تميّز وإشراف لشاغلي الوظائف الصحية بالهلال الأحمر نجمة السهر وظائف - وظائف شاغره - وظائف حكوميه 0 04/10/2013 05:03 AM
الاسلام والديمقراطية mohamadamin القسم العام , نقاش , اجتماعي , منوع , اخبار , مواضيع هادفة 2 24/09/2013 04:24 PM




الساعة الآن 11:13 PM.
معجبوا منتديات الوليد بن طلال