بحث - بحوث جاهزه - بحوث تربويه - بحوث علميه بحوث جاهزة بحوث تربوية بحوث اجتماعية بحوث جغرافية بحوث اسلامية بحوث قانونية بحوث البحث العلمي. بحوث جاهزة بحوث تربوية بحوث اجتماعية

بحث عن البلاغه والتشبية,مصطلحات النقد والادب ~

بحث عن البلاغه والتشبية,مصطلحات النقد والادب ~

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بحث في البلاغة والتشبيه
المقدمة :
لم يقصر علماء البلاغة في بيان منزلة التشبيه ،وما له من أثر في رفع شأن الكلام ،وخلع أشعة البهاء عليه ،وإلباسه روع الإعحاب ،وتمهيد طريق معبد له في ثنايا النفوس ،وفتح باب القول أمامه في أطواء الصدور ،فإنه أشبه شيء بوسائل الإيضاح ونماذج الدروس التي تسيق الشرح أو يعقب بها عليه ،فتذلل ما عسى أن يكون من عسر في الفهم ،وتثبت معانيها في الذهن ،هذا إلى خلابة البيان التي تنبعث منه انبعاث أشعة السحر والفتون من العيون النجل ،فتفعل فعلها العجيب بالقلوب ،فتصرفها كما تشاء بسطا وقبضا ،ورغبة ورهبة ،ومحبة وبغضة ،وتقودها الى ما نهي بزمام سلس وعنان لين .
التشبيه البلاغي :
يقول قدامه : واما التشبيه فهو من أشرف كلام العرب ،وفيه تكون الفطنة والبراعة عندهم ،وكلما كان التشبيه ((بالكسر ))منهم في تشبيه ألطف كان بالشعر أعرف،وكلما كان أسبق كان بالحذق أليق
ويقول العسكري:عن القدماء أهل الجاهلية من كل جيل :ما يستدل به على شرفه وفضله وموقعه من البلاغة بكل لسان
ويقول بن قتييبة :وليس كل شعر يختار ويحفظ علي جودة اللفظ والمعنى ،ولكنه قد يختار ويحفظ علي أسباب منها الإصابة في التشبيه،كقول القائل :
بدأن بنا وابن الليالي كأنه حسام جلت عنه القيون صقيل (4 )
فما زلت أفني كل يوم شبابه إلى أن أتته العيس وهـو ضئيـل
وكقول الآخر في مغن:
كأن أبا الشموس إذا تغنى يحاكي عاطسا في عين شمس
يلوك بلحية طورا وطورا كأن بلحية ضربان ضرس
أقاويل في البلاغة :
ويقول الباقلاني :والتشبيه تعرف به البلاغة .
ويقول البطين :أجمع العلماء بالشعر على أن الشعر وضع على أربعة أركان :مدح رافع ،أو هجاء واضح ،أو تشبيه مصيب ،أو فخر سامق (2)
ويقول عبد القاهر :وهل تشك في أنه يعمل عمل السحر في تأليف المتباينين حتي يختصر ما بين المشرق والمغرب ،ويجمع ما بين المشئم والمعرق وهو يريك المعاني الممثلة بالأوهام شبها في الأشخاص المائلة ،والأشباح القائمة ،وينطق لك الأخرس ،ويعطيك البيان من الأعجم ،ويريك الحياة في الجماد ،ويريك التئام عين الاضداد،فيأتيك بالموت والحياة مجموعين ،والماء والنار مجتمعين
ويقول السكاكي:فهو الذي إذا مهرت فيه ملكت زمام التدرب في فنون السحر البياني .
ويقول الخطيب :انه مما اتفق العقلاء :علي شرف قدره وفخامة امره في البلاغة،وان تعقيب المعاني به لا سيما قسم التمثيل منه ،يضاعف قواها في تحريك النفوس إلي المقصود بها مدح كانت أو زما أو افتخارا أو غير ذلك .
ومن رأي الدكتور شوقي ضيف :أن التشبيه لا يحتاج بعدا في الخيال ولا عمقا في التصوير وأنه لون مفرد بل هو صبغ من أصباغ لون مفرد هو لون التصوير
ولا أحسب الزميل يريد بهذا أن يهون من قدر التشبيه ،أو يصوره في صورة الشيء السهل ، المسلك القريب التناول .
وإنما لعله أراد أنه دون الاستعارة في يسر بنائه وصياغته ،وانه أقل منها شأنا في إبراز المعاني وصبا في قوالب المحسوسات ،وإن كان هو أساسها وعمادها وألا فليس التشبيه سهل الانتزاع ،ولا هو على طرف الثمامة من كل متناول ،فابن الأثير يقول :انه من بين علم البيان مستو عر المذهب ،وهو مقتل من مقاتل البلاغة ،وسبب ذلك أن حمل الشيء على ا لشيء بالمماثلة إما صورة وإما معنى ،يعز صوابه ،وتعمر الإجادة فيه ،وقلما أكثر من أحد إلا عثر كما فعل ابن المعتز من أدباء العراق وابن وكيع من أدباء مصر ،فإنما أكثر من ذلك لا سيما في وصف الرياض والأشجار والأزهار والثمار ،لا جرم أنهما أتيا بالغث البارد .
واين رشيق –وهو من النقاد الشعراء –يصرح بأن أشد ما تكفله الشاعر صعوبة التشبيه ،لما يحتاج إليه من شاهد العقل ،واقتضاء العيان .
ونحن لا ننكر أن التشبيه أقل أهمية من الاستعارة في النثر الأدبي وفي الموضوعات الشعرية لميزتها الواضحة في التجسيم ،وفي المبالغة والتهويل .
وبخاصة الشعر ،لأن لها فيه قيمة بالغة بحيث يكاد يستحيل أن يكون شعرا بغيرها
او كما يقول أرسطو :إن الصورة في التشبيه تجري في النثر كما تجري في الشعر ،ولكنها بالشعر ألصق ولكن هذه الفنون الأدبية لا تستغني مطلقا عن التشبيه ،وقد مر قريبا :أن العلماء اجمعوا علي عد التشبيه المصيب من أركان الشعر .
ثم هو يمتاز عن الاستعارة بأنه اكثر دورانا في النثر العلمي ،وفي الموضوعات التي تخاطب العقول ،لانه يراد منها أن تكون واضحة دقيقة محدودة ،سهلة الإدراك ،بعبدة عن وثبات الخيال ،وطفرا ت التصوير،وترف الألفاظ،واناقة الصياغة .
فان أريد بالتشبيه ما يدل علي كمال المشبه وادعاء اتجاه التشبيه به ،ولم يكن هناك مناص من الترقي الي مرتبة الاستعارة وعدم القناعة بالتشبيه .
ففرق أن يقول الشاعر :فأمطرت لؤلؤا من نرجس ،وبين ان يقول :فأمطرت دمعا كاللؤلؤ من عين كالنرجس ،فالتشبيه كما تري اقرب الى تصوير الواقع ،واما الاستعارة فأمعن في الخيال ،لأنها تطمس الاشياء طمسا ،وتستبدل بها اشباهها .
فالفتاة الباكية في ،(فأمطرت لؤلؤ ا) لم تسفح من عينيها دمعا كاللؤلؤ وانما سفحت لؤلؤا ،لهذا كان التشبيه اكثر شيوعا من الاستعارة في العصور الاتباعية التي يكون فيها الشعراء اقل حدة في الخيال ،واكثر انصياغا لأحكام العقل والمنطق ،وكانت الاستعارة أكثر شيوعا من التشبيه في العصور الإبداعية التي يشطح فيها الخيال ويجمح فلا يكون عليه ضابط .
ولا خلاف ان الشبيه يختلف حظ القائل من البلاغة وقسمة من البيان .فكل يصف الشيء بمقدار ما في نفسه من ضعف أو قوة أو عجز أو قدرة. وصفة الإنسان ما رأي ،تكون –لاشك -أصوب من صفته ما لم ير ،وتشبهه ما عاين بما عاين أفضل من تشبيه ما أبصر بما لم يبصر .
أليست هذه حالنا تماما حينما ترفع الستارة عن أم كلثوم ،ونميها بأبصارنا متخشعين ،ونرهف أليها أسماعنا متلهفين مستطيلين هذه ألينه التي تناهب فيها للتغريد بها الصوت الشاجي المسكر .وكقول ابي عبد الله بن مرزوق الأندلسي في علة الكتابة السواد في البياض:
ولما أن منـكم ديـار وحال البعد بينكم وبيني
بعثت لكم سوادا في بياض لأنظركم بشيء مثل عيني
ألست تري أن هذا الشاعر قد استطاع أ


افتراضي رد: بحث عن البلاغه والتشبية

البلاغه والادب



د. طه عبدالمقصود عبدالحميد أبو عُبيّة
يستطيع القارئ في كتب الأدب العربي أن يقف على كثير من الأقوال التي تدور حول مفهوم البلاغة العربية. ولعل عمرو بن عثمان الجاحظ البصري البغدادي (المتوفى 255هـ/868م) في كتابه "البيان والتبيين" هو أول مَن عنى بإيراد كثير من هذه الأقوال والتعريفات، وجاء بعده مَن أضاف إليها تعريفات أخرى لا تختلف كثيراً عمّا ذكره.
وقد ظلت هذه التعريفات تنتقل من كتاب إلى آخر، ومن جيل إلى جيل، وكل جيل يضيف إليها أو يحور فيها حتى انتهى المطاف إلى الخطيب القزويني (المتوفى 739هـ/1341م)، فكان تعريفه للبلاغة بأنها: "مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته". وهذا التعريف كتب له من الذيوع والإنتشار ما جعله يتردد في كل كتب البلاغة التي تلته ولم يشذ منها كتاب.
وتتشعب البلاغة – بعد أن تبلورت ملامحها وتحددت معالمها – على يد السكاكي (المتوفى 626هـ/228م) والخطيب القزويني (ت 739هـ/1341م) إلى ثلاثة علوم، هي: المعاني والبيان والبديع. وكل من هذه العلوم يختلف في مفهومه عن كل من مفهوم العلمين الآخرين، ويدخل في دائرته مباحث تغاير كلاً منهما، على الرغم من اتفاقها جميعاً في أهدافها وغاياتها.
وليس من مهمتنا هنا التتبع الدقيق للمراحل التي مرّت بها البلاغة، وإنما غايتنا هي التركيز على أهم السمات العامة التي تتميز بها كل مرحلة، وذلك في إطار إبراز جهود العراقيين ودورهم في خدمة هذا العلم، وفي حدود القرنين الثالث والرابع الهجريين.
- نشأة البلاغة والنقد الأدبي بالعراق في كنف علوم القرآن واللغة:
وقد أجمع الباحثون في تاريخ البلاغة العربية أنها لم تنشأ مكتملة الأبواب والمباحث، "وإنما نشأت – شأن كل علم في بدايته – مجرد أفكار وملاحظات متناثرة على هامش العلوم العربية والاسلامية الأخرى التي سبقتها إلى الوجود والتي لم تكن بدورها قد تبلورت على نحو نهائي". وأهم هذه العلوم التي احتضنت البلاغة في نشأتها هي العلوم القرآنية والعلوم اللغوية والأدبية.
أما الصلة بين العلوم القرآنية والبلاغة فهي واضحة جلية، فقد كان علماء الدراسات القرآنية في فترة تكوين العلوم الاسلامية بلاغيين بقدر ما كانوا مفسرين أو متكلمين أو لغويين، وحسبنا أن نشير إلى أسماء أبي عبيدة معمر بن المثنى (توفى 208هـ/823م)، والفرّاء (توفى 207هـ/822م)، والأخفش سعيد بن مسعدة (توفى 215هـ/830م)، وابن قتيبة (توفى 276هـ/889م)، والزجاج (توفى 311هـ/923م)، وابن درستويه (توفى 347هـ/958م)، والرماني (توفى 384هـ/994م)، وغيرهم من علماء اللغة والكلام والتفسير ببغداد الذين كانوا في الوقت ذاته ممن أرسوا دعائم علم البلاغة وصنفوا كتباً كثيرة تحمل عنوان "معاني القرآن" و"إعجاز القرآن" و"مجاز القرآن" و"تأويل مشكل القرآن" و"متشابه القرآن" وغيرها.
وهذه المؤلفات تضم – إلى جانب العناية بالتراكيب والأساليب اللغوية – بعض الفنون البلاغية كالتشبيه والإستعارة والمجاز والكناية والاستفهام والتقديم والتأخير وغيرها. وليس أدل على دور العلوم اللغوية في نشأة البلاغة من أن أوّل كتاب احتوى بعض الأفكار البلاغية المتبلورة هو أساساً كتاب لغوي، ومؤلفه من علماء اللغة وهو أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي البصري نزيل بغداد (المتوفى 208هـ/823م) صاحب كتاب "مجاز القرآن" الذي يعده بعض مؤرخي البلاغة أوّل كتاب معروف من كتب البلاغة العربية.
وقد ذهب أحد الباحثين – بصدد حديثه عن أهمية كتاب أبي عبيدة في تأصيل العربية – إلى أنه إذا كان عبدالقاهر الجرجاني (المتوفى 471هـ/1078م) في كتابه "دلائل الإعجاز" أول مَن نادى من البلغاء بأن للكلام نظماً تجب رعايته واتباع قوانينه عند الإبانة والإفهام وإلا عدّ الكلام لغواً لا يدل على شيء، إذا كان عبدالقاهر أظهر مَن نادى بذلك، فإن بذور قضيته هذه (قضية النظم) كانت تكمن في كتاب "المجاز" لأبي عبيدة، حيث رأى في زمنه السابق ما رآه صاحب "الدلائل" في زمنه اللاحق. ويضاف إلى ذلك أن كتاب "المجاز" يحمل بذوراً لغراس ما عرف فيما بعد بعلمي المعاني والبديع.
ولعل أبرز تأثير للعلوم الأدبية في تلك المرحلة المبكرة من مراحل حياة البلاغة العربية والنقد الأدبي يتمثل في موسوعة عمرو بن عثمان الجاحظ البصري البغدادي (المتوفى 255هـ/868م) "البيان والتبيين". وهذا الكتاب – الذي انتقل إلى الأندلس – "احتوى على مجموعة من أهمّ الأصول البلاغية والنقدية الأولى التي قامت عليها دعائم علم البلاغة والنقد فيما بعد، والتي جعلت مؤرخي البلاغة يعتبرون الجاحظ واحداً من الآباء الشرعيين الأول لهذا العلم، على الرغم من أنّ الكتاب لا يشتمل على نظرية علمية متكاملة، أو حتى على قضايا بلاغية محددة، وإنما هي أفكار بلاغية متناثرة وسط حشد هائل من النصوص والأخبار الأدبية التي نماها البلاغيون فيما بعد، والأصول التي شادوا عليها صرح البلاغة العربية". ومن ذلك مثلاً أنّ الجاحظ أوّل مَن عنى بالبديع وصوره، وأطلقه على فنون البلاغة المختلفة، ولكنه لم يعرفه أو يشير إلى فنونه، بل كان يطلق هذا المصطلح إطلاقاً.
ومن الكتب الأدبية التي ذكرت فيها كثير من المسائل البلاغية والآراء النقدية كتاب "الكامل" لأبي العباس محمد بن يزيد المبرد البصري البغدادي (المتوفى 285هـ/898م)، وقد احتوى هذا الكتاب على دراسة للتشبيه من أعمق ما عرفته الكتب الأولى.
لقد كانت الكتابات البلاغية المبثوثة في مثل المؤلفات السابقة (القرآنية أو اللغوية أو الأدبية) تتسم بمجموعة من السمات والخصائص العامة التي يمكن أن تندرج تحت "غياب المنهج العلمي"، وكانت أبرز هذه السمات التي تمثل افتقار تلك المؤلفات إلى المنهج العلمي، أربع سمات أساسية، هي – ودون الدخول في التفاصيل – : عدم التبويب واضطراب مدلول المصطلحات، واختلاط القضايا البلاغية بموضوعات العلوم الأخرى، وعدم تميز علوم البلاغة الثلاثة بعضها عن بعض.
وهذه الظاهرة – أعني غياب المنهج العمي بمفهومه الدقيق – اتسعت لتشمل كل العلوم العربية والاسلامية في تلك المرحلة، مرحلة اختلاط هذه العلوم بعضها ببعض، ولم يكن الأمر مقصوراً على البلاغة وحدها.
- مرحلة النمو في الدراسات البلاغية وبعض المؤلفات العراقية التي تمثلها:
وقد ظلت العلوم القرآنية واللغوية والأدبية تمارس تأثيرها على البلاغة لفترة طويلة تجاوزت مرحلة النشأة إلى مرحلة النمو، "حيث لم تستطع البلاغة في مرحلتها الجديدة أن تتحرر تماماً من إسار تلك العلوم التي نشأت على هامشها ونمت في كنفها، لكن ملامح هذا العلم أخذت تتبلور وتتحدد حيث بدأت هذه الملاحظات البلاغية العابرة وتلك الآراء والأفكار المتناثرة في مؤلفات اللغويين والأدباء والمفسرين تنمو وتنضج لتصبح أبواباً وفصولاً متكاملة تتجاور مع الفصول والأبواب المخصصة لقضايا العلوم الأخرى ومباحثها في مؤلفات المرحلة الجديدة".
ومن المؤلفات التي تمثل مرحلة النمو في الدراسات البلاغية:
1- "تأويل مشكل القرآن" لإبن قتيبة عبدالله بن مسلم الدينوري البغدادي (المتوفى 276هـ/889م). صنّفه للرد على الملاحدة وأشباههم الذين يطعنون على القرآن الكريم ويقولون إن به تناقضاً وفساداً في النظم واضطراباً في الإعراب، وهو طعن مرده إلى الجهل بأساليب العربية. وفي هذا الكتاب يزداد البحث البلاغي والبحث اللغوي كلاهما تبلوراً ونضجاً، مع احتفاظ كل منهما بملامحه الخاصة، الأمر الذي كان تمهيداً لأن تستقل البلاغة كلية في المرحلة التالية عن العلوم اللغوية وعن كل العلوم الأخرى التي نشأت في كنفها.
2- كتاب "نقد الشعر" لأبي الفرج قدامة بن جعفر (المتوفى 337هـ/948م). وهذا الكتاب من أهم الكتب التي حولت كلاً من البلاغة العربية والنقد العربي إلى علم، "حيث حاول فيه مؤلفه أن يضع لهما الأساس النظري الدقيق بعد أن كانا قبله مجرد ملاحظات انطباعية"، وبعبارة أخرى "بنى فيه أسساً نقدية وبلاغية متكاملة، وغاص على أمور دقيقة في المعاني، وآمن بأنّ النقد يقوم على نظرية محددة". ويكتسب الكتاب أهميّته أيضاً في أنّه من أوضح نماذج تأثير الثقافة اليونانية على النقد والبلاغة العربيين بعد أن كانت نشأتهما نشأة عربية خالصة، كما أن مؤلفه اكتشف فيه مجموعة من الفنون البلاغية التي لم يسبق أحد إلى اكتشافها.
3- كتاب "النكت في إعجاز القرآن" لأبي الحسن علي بن عيسى الرماني البغدادي المعتزلي (المتوفى 384هـ/994م). ويعد واحداً من الكتب الرائدة حول قضية الإعجاز القرآني، وهو في الوقت ذاته واحداً من المصادر الأساسية الأولى في البلاغة العربية، فالجانب البلاغي فيه طاغ على علم الكلام. ويقول الدكتور شوقي ضيف: "إنّ الرماني أضاف في حديثه عن البلاغة إضافات جديدة إلى مَن سبقوه، فحدد بعض فنونها تحديداً نهائياً، ورسم لها أقسامها رسماً دقيقاً". وعلى الرغم من صغر حجم الكتاب، فإنه ترك أثراً بارزاً في مسار التأليف البلاغي، وتأثر به كثير من البلاغيين والنقّاد والمتكلمين الذين جاؤوا بعد الرماني، كالباقلاني (المتوفى 403هـ/1012م) في كتابه "إعجاز القرآن" وأبي هلال العسكري (المتوفى 395هـ/1004م) الذي نقل في كتابه "الصناعتين الكتابة والشعر" فصلاً كاملاً عن التشبيه من كتاب الرمان.
وتوجد كتب أخرى من تأليف العراقيين تمثل المرحلة الجديدة (مرحلة النمو) ولا تقل أهمية عن الكتب الثلاثة المذكورة في كونها احتوت على فصول ومباحث بلاغية ساعدت على استقلال هذا الفن فيما بعد، رغم أنها تعني أساساً بالنقد الأدبي، مثل كتاب "الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري" للحسن بن بشر الآمدي (الأصل) البصري (المنشأ) نزيل بغداد (المتوفى 371هـ/981م)، وكتاب "عيار الشعر" لأبي الحسن محمد بن أحمد بن طباطبا (المتوفى 322هـ/933م).
- عبدالله بن المعتز العباسي وأولى المحاولات لإستقرار البلاغة:
وقبل أن تنتهي المرحلة التي شهدت نمو البلاغة العربية والدراسات النقدية ممتزجة بالعلوم الأخرى – ولاسيما العلوم اللغوية والأدبية – ظهرت أولى المحاولات نحو استقلال البلاغة واستقرارها على يد الخليفة الشاعر الناقد عبدالله بن المعتز العباسي (المتوفى 296هـ/908م) في كتابه "البديع" الذي يعد "أوّل كتاب في تاريخ البلاغة العربية معروف لنا يرصد بأكمله للقضايا والمباحث البلاغية"، كما أنه يعد ذا أهمية بالغة في النقد العربي وتطوّره وتجميع الفنون الأسلوبية التي اعتاد الشعراء والبلغاء استخدامها. ويرى الدكتور شوقي ضيف في سياق تحليله لكتاب "البديع": "ان ابن المعتز أوّل مَن صنف في البديع ورسم فنونه وكشف عن أجناسها وحدودها بالدلالات البيِّنة والشواهد الناطقة، بحيث أصبح إماماً لكل مَن صنفوا في البديع بعده، ونبراساً يهديهم الطريق".
وقد عثرنا على اسم كتاب يحمل عنوان "تهذيب البلاغة" لأبي علي المازيار أحمد بن نصر بن الحسين (المتوفى 352هـ/963م) كان نديم سيف الدولة الحمداني بالموصل، ونزل بغداد وخدم الخليفة العباسي المعتضد. وقد يكون هذا الكتاب يمثل خطوة أخرى نحو استقلال البلاغة.
وعلى الرغم من أنّ بداية استقلال البلاغة العربية تعود إلى وقت مبكر كانت المرحلة الثانية فيه لا تزال في عنفوانها (أواخر القرن الثالث الهجري تاريخ تأليف كتاب "البديع" لإبن المعتز)، فإنها احتاجت إلى قرنين من الزمان لتبلغ قمة نضجها وازدهارها على يد عبدالقاهر الجرجاني (المتوفى 471هـ/1078م) في كتابيه "دلائل الإعجاز" و"أسرار البلاغة"، ثم إلى أكثر من قرن ونصف قرن آخرين لكي تستقر نهائياً أو تتجمد على صورتها الأخيرة على يد السكاكي (المتوفى 626هـ/1228م) في كتابه "مفتاح العلوم".
- ارتباط النقد الأدبي بالبلاغة في مؤلفات العراقيين خلال القرنين 3 و4هـ:
وقبل أن نختم هذا المبحث، نودّ أن نشير إلى ملاحظة لها صلة بالنقد الأدبي، وهي أنّ النقد الأدبي قد نما وتطوّر في ظل البحث البلاغي ونموه، وكان من الصعب التفريق في كثير من النتاج النقدي والأدبي الذي كتبه العراقيون في القرنين الثالث والرابع الهجريين بين ما هو مؤلفات نقدية وما هو مؤلفات بلاغية، حيث لم ينفصل النقد عن البلاغة انفصالاً حاسماً على الرغم من أن كلاً منهما كان قد استقل بمباحث وقضايا خاصة، ولكن هذه القضايا ظلت متجاورة ومتداخلة في مؤلفات تلك الفترة، وكان كل مَن يعرض لتاريخ البلاغة العربية (من الباحثين المحدثين) من خلال مؤلفات هذه المرحلة يتناول المؤلفات ذاتها باعتبارها مصادر نقدية، ويستوي في ذلك كتب النقد النظري التي تدور حول نظرية الأدب أو جنس من أجناسه (مثل كتاب "الصناعتين" لأبي هلال العسكري، وكتاب "نقد الشعر" لقدامة بن جعفر، و"عيار الشعر" لإبن طباطبا)، وكتب النقد التطبيقي التي تهتم بدراسة نتاج شاعر أو أكثر، مثل كتاب "الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري" للحسن بن بشر الآمدي نزيل بغداد (المتوفى 371هـ/981م).
ومن الكتب التي أولت عناية أكثر بنقد الشعر غير ما ذكرنا – وتنسب لعلماء عراقيين – كتاب "قواعد الشعر" لأبي العباس ثعلب الكوفي نزيل بغداد (المتوفى 291هـ/903م)، وكتاب "صنعة الشعر والبلاغة" لأبي سعيد السيرافي البغدادي (المتوفى 368هـ/978م)، وكتاب "الموشح" لأبي عبدالله محمد بن عمران المرزباني البغدادي (المتوفى 384هـ/994م) وله أيضاً كتاب "الشعر" وهو كتاب جامع لفضائل الشعر ومحاسنه وأوزانه وعيوبه وأجناسه ومختاره وبيان منحوله ومسروقه وغير ذلك. ومن كتب النقد أيضاً: كتاب "سر الصناعة" لأبي الفتح عثمان بن جني (المتوفى 392هـ/1001م)، ورسالة الصاحب بن عباد (المتوفى 385هـ/995م) "الكشف عن مساوئ المتنبي"، وكتاب "الأوراق" لأبي بكر محمد بن يحيى البغدادي المعروف بالصولي (المتوفى 335هـ/946م)، وغير ذلك من المؤلفات التي تعطي عناية أكثر بالنقد الأدبي.
وقد دارت هذه المؤلفات حول مجموعة من الآراء النقدية مما له صلة بالشعر والنثر من حيث أسرار البيان وحسن الطبع وجودة الصنعة ودقة التصوير، وحسن التشبيهات، وصدق العاطفة، فضلاً عن دراسة المعاني والألفاظ من حيث التجديد والإبتكار، والعناية بالأنواع البديعية والصنعة الفنية، والموازنة بين الشعراء من حيث سبقهم إلى ابتكار المعاني والتجديد في الصياغة ومكانتهم الشعرية وما كان بينهم من تنافس وخصومة أدبية.
والخلاصة: أن حياة البلاغة العربية – ومعها النقد الأدبي – بدأت في العراق، وأن الذين كانت لهم اليد الطولى في تطويرها وجعلها علماً مستقلاً كانوا من اللغويين والبلاغيين العراقيين على النحو المذكور آنفاً.
وهؤلاء كان لهم تأثير مباشر في هذا الميدان على الأقطار الإسلامية، لا بما صنّفوه من كتب فحسب، ولكن أيضاً بما علّموه للوافدين عليهم في مجالس اللغة والأدب، ولم يكن لعلماء الأندلس أن يبنوا صرح الحياة الأدبية في بلادهم إلا بإعتمادهم على الأدب العربي الذي نما وترعرع في ظل الحضارة الاسلامية ببغداد

افتراضي رد: بحث عن البلاغه والتشبية

سحر البلاغه واسرااااارهااااااااا
سحر البلاغة وسر البراعة
للثعالبي
ذكر الله تعالى ورسوله وكتابه
صلى الله عليه وسلم وكتابه
مقدمات
الحمد لله تبارك وتعالى، إن أولى ما فغر به الناطق فمه، وافتتح به كلمه، حمداً لله، واجب على كل ذي مقالة أن يبدأ بالحمد قبل افتتاحها كما بديء بالنعمة قبل استحقاقها. الحمد لله كما افتتح كتابه الكريم، وفرقانه العظيم. الحمد لله شعار أهل الجنة كما قال الله تعالى: " وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ". حمد الله خير ما افتتح به القول واختتم، وابتدئ به الخطاب وتمم. خير كلمات الشكر ما افتتح به القرآن من الحمد لله رب العالمين.
غرر التحاميد
الحمد لله الذي لم يستفتح بأفضل من اسمه كلام، ولم يستنجح بأحسن من صنعه مرام. الحمد لله الذي جعل الحمد مستحق الحمد حتى لا انقطاع، وموجب الشكر بأقصى ما يستطاع. الحمد لله مانح الأعلاق، وفاتح الأغلاق. الحمد لله إبداء وإعادة. الحمد لله معز الحق ومديله، ومذل الباطل ومزيله. الحمد لله المبين أيده، المتين كيده. الحمد لله ذي الحجج البوالغ والنعم السوابغ والنقم الدوامغ. الحد لله معز الحق وناصره ومذل الباطل وقاصره. الحمد لله الذي أقل نعمه يستغرق أكثر الشكر والحمد لله الذي لا خير إلا منه ولا فضل إلا من لدنه.
وصف الحمد
حمد لا انقطاع لراتبه ولا إقلاع لسحائبه. حمداً يكون لإنعامه مجازياً ولإحسانه موازياً، وإن كانت آلاؤه لا تجازي، ولا توازي، ولا تباري، ولا تجاري. حمداً يتردد أنفاس الصدور ويتكرر تكرر لحظات العيون. حمداً يستنزل الرحمة ويستكشف الغمة. حمداً يبلغ الحق ويقتصيه، ويمتري المزيد ويقضيه. حمداً يؤنس وحشي النعم من الزوال، ويحرسها من التغير والانتقال.
عادة الله جل ذكره
عادة الله لا تطلب لها غاية إلا قصرت الأوهام عنها، ولا تنسخ فيها آية إلا أتي بخير منها، لا يزال الله يجرينا على أحسن عادة، ويقسم لنا أفضل سعادة. عادة من الله كريمة لا تخلف، وعدة من تفضله لا تخلف، على أحسن ما اعتيد، من إحسانه العتيد، عادة الله جميلة تفوت الشكر وتسبقه، وتستوعب الحمد وتستغرقه، عادات الله قد فاتت مرام الهمم، وشأت تواريخ الأمم.
صنع الله ولطفه
للدهر نوائب تتخرم وتتطرف، ثم إن غمراتها تتجلى وتتكشف، فلله تعالى في أثنائها الصنع الجزيل والفرج القريب، سبحان من له في كل قضية ألطاف نعرفها ونثبتها في فضله ونعمته، أو نجهلها فنردها إلى عدله وحكمته. أحمد الله الذي لا يخلي عباده من صنع لهم تنطوي عليه أثناء النكبات إذا طرقت، ولطف بهم يلين صعاب الخطوب إذا جمحت. ألطاف الله تسير إلى عباده في طرق خفية المذاهب، رقيقة الجوانب. لله مع كل لمحة صنع حفي ولطف خفي، لله ألطاف سيبلغ الكتاب فيها أجله، ويعمل الإقبال في إتمامها عمله. صنع الله لطيف، وفضله بنا مطيف.
ذكر الله تعالى في أثناء الكلام
علام الغيوب، ومن بيده أزمة القلوب، الخبير بما تجن الظمائر، وتكن السرائر، العالم بما تفضي إليه الأمور، وبخائنة الأعين وما تخفي الصدور، أكرم مسؤول، وأعظم مأمول، سميع لراجيه، قريب ممن يناجيه، حكمه مقبول، وأمره مفعول، الله يعلم وهو أعلم شهيد، وأقرب للضمير من حبل الوريد، وكل خير بيديه، وتتوجه الرغبات إليه، الله الحفي بساؤله، المشفع لوسائله، الذي بيده مقاليد الأمور، ومفاتيح المقدور، الله منجز عداته، وحافظ عاداته، هو النافذ أمره، العزيز نصره، الجلي صنعه، الخفي مكره، أن الله يقضي ما يريد، وإن رغم أنف الشيطان المريد. هو السميع البصير، العالم بما يجن الضمير، من له الخلق والأمر، وسواء عنده السر والجبر، مولى الخلق، وباسط الرزق قد أحلته على ملي، وكتبت له إلى وفي، إن الله منجز وعده، ولا خلف عنده، الأمر له والخلق بيديه، والاستعانة به والتفويض إليه.
ذكر النبي محمد
صلى الله عليه وسلم
سليل أكرم نبعة، وقريع أشرف بقعة. جاء بأمته من الظلمات إلى النور، وأفاء عليهم الظل بعد الحرور. محمد نبي الله وصفوته وخيرته من بريته، مؤكد دعوته بالتأييد. ومفرد شريعته بالتأبيد، خيرة الله من خلقه. وحجته في أرضه، والهادي إلى حقه. والمنبه على حكمه، والداعي إلى رشده. والآخذ بفرضه، مبارك مولده، سعيد مورده، قاطعة حججه. سامية درجه، ساطع صباحه. متوقد مصباحه، مظفرة حروبه. ميسرة خطوبه، قد أفرد بالزعامة وحده، وحتم بأن لا نبي بعده، نفصح بشعاره على المنابر. وبالصلاة عليه في المحاضر، ونعمر بذكره صدور المساجد، وتستوي في الانقياد لأمره حالتا المقر والجاحد، آخر الأنبياء في الدنيا عصراً. وأولهم يوم الدين ذكراً، وأرجحهم عند الله ميزاناً. وأوضحهم حجة وبرهاناً، صدع بالرسالة، وبلغ في الدلالة. ونقل الناس من طاعة الشيطان الرجيم، إلى طاعة الرحمن الرحيم. أرسله الله للإسلام قمراً منيراً، وقدراً على أهل الضلال مبيراً.
الصلاة عليه مع الافصاح
صلى الله على محمد خير من افتتحت بذكره الدعوات، واستنجمت بالصلاة عليه الطلبات، صلى الله على محمد نبي مبعوث، وأفضل وارث وموروث، صلى الله على كاشف الغمة عن الأمة، الناطق فيهم بالحكمة، الصادع بالحق، الداعي إلى الصدق، محمد رسوله الذي ملكه هوادي الهدى، ودل به على ما هو خير وأبقى، صلى الله على بشير الرحمة والثواب، ونذير السطوة والعقاب، محمد الذي أدى الأمانة مخلصاً، وصدع بالرسالة مبلغاً ملخصاً، صلى الله على أتم بريته خيراً وفضلاً، وأطيبهم فرعاً وأصلاً، وأكرمهم عوداً ونجراً، وأعلاهم منصباً وفخراً.
ذكر الآل
وعلى آله الذين عظمهم توقيرا، وطهرهم تطهيرا، وعلى آله مقاليد السعادة ومفاتيحها، ومجاديح البركة ومصابيحها، أعلام الإسلام، وأمان الإيمان، الطيبين الأخيار، والطاهرين الأبرار، الذين أذهب عنهم الأرجاس، وطهرهم من الأدناس، وجعل مودتهم أجراً له على الناس، وعلى آله الذين هم حبل الهدى، وشجرة التقوى، وسفينة النجاة العظمى، وعروة الدين الوثقى، الذين هم زينة الحياة، وسفينة النجاة، وشجر الرضوان، وعشيرة الإيمان، وعلى الشجرة التي أصلها نبوة، وفرعها مروة، وأغصانها تنزيل، وورقها تأويل، وخدمها جبريل وميكائيل.
ذكر القرآن
حبل الله الممدود، وعهده المعهود، وظله العميم، وصراطه المستقيم، وحجته الكبرى، ومحجته الوضحى، هو الواضح سبيله، الراشد دليله، الذي من استضاء بمصابيحه أبصر ونجا، ومن أعرض عنها زل وهوى، فضائل القرآن، لا تستقصى في ألف قران. حجة الله وعهده، ووعيده ووعده، به يعلم الله الجاهل، ويعمل العاقل. وينتبه الساهي، ويتذكر اللاهي. بشير الثواب، ونذير العقاب، وشفاء الصدور، وجلاء الأمور. من فضائله أنه يقرأ دائباً، ويكتب ويمل فلا يمل. ما أهون الدنيا على من جعل القرآن إمامه، وتصور الموت أمامه. طوبى لمن جعل القرآن مصباح قلبه، ومفتاح لبه. من خلق القرآن حفظ ترتيبه، وحسن ترتيله.
كتاب الأزمنة والأمكنة
وما يتصل بها ويشاكلها
في الربيع وإقباله
قد أقبل الربيع بأسعد فاله، والحسن والطيب في إقباله. أقبل الربيع يتبسم، ويكاد من الحسن يتكلم. تنفس الربيع عن أنفاس الأحباب، وأعار الأرض أثواب الشباب. تنفس فنفس عن المكروب، وأهدى الروح والراحة للقلوب. استخرج من زهر البساتين، ما دفنته يد الكوانين. جاء يجر أذيال العرائس، وينشر أجنحة الطواويس. تبلج عن وجه بهج، وجو غنج، وروض أرج، وطير مزدوج. أقبل برائحة الجنان، وراحة الجنان، أسفر عن ظل سجسج، وماء سلسل وروض مدبج. جاء معيداً للأنس العازب، ومطلعاً للهو الغارب. تبلج عن نوره، وتفتح عن نوره. لاحت منهجه، وراقت مباهجه. مرحباً بالفصل، الجامع لأحكام الفضل، زائر من القلوب قريب، وكله حسن وطيب. زائر لباسه حرير، وأنفاسه عبير. انكشفت غمة الشتاء الكالح عن غرة الربيع الضاحك، أذال الربيع أذيال الحرير، وعبرت أنفاسه عن العبير. تبدل الشباب من المشيب، وبرز في مطرفه القشيب. عطر السهول والوعور، فعطل المسك والكافور. الزمان معتدل، ووجهه طلق مقتبل. وسحابه ماطر، وترابه عاطر، كأن الجنة قد نزلت إلى الأرض في أبهى حللها وأنفس حلاها، وما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين منها، قد تبرجت الأرض للنظارة، وبرزت في معرض الحسن والنضارة، لبست الأرض قناعها الأخضر، ونضت شعارها الأغبر. حاك الربيع حلل الأزهار، وصاغ حلى الأنوار.
في النسيم ووصف أثره
زائر وجهه وسيم، وفضله جسيم، وريحه نسيم، قد سفر الربيع عن خلق الكريم، ونطق بلسان النسيم. وأفاض ماء النعيم، هب النسيم من الكرى، وهب على الورى، وعطر الثرى. جر على الأرض أزره، وحل عن جيب الطيب زرره. نسيم الريح، نسيب الروح، قد ركضت خيول النسيم في ميادين الرياض. يا لك من منظر جناني، وماء فضي، ونسيم عطري، قد حلت يد المطر إزرار الأنوار، وأذاع لسان النسيم أسرار الأزهار.
في وصف الرياض
وضة رقت حواشيها، وتأنق واشيها، روضة كالعقود المنظمة، على البرود المنمنمة. روضة قد نشرت طرائف مطارفها، ولطائف زخارفها، فطوي لها الديباج الخسرواني، ونفي معها الوشي الإسكندراني. روضة قد راضتها يد المطر. روضة دبجتها أيدي الندى. أخرجت الأرض أسرارها، وأظهرت يد الغيث آثارها، واطلعت الرياض أزهارها. الرياض كالعرائس في حليها وزخارفها، والقيان في وشيها ومطارفها، باسطة زرابيها وأنماطها، ناشرة حبرها ورياطها، زاهية بحمرائها وصفرائها، تائهة بعوانها وعذرائها، كأنما احتفلت لوفد، أو هي من حبيب على وعد. روضة قد تضوعت بالأرج الطيب أرجاؤها، وتبرجت في ظلل الغمام صحراؤها، وتفاوحت بنوافج المسك أنوارها، وتعارضت بغرائب النطق أطيارها.
في وصف البساتين
بستان رق نوره النضيد، وراق ورقه النضير. بستان غصنه خضر، وربعه خصب، ونوره نضر، وماؤه خصر. بستان كأنه أنموذج الجنة. بستان لا يحل لأريب أن لا يحل به. بستان أرضه للبقل والريحان، وسماؤه للنخل والرمان. بستان أنهاره مفروزة بالأزهار، وأشجاره موقرة بالثمار، أشجار كالعذارى يسرحن الضفائر، وينشرن الغدائر. أشجار كأن الحور أعارتها قدودها، وكستها برودها، وحلتها عقودها.
في ذكر النرجس والورد والشقائق
الربيع شباب الزمان، ومقدمة الورد والريحان. زمن الورد موموق مرموق، وكأنه من الجنة مسروق. قد ورد كتاب الورد، بإقباله إلى أهل الود، إذا ورد الورد، صدر البرد، مرحباً بأشرف الزهر، في أظرف الدهر، كأن عين النرجس عين، وورقه ورق، النرجس نزهة الطرف، وظرف الظرف، وغذاء الروح، ومادة الروح، شقائق كتيجان العقيق على الزنوج، كأنها أصداغ المسك على الوجنات الموردة. شقائق كالزنوج تجارجت فسالت دماؤها، وضعفت فبقي ذماؤها.
في غناء الأطيار
الأرض زمردة والأشجار وشي، والماء سيوف والطيور قيان. قد غردت خطباء الأطيار، على منابر الأنوار والأزهار، إذا صدح الحمام، صدع قلب المستهام، أنظر إلى طرب الأشجار، لغناء الأطيار. ليس للبلابل، كخمر بابل، على غناء البلابل.
في وصف أيام الربيع
يوم سماؤه فاختيه، وأرضه طاوسية. يوم جلابيب غيومه صفاق، وأردية نسيمه رقاق، يوم معصفر السماء، ممسك الهواء، معنبر الرياض مصندل الماء. يوم سماؤه كالخز الأدكن، وأرضه كالديباج الأخضر. يوم تبسم عنه الربيع، وتبرج فيه الروض المريع. كأن سماءه مأتم، وأرضه عرس.
مقدمة المطر
لبست السماء جلبابها. سحب السحاب أذياله. احتجبت الشمس في سرادق الغيم، ولبس الجو مطرفه الأدكن. باحت الريح بأسرار الندى. ضربت خيمة الغمام، وقام خطيب الرعد، ونبض عرق البرق، سحابة رعدها يصم الأذن، وبرقها يخطف العين. سحابة ارتجزت رواعدها، وأذهبت بروقها مطاردها. نطق لسان الرعد، وخفق قلب البرق. الرعد ذو صخب، والبرق ذو لهب. ابتسم البرق عن قهقهة الرعد. زأرت أسد الرعد، ولمعت سيوف البرق. رعدت الغمائم وبرقت، وانحلت عزالى السماء فطبقت. سحابة هدرت رواعدها، وقربت أباعدها، وصدقت مواعدها. كأن البرق قلب مشوق، بين التهاب وخفوق.
في السحاب والمطر
انحل عقد السماء، وهي عقد الأنواء. انحل سلك القطر، عن در البحر. أرخت السماء عزاليها، وأغرقت الأرض وسحت نواحيها. هطلت بمثل أفواه القرب، انتثرت كانتثار العقود. استعار السحاب جفون العشاق، وأكف الأجواد. انحل خيط السماء، انقطع شريان الغمام. سحابة تنخل علينا ماء البحر، وتفض لنا عقود الدر. سحاب حكى المحب في انسكاب دموعه، والتهاب النار بين ضلوعه، سحابة تحدو من الغيوم جبالا، وتمد من الأمطار حبالا. سحابة ترسل الأمطار أمواجا، والأمواج أفواجا. تحللت عقد السماء بالديمة الهطلا. غيث أجش يروي الهضاب والآكام، ويحي النبات والسوام. غيث كغزارة فضلك، وسلاسة طبعك، وصفاء ودك. وبل كالنبل. سحابة يضحك من بكائها الروض، وتخضر من سوادها الأرض. سحابة لا تجف جفونها، ولا يخف أنينها، ديمة روت أديم الثرى، ونبهت عيون النور من الكرى. سحابة ركبت أعناق الرياح. مطر كأفواه القرب، ووحل إلى الركب. أندية قد من الله معها على البيوت، بالثبوت، وعلى السقوف، بالوقوف.
في وصف الماء وما يتصل به
ماء كالزجاج الأزرق، غدير كعين الشمس، موارد كالمبارد. ماء كلسان الشمعة، أصفى من الدمعة، يسيح في الرضراض، سيح النضناض. ماء إذا مسته يد النسيم حكى سلاسل الفضة. ماء إذا صافحته راحة الريح، لبس الدرع كالمسيح. ماء يتصندل ويتسلسل. كأن الغدير بنبات الماء مصندل مطير، بركة كأنها مرآة السماء، بركة مفروزة بالخضرة رداء، كأنها مرآة مجلوة على ديباجة خضراء، غدير ترقرقت فيه دموع السحائب، وتواترت عليه أنفاس الرياح الجنائب. غدير ساكن إلا من نسيم الصبا يحركه بأنفاسه، وينقش وجهه بأرواحه. ماء يبوح بأسراره وصفاؤه، ويلوح في قراره حصباؤه، ماء كأنما يفقده من يشهده. ماء أرق من دموعي فيك وأعذب من أخلاقك، وأبرد من فعل الزمان حين رماني بفراقك. نهر يتسلسل كالزرافين، ويرضع أولاد الرياحين.
في ذكر الصيف ووصف الحر
قوي سلطان الحر. فرش بساط الجمر. أقبلت أوائل الحر، وغير الهواء طبعه، وبدل مزاجه. حر الصيف، كحد السيف. أوقدت الشمس نارها، وأذكت أوارها. حر يلفح حر الوجه. حر يشبه قلب الصب. ويذيب دماغ الضب. هاجرة كأنها من قلوب العشاق، إذا اشتعلت فيها نار الفراق. هاجرة تحكي نار الهجر، وتذيب قلب الصخر. كأن البسيطة من وقدة الحر، بساط من الجمر. حر يهرب له الحرباء من الشمس. قد صهرت الهاجرة من الأبدان، وركبت الجنادب العيدان. حر ينضج الجلود، ويذيب الصيخود. أيام كأيام الفرقة امتداد، وحر كحر الوجد اشتداد حر لا يطيب معه عيش، ولا ينفع ثلج ولا خيش. حمارة القيظ، تغلي بصدر الغيظ، آب آب يجيش مرجله، ويثور قسطله. هاجرة كقلب المهجور، والتنور المسجور. هاجرة كالسعير الجاحم، تجر أذيال السمائم، ظلها يحموم، وماؤها محموم.
ذكر الخريف
انحسر قناع الصيف. خف سلطان الحر. خبت جمرة الهواجر. جاشت جيوش الخريف. فررت رايات المصيف، قد أخذ البرد يجمشنا بلواحظه، ويقرصنا بأنامله. أخذت عواصفه تهب، وأقبلت عقاربه تدب. قد حلت الشمس الميزان، وعدل الزمان الميزان، لفح المصيف قد كف، ووقع الشمس قد خف، خفت الرياح، وجفت الأعواد.
في الشتاء ووصف البرد والثلج والجمر
ألقى الشتاء كلكله، وأحل بنا أثقاله. مد الشتاء رواقه، وألقى أرواقه، وحل نطاقه. ضرب الشتاء بجرانه، واستقل بأركانه، أناخ بنوازله، وأرسى بكلاكله، وكلح بوجهه، وكشر عن أنيابه. في الشتاء كلب، وفي الهواء غلظ، قد عادت هامات الجبال شيبا، ولبست من الثلج ملاء قشيبا. شابت مفارق البروج، لتراكم الثلوج. ألم المشيب بهامات بيضت لممها، قد صار البرد حجابا، والثلج حجازا، برد يعبس له الوجه الطلق. برد يزوي الوجوه، ويعمش العيون، ويسيل الأنوف. برد يغير الألوان، ويقشف الأبدان. برد يقضقض الأعضاء، وينفض الأحشاء. برد أجمد الريق في الأشداق، والدمع في الآماق. حال بين الكلب وهريره، والأسد وزئيره، والطير وصفيره، والماء وخريره، نحن بين لثق ودمق وزلق.
في الاستظهار على البرد
ليس للبرد كالبرد والجمر، إذا كلب الشتا، فدرياق سمومه الصلا.
في نعت الأيام الشتوية
يوم كأن الأرض شابت لهوله. يوم فضي الجلباب، مسكي النقاب. يوم عبوس قمطرير، كشر عن ناب الزمهرير، وفرش الأرض بالقوارير. يوم أخذت الشمال زمامه، وكساه الصر ثيابه. يوم كأن الدنيا فيه كافورة. والأرض قارورة، والسماء بلورة. يوم أرضه كالقوارير اللامعة، وهوآؤه كالزنانير اللاسعة. يوم أرضه كالزجاج، وأعالي الزجاج. يوم يثقل فيه الخفيف إذا هجم، ويخف الثقيل إذا هجر.
أبواب ذكر الليل والنهار
ووصف أوقاتهما واختلاف أحوالهما، وما يتصل بهما
في ذكر اقبال الليل وانتشار الظلمة وطلوع الكواكب
أقبلت عساكر الليل، خفقت رايات الظلام، خلع الليل علينا فروته، وألبسنا الظلام بردته. تفقد الشفق، في ثوب الغسق، قيد الظلام الحاظ العيون. وستره الظلام بذيله. أقبلت وفود النجوم. جاءت مواكب الكواكب. تفتحت أزاهير النجوم. نورت حدائق الجو. أذكى الفلك مصابيحه، طفت النجوم في بحر الدجى.
ذكر الليالي المظلمة
لبس الليل جلباباً من القار، ليلة كجناح الغراب، وشعر الشباب، وحدق الحسان، وذوائب العذارى. ليلة كأنها في لباس بني العباس، كأنها في لباس الثكالى، كأنها من الغبش، موكب الحبش. ليلة يضل بها الغطاط، ولا يبصر فيها الوطواط. ليلة قد حلك إهابها، وكأن الفجر يهابها. ليلة استعارت لون الخيل الدهم، كأن الأرض مصبوغة فيها بالمداد.
في ذكر الليالي الطلقة الطيبة المشكورة
ليلة سحر كلها. ليلة كأنها نهار. ليلة من حسنات الدهر. ليلة هواؤها صحيح ونسيمها عليل. ليلة كبرد الشباب. ليلة فضية الأديم، مسكية النسيم. ليلة هي لمعة العمر، وغرة الدهر. ليلة مسكية الأديم، كافورية النجوم. ليلة رقد الدهر عنها، وطلعت سعودها، وغاب عذالها. ليلة كالمسك منظرها ومخبرها. هي ليلة باكورة العمر، وبكر الدهر. ليلة يلتقي طرفاها. ليلة ظلماتها أنوار، وطوال أوقاتها قصار. ليلة كما شاء المحب. ليلة مسروقة من الدهر، ليلة مريضة النسيم، صحيحة الهواء، موشية بالنجوم، مطرزة بالقمر.
في ضد ذلك وذكر طول الليل

افتراضي رد: بحث عن البلاغه والتشبية

.................................................. ......

افتراضي رد: بحث عن البلاغه والتشبية...التقديم والتاخير في البلاغه مع التحميل

مصطلحات النقد العربي
تقديم


لا يقلّ اكتشاف اللغة في العصر الحديث عن أيّ اكتشاف علمي آخر على مستويات عدّة، لما في اللغة من وسائل تساعد الإنسان على الفهم والإفهام. ومعلومٌ كذلك أنّ الإنسان لم يعرف نفسه ولم تعرفه العامّة إلاَّ متكلّماً لُسناً، وفي الغالب قارئاً حصيفاً وكاتباً بارعاً.
لكن هذه الأصوات والرّسوم الحرفية التي يلفظها الإنسان أو يكتبها، لم تكن في حدّ ذاتها موضوع السؤال الأساس والرئيس في جلّ الدّراسات التي جعلتها مادة لـها. ولم يكن اكتشاف الدلالة بشكل أخصّ يشكل الهمّ الأساس لدى الباحثين والكتّاب.
وفي زمن لاحق، وحينما أخذت الأسئلة تلاحق ما تعنيه الدّلالة، أي ما تعنيه اللغة: حروفها وكلماتها ومفاهيمها، ظلّ الاستفهام يدور حول اللغة بوصفها أداة للتواصل. وليس اللغة باعتبارها أول وأهمّ ما يشكّل الدلالة وموضوعها معاً.
ومعلوم كذلك، أننا نستخدم ملفوظات العقل في الكلام اليومي، ونستخدم الكلمات للدلالة عن كنه الأشياء، لنعني بها ما نفهمه نحن وما نودّ إفهامه للآخر. ثم أن اللغة جهاز من المفاهيم المنشئة للمعرفة، إلاَّ أنها تظلّ مساحة خصبة هائلة ومنظومة غير مكتشفة جليّة، وحدودها لازالت مقفلة.
نقول هذا على عجل لنشير في هذه التقدمة المنهاجية، لأنّ موضوعنا الرئيس هو المصطلح السيميائي، بكلّ جذوره وتفرّعاته الفلسفية والعلمية، باعتباره جزءاً لا يتجزّأ من تلك اللغة التواصلية، وممارسة إجرائية تشكّل حيزاً متميّزاً للدلالة في الحقل النقدي المعاصر.
من هنا، سعى الباحث إلى اتخاذ موقف من الجدل الذي لا يزال قائماً بين الباحثين والنقاد العرب، في تحديد ماهية المصطلح والمصطلحية، كمسألة عدّها جلّ اللغويين متجذرة الوجود في اللغة العربية، وعدّها بعضهم وافدة من الغرب، محدثة النشوء أريد بها عند آخرين علماً خاصّاً بذاته، ثم حقلاً معرفياً عادياً.
وعليه، فإننا لا نبالغ إذا قلنا إنّ طبيعة هذا الخلاف الناشئ حول هذين الحقلين مفتعلة، ولا تقوم على دعائم موضوعية، لأنّ أصل الخلاف كامن حول المصطلحات المستعملة في الإنجازات النقدية وليس حول العلم ذاته. فعلم المصطلح مثلاً، في اللغة العربية علم ليس بجديد. إذ هو نشاط مارسته العرب عبر الزمن، واتخذت منه حقلاً معرفياً معاجمياً، وتجلت ملامحه في القواميس والمعجمات المنجزة عبر العصور.
كما أنّ هذا العلم بدأ يشهد تداخلات مصطلحية منذ دخول النظريات اللسانية إلى النقد، منذ أن استلهمت الحداثة العربية أدواتها المفاهيمية الإجرائية من المنجز الغربي، حيث استفاد النقاد من منجزات العلوم اللسانياتية الحديثة الوافدة من أوروبا، ومن أمريكا، وفي مختلف الاتجاهات وبشتى اللغات.
من هذا المنتهى، عزم الباحث الخوض في جهود النقاد العرب بخصوص مجال المصطلحات السيميائية، بوصفها إحدى الأدوات الإجرائية اللغوية في نقد الأعمال الأدبية، ساعياً إلى الوقوف على "المصطلحية السيميائية العربية" النشوئية في هذا الميدان مترجمة تعمق مجاله، وتصوغه صياغة شبه نهائية. ووفق مناهج علمية معصرنة تمكّن أعمالهم من الاتسام بالشرعية العلمية.
وطبيعي كذلك، أن اتجهت هذه الجهود في وضع المصطلح السيميائي النقدي العربي إلى التكاثر، مع تزايد البحث في النقود الحداثية، انطلاقاً من المدّ البنيوي إلى عهد السيميائية والتفكيكية. وقد تجلّى مثل هذا الاهتمام في تكاثر التآليف النقدية السيميائية. وبموازاة ذلك تكاثرت الاختلالات بخصوص المصطلح نفسه إلى درجة صار الاختلاف داء من أدواء لغتنا العربية، ينمو ويستمر كلما اتسعت دوائر البحث في هذه النظريات.
وأوّل ما فعله الدّارسون لحال المصطلح النقدي والمصطلح السيميائي بوجه أخصّ، هو طرحهم السؤال: هل أنّ الإحساس بوضع المصطلح في مقال الشيء كان مواكباً لوعي الناقد العربي القديم؟ وهل مسألة تضارب استعمالات المصطلحات السيميائية طبيعية ـ بين ولادتها الأصلية، في مصادرها الأولى، وتناقلها عبر وسطاء إلى الساحة النقدية العربية، بالترجمة طوراً وبطرائق مختلفة تقليدية أطواراً أخرى؟. وهل مسلك النقاد العرب في ظلّ تكاثر البحوث السيميائية أسهم في تحديد معارف المصطلحات أم في تجميعها بكثافة دون توضيح العلائق المتحكمة بين المصطلحات الأوروبية والفرنسية والأنجلوساكسونية الإنجليزية.
وقد حركت الكاتب رغبة ملحة في اختيار هذا الموضوع وهي في الأصل نابعة من عدّة عوامل أهمها:
1 ـ كشف القصور السائد في صياغة المصطلح النقدي.
2 ـ استبار مدى فهم النقاد للمصطلحات الألسنية. إذ لا يجوز علمياً الحكم على الناقد العربي أو عليه، ما لم يحدّد مدى استيعابه لـهذه النظرية الألسنية أو ذلك المنهج أو ذاك المصطلح.
3 ـ الرغبة في تخصيص مصطلحية عربية جامعية ضرورية لكلّ باحث وطالب في النظرية السيميائية، باعتبارها معرفة علمية أساسية، وباعتبار المصطلحات آليات لـها شأنها في الثورة العلمية الحديثة.
4 ـ السعي إلى تجاوز تكاثر المصطلحات بشكل عام، ومن ثم المصطلحات السيميائية، فهي ركيزة الدّرس السيميائي العالمي بشكل عام والعربي بشكل خاص.
5 ـ إشاعة المصطلح السيميائي بوصفه تخصصاً علمياً، ومقياساً لا تستغني عنه العلوم الإنسانية قاطبة. إذ كيف تدرس اللسانيات بمفاهيمها، ويؤتونها دون أن تلحق بدروس في المصطلحات، والحال نفسه مع السيميائيات.
6 ـ تجاوز الطرائقية التقليدية في إيجاد المصطلحات. لأنّ الواقع يشهد بأنّ الباحثين العرب تمكّنوا من النظريات والمصطلحات عن طريق فعل القراءة، بعيداً عن السبل المهترئة في صوغ المصطلحات.
7 ـ حصر إشكالية التعارض التي لا تزال تسم حركية البحث، اعتباراً لما أنجز في النقود العربية إلى حدّ اليوم، لاسيما أنّ مثل هذا التعارض ما كان ليوجد لولا وجود هذا التنوع البشري أصلاً، لدى الغرب والعرب أجمعين.
8 ـ افتقار السّاحة النقدية العربية إلى مواقع ومؤسسات تؤطر المنجز المصطلحي الراهن، بغض النظر عن بعض المجهودات الفردية.
ولذلك تبين ـ ومنذ أول الخطو ـ، أنّ الأسئلة كثيرة والإجابات مختلفة بخصوص المصطلح النقدي، وبخصوص المعاجمية العربية المفترضة في تقديم أدوات إجرائية عملية ومقاربة مفاهيمية.
وتبين كذلك، أنّ موضوع البحث غير نهائي مادامت المصطلحات عوالم ممكنة باستمرار. لزم تقبلها مع الانزياحات المصطلحية، فيدرس الاختلاف لئلا يزداد البون بخصوص الإشكالية ذاتها فيؤدّي الأمر إلى الخلاف.
وقد دلت فصول البحث على مثل هذه الدراسة في المصطلحات وتحقيباتها بشكل عام، والمصطلح السيميائي وتمظهراته بشكل أخصّ، ودلت مباحثه على مقاربة نماذج عينية، من خلال التطبيقات النقدية، توخى صاحبها وضع إطار مصطلحي ـ افتراضي للسيميائية، ووفق منظورات وأهداف مبسطة تعليمية، يواكب فيها الوظيفي التنظيري بالمنجز التطبيقي، على الأقل فيما هو كائن في البحوث السيميائية العربية القليلة والمتواضعة.
وقد قادت الكاتب مثل هذه القراءة الموغلة في المنجزات العربية، إلى انتقاء مجموعة من المصطلحات المتداولة في الحقل النقدي المعاصر، غير مقتصر على جغرافية إقليمية مشرقية أو مغربية في اختيار الباحثين، إلاَّ ما صدر عنه سهواً.
ثم حاول إدراج المصطلحات تبعاً لمساقات القول، ولدى جلّ النقاد العرب، ممن أغرقت كتاباتهم الحداثية الساحة النقدية بكثير من المصطلحات السيميائية، بينهم نقاد في تونس، والجزائر، والمغرب، والسعودية، وسورية، ولبنان، والعراق، وجل الأقطار العربية. وهي ـ في اعتقاد الباحث ـ أغلب البلدان التي استجابت إلى مسألة الاقتباسات الاصطلاحية السيميائية عن الغرب، وضمن المدوّنات النقدية الراهنة على اختلاف مشاربها الأصلية.
من الصعب إذاً، انتقاء أشكال غير موجودة أصلاً، ومقاربة مصطلحات موجودة هنا وهناك. وكانت حجة الباحث في هذا العمل المتواضع، مرتبطة بأن وجود مثل هذه المصطلحات السيميائية (المحصورة في البحث) خير من عدمه، ودليل للدلالة على وضع مصطلحية هذا الحقل النشوئي في البلاد العربية.
وفي عموم الإشكالية أراد الباحث تحقيق غايتين أساسييّن:
الأولى: تحديد معالم المصطلحية السيميائية، والدفع بمجهودات الباحثين في نظرياتها إلى تأسيس "منهج سيميائي" افتراضي محدّد المعالم لما للمناهج من علائق بالمصطلحات.
والثانية: المشاركة في تأسيس لغة علمية خالية من التناقضات والتعددية الدّلالية.
وهو يروم إلى تحقيق هذه الأهداف العلمية، ارتأى صاحبه تقسيم البحث من حيث الزمن إلى مرحلتين رئيستين، تجسدتا في بابين، اشتمل كلّ باب على فصول، وانبنى هذا التقسيم على أساس التحقيبات التاريخية للمصطلحية العربية.
ففي الباب الأول، الموسوم: أثر المصطلح في الدرس اللغوي والنقدي، سعى إلى تلمّس جوانب إشكاليات المصطلح والمصطلحية بشكل عامّ، وفي فصل خاصّ هو الأول، وذلك بغية تحديد المصطلح وشؤونه، ثم المصطلحية ومجالات وأعلامها. ثم اقتضت طبيعة البحث في هذا التقسيم الافتراضي، أن خاض ضمن الفصل الثاني في أهم طرائقية البحث في مجال المصطلحات، ثم الخوض في مجال المصطلح النقدي السيميائي باعتباره النموذج المثال القمين بالدراسة والتمحيص.
وهكذا تحددت معالم هذا البحث، ضمن الإطار التاريخي التأصيلي التأثيلي، وتحدد التسليم برغبة صاحبه في إغناء البحث بمقترحات ضمن كلّ فصل ومبحث، وختمها بخلاصات وآفاق. وذلك بغية مراعاة منهجية البحث الأكاديمي، وتبسيط عمليتي الفهم والإفهام للقراءة في هذا المجال.
وبغية الحرص على مثل هذه المنهاجية، تم تقسيم الباب الثاني إلى فصلين رئيسين: الأول احتوى نماذج مصطلحية كثر تداولها في تحليل الخطاب الشعري، والثاني أراد الإفادة فيه ببعض النماذج المصطلحية السّردية.
وقد تمت عملية البحث بالاستراتيجية نفسها، مقدماً كل فصل بمفتتح ثم تذييله بخلاصة وآفاق، من أجل جعل عناصر البحث متساوقة ومنضدة، أنهي البحث بخاتمة جامعة لمعظم الخلاصات، فضلاً عن مسرد مصطلحي للكلمات المفاتيح الواردة في البحث.
تبنى الباحث المنهج الوصفي التحليلي لدراسة الموضوع، مع الاعتماد ـ في كثير من المواضع ـ أسلوب الإحصاء، وذلك من خلال استقراء واقع المصطلحات في النصوص النقدية العربية، ومحاولة جعلها تكشف عن الاتجاهات المتبناة في الساحة النقدية، دون اللجوء إلى الأحكام المسبقة على أصحابها، بل مناقشة الآراء والطروحات بترّو وأمانة علمية. مع الاستعانة بمصادر أجنبية وعربية لإضاءة الإشكاليات، كلما رأى أنّ الحاجة تتطلب ذلك، وقد تمّ ذلك، بمراعاة الجوانب التاريخية لصيرورة المصطلح.
وقد أفادت الدراسة من عشرات الكتب العربية والمترجمة والقواميس العربية والأجنبية، وعشرات المجلات العربية، وكلها عجزت عن توفير الأرضية الكافية لاعتصار هذه الإشكالية، بل العكس هو الصحيح. ولذلك، اعتمد الباحث أبرز القواميس الألسنية في أوروبا، بينها معجم "جان ديبوا الألسني، ومعجم "غريماس وكورتيس" السيميائي المعقلن، وبعض المؤلفات المتخصصة في هذا المساق، لدى باحثين مثل: رولان بارط، وامبرطو ايكو، وجاك دريدا، ودي سوسير، وميكائييل باختين، وجوليا كريستيفا وجيراير جنيت وسواهم ممن تطول القائمة بذكرهم.
أما حين أوجب البحث الرجوع إلى أصول الكلمات في اللغة العربية، فقد سلك صاحبه مسلك التوفيق، تارة بالعودة إلى المعاجم العربية الأثيلة مثل لسان العرب لابن منظور، أو كتب مثل الحيوان للجاحظ، وأخرى حداثية متخصصة بينها: معجم المصطلحات الأدبية لمحمد رشاد الحمزاوي، ومعجم الألسنية لبسام بركة، ومعجم المصطلحات الأدبية لسعيد علوش وسواها من المؤلفات المعاجمية المتخصصة.
كما وجب الإشارة، إلى اعتماد الباحث أغلب المجلات العربية الحداثية، التي عالجت الإشكالية ذاتها. فوجدها متعددة وكتابها كثر. فجاء إلى المقول من خلال المعقول، مركزاً على أبرزها في الساحة النقدية العربية الراهنة. ومعتمداً أغلب الأعداد منها ومما يمت بصلة للموضوع المعالج.
ومهما يكن من أمر، فإنّ هذا العرض السّريع، لما انطوى عليه لا يتعدّى أن يكون ملخصاً سريعاً لإشكالية، لابدّ لمن يريد الوقوف على تفاصيلها التأمل في فصولها، إن هو أراد الهدف إلى تفعيل حركية البحث في المصطلحات بشكل عام..
ويستسمح الكاتب القارئ الكريم القدر المنقول، إن هو أصاب فذلك هدفه المنشود والمأمول، وإلاّ فحسبه أنه ما كان لحظةً ضنيناً في تلمس الصواب وابتغاء السبيل. كما أن صاحبه لا يدعي أنه جاء إلى هذا الموضوع على حذر، بالنظر لقلة المصادر المختصّة فيه، ولحداثة مساقاته، ولحساسية الموقف في التفاضل بين النقاد. وحساسية اللغة نفسها، لغة اللسانيات والعلوم التي لا تقبل التأويل. ولذلك فحاجة الجميع ماسة إلى متابعة العمل في هذا المضمار الدقيق.
والكتاب في صورته النهائية هذه عود على بدء لما سوف يلحقه من مؤلف آخر يدخل في ذات الاستراتيجية المنهاجية والموضوعية ثم النمذجة للإشكاليات المطروحة في كتاب سلالي أسميناه إشكاليات المصطلح السيميائي.
الدكتور بوخاتم مولاي علي
الجزائر في تاريخ 24/7/2004








أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع





الساعة الآن 05:50 PM.
معجبوا منتديات الوليد بن طلال