سيرة الصحابه - قصص الأنبياء - قصص الصحابه - اصحاب الرسول قصص الرسل - قصص الصحابه - قصص الانبياء - سيرة الصحابه - اصحاب الرسول محمد صلى الله عليه وسلم - قصص اسلاميه

طوفان نبي الله سيدنا نوح عليه السلام

افتراضي طوفان نبي الله سيدنا نوح عليه السلام


( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيْهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِيْنَ عَاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ) (العنكبوت: 14).
الكاتب يحكي لنا القرآن الكريم قصة طوفان نوح، الذي روت عنه معظم الثقافات العالمية بشكل واسع، وتتحدث آيات عديدة بالتفصيل عن موقف قوم نوح منه ، فتصور إعراضهم عنه، واستهتارهم به واستهزاءهم بنصائحه وتحذيراته وكيف حدث الطُّوفان.
أرسل الله نوحاً لينذر قومه الذين ضلوا وابتعدوا عن آيات الله واتخذوا معه شركاء، وليستحثهم على عبادته وحده والتخلي عن عصيانهم وعنادهم، قدم نوح النصح لقومه مرات ومرات وطلب منهم أن يمتثلوا لأوامر الله، وأنذرهم عقابه، ولكنهم ظلوا على عنادهم ورفضهم له، وظلوا يعبدون مع الله شركاء، وتعرض لنا الآيات في سورة المؤمنون تطور الوضع:

( وَلَقَدْ أَرْسَلْناَ نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ* فَقَالَ المَلأُ الَّذِيْنَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيْدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَآءَ اللهُ لأَنْزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِيْنَ* إِنْ هُوَ إلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِيْنٍ* قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُون ) (المؤمنون: 23-26).
وكما تشير الآيات فقد حاول زعماء القوم أن يتهموا النبي نوحاً بمحاولته التفضل والاستعلاء عليهم ، أي بالبحث عن المنـزلة والقيادة والثروة ، حاولوا أن يثبتوا أنه ]رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ[ وقرروا أن يتحملوه لبعض الوقت ويبقوه تحت الضغط.
بناء على ذلك أخبر الله تعالى نبيه نوحاً أنه سيعاقب الكافرين من قومه بإغراقهم وينجي المؤمنين.
وعندما حان وقت الطُّوفان تفجرت ينابيع الأرض والتقت مع الأمطار الغزيرة ليحصل الطُّوفان العظيم. وقال الله عز وجل لنوح:
( فَاسْلُكْ فِيْهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ القَولُ مِنْهُمْ ) (المؤمنون: 27) لقد غرق كل من كان على تلك الأرض بما فيهم ابن نوح عليه السلام الذي ظن أنه يمكن أن يجد ملجأ من الطوفان في أحد الجبال القريبة، أصاب الطُّوفان القوم بأجمعهم، باستثناء أولئك الذين حملهم نوح على ظهر السفينة، وعندما جفت الأرض ( وَغِيْضَ المَاء) (هود: 44) وانتهى الطُّوفان، استوت السفينة على الجُوْدِيِّ - أي على مرتفع من الأرض- كما يخبرنا القرآن الكريم.
تشير الدراسات التاريخية والأثرية والجيولوجية إلى أن هذا الحدث قد وقع تماماً كما رواه القرآن الكريم، فقد وردت قصته في الكثير من السجلات التاريخية ومنقولات الحضارات القديمة، بالرغم من اختلاف أسماء الأشخاص والأماكن، إ ن "كل ما حدث للقوم الضالين" يعرض على إنسان هذا العصر كإنذار ووعيد.
بعيداً عن العهد القديم والعهد الجديد، تحكي السجلات السومرية والبابلية والآشورية والأساطير اليونانية وأساطير الشاتاباثا والبراهما والماهاباهارتا الهندية، وقَصص ويلز والأساطير الليتوانية وحتى القَصص الصينية القديمة قصة الطُّوفان هذه.
ولكن كيف يمكن أن تجتمع هذه المعلومات المفصلة والمتصلة بموضوع واحد من هذه الأراضي المتباعدة فيما بينها جغرافياً وثقافياً، والبعيدة أيضا عن مكان الطُّوفان؟
الجواب واضح: إن وجود السرد القصصي لنفس الحادث في سجلات هذه الحضارات المختلفة تماماً، والتي لا توجد بينها أي حلقات اتصال، لهو برهان أكيد على أن هذه المجموعة من الأقوام قد تلقت العلم عن طريق مصدر إلهي واحد، لقد أخبر العديد من الرسل الذين بعثوا إلى حضارات مختلفة على مر العصور، أقوامهم بقصة الطُّوفان الذي يعتبر من أكبر كوارث البشرية تاريخياً، وكان إخبارهم هذا من باب ضرب الأمثال، وهكذا انتشرت قصة الطُّوفان في مختلف الحضارات.
وبالرغم من أن هذه القصة قد تناقلتها عدة ثقافات ومصادر دينية، إلا أن قصة الطُّوفان والنبي نوح عليه السلام قد أصابها الكثير من التشويه والتحريف بعيداً عن المصدر الأصلي لها بسبب زيف المصادر، أو النقل المغلوط، أو حتى يمكن أن نقول: بسبب النوايا السيئة، لقد كشفت الأبحاث أن الرواية الوحيدة المتماسكة من بين جميع الروايات التي تناولت قصة الطُّوفان، والتي تقوم أساساً على نفس الحدث مع العديد من الاختلافات، هي تلك التي يسردها القرآن الكريم.
الرسول نوح عليه السلام والطُّوفان في القرآن الكريم
ذُكِرَ طُوفان نوح عليه السلام في العديد من آيات القرآن الكريم، نسرد فيما يأتي الآيات حسب تسلسل الأحداث:
النبي نوح عليه السلام يدعو قومه إلى دين الحق
( لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَومٍ عَظِيْم ) (الأعراف: 59).

( إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ* إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِيْنٌ* فَاتَّقُوا اللهَ وأَطِيْعُونِ * وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إلاَّ عَلَى رَبِّ العَالَمِيْنَ*فاتَّقُوا اللهَ وأَطِيْعُون ) (الشعراء: 106-110).

( وَلَقَدْ أَرْسَلْناَ نُوحاً إِلَى قَومِهِ فَقَالَ يا قَومِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ) (المؤمنون: 23).

النبي نوح عليه السلام ينذر قومه عقاب الله

( إِنَّا أَرْسَلْناَ نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَومَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيْمٌ ) (نوح: 1).

يقول نوح: ( فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيْهِ عَذَابٌ يُخْزِيْهِ وَيحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيْمٌ ) (هود: 39).

ي
قول نوح: ( أَن لاَّ تَعْبُدُوآ إِلاَّ اللهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَومٍ أَلِيْمٍ ) (هود: 26).

تكذيب قوم نوح

( قَالَ المَلأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِيْن) (الأعراف: 60).

( قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِيْنَ) (هود: 32) .

( وَيَصْنَعُ الفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِنْ قَومِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُم كَمَا تَسْخَرُونَ) (هود: 38) .

( فَقَالَ المَلأُ الَّذِيْنَ كَفَرُوا مِنْ قَومِهِ مَا هَذَآ إلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُريدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَآءَ اللهُ لأَنْزَلَ مَلاَئِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنا الأَوَّلِيْنَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِيْنٍ ) (المؤمنون: 24-25) .

( كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ ) (القمر: 9) .

استخفافهم بالذين اتبعوا نوحاً عليه السلام
( فَقَالَ المَلأُ الَّذِيْنَ كَفَرُوا مِنْ قَومِهِ مَا نَرَاكَ إلاَّ بَشَراً مِّثْلَناَ وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إلاَّ الَّذِيْنَ هُمْ أَرَاذِلُناَ بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَليْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِيْنَ ) (هود: 27).

( قَالُوْآ أَنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ* قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ* إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرونَ* وَمَآ أَنَا بِطَارِدِ المُؤْمِنِيْنَ* إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيْرٌ مُّبِيْن ) (الشعراء: 111-115) .

توصية الله عز وجل لنوح أن لا يحزن
( وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤمِنَ مِنْ قَومِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آَمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ) (هود: 36 ).
دعاء نوح عليه السلام

( فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَّعِيَ مِنَ المُؤْمِنِيْن ) (الشعراء: 118).

( فَدَعَا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ) ( القمر: 10).

( قَالَ رَبِّي إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآئِي إلاَّ فِرَارا ) (نوح: 5-6).

( قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ ) (المؤمنون: 26).

( وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ المُجِيْبُون ) (الصافات: 75).

بناء السفينة

( وَاصْـنَعِ الفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلا تُخَاطِبْني فِي الَّذِيْنَ ظَلَمُوآ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُون )

(هود: 37).

هلاك قوم نوح عليه السلام بالطوفان

( فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِيْنَ مَعَهُ فِي الفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِيْنَ كَذَّبُوا بِآياَتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوماً عَمِيْنَ ) (الأعراف :64).

( ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ البَاقِيْن) (الشعراء: 120) .

( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَومِهِ فَلَبِثَ فِيْهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلاَّ خَمْسِيْنَ عَاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُون َ) (العنكبوت: 14).

( فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّينَاهُ ومَنْ مَعَهُ فِي الفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلائِفَ وأَغْرَقْنَا الَّذِيْنَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِيْن ) (يونس: 73).

هلاك ابن نوح عليه السلام

يحكي لنا القرآن الحوار الذين دار بين نوح وابنه في المراحل المبكرة من الطُّوفان:

( وَهِيَ تَجْرِيْ بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ اِبْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُنْ مَّعَ الكَافِرِيْنَ * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ قَالَ لاَ عَاصِمَ اليَومَ مِنْ أمْرِ اللهِ إِلاَّ مَنْ رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا المَوْجُ فَكَانَ مِنَ المُغْرَقِيْنَ ) (هود: 42-43).
نجاة المؤمنين من الطُّوفان
( فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِيْنَةِ وَجَعَلْنَاهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِيْن ) (العنكبوت: 15).

( فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَّعَهُ فِي الفُلْكِ المَشْحُون ِ) (الشعراء: 119).
الطبيعة المادية للطُّوفان

( فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ السَّمَآءِ بِمَآءٍ مُّنْهَمِرٍ* وَفجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى المَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ* وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُر ) (القمر: 11-13).

( حَتَّى إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيْهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأَهْلَكَ إلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ القَولُ وَمَنْ آَمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إلاَّ قَلِيْلٌ* وقَالَ ارْكَبُوا فِيْهَا بِسْمِ اللهِ مَجْريِها وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيْمٌ ) (هود: 40-41).

( فأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفاَرَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيْهَا مِنْ كُلٍّ زَوجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَولُ مِنْهُمْ وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِيْنَ ظَلَمُوآ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ ) (المؤمنون: 27).

استواء السفينة على مرتفع من الأرض

َقِيْلَ يَآ أَرْضُ ابْلَعِيْ مَآءَكِ وَيَا سَمَآءُ أَقْلِعِي وَغِيْضَ المَآءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الجُودِيِّ وَقِيْلَ بُعْداً لِّلقَوْمِ الظَّالمِيْن ) (هود: 44).
الجانب التوجيهي لحادثة الطُّوفان

( إِنَّا لمَّا طَغَى المَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ) (الحاقة: 11-12).


ثناء الله على نوح عليه السلام

( سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي العَالَمِيْنَ* إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِيْنَ* إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُؤْمِنِيْنَ ) (الصافات: 79-81).

هل كان الطُّوفان كارثة عالمية أم محلية؟
يدعم أولئك الذين ينكرون وقوع طُوفان نوح موقفهم في هذا الإنكار بالتأكيد على استحالة وقوع طُوفان عالمي شامل، كما أن الغاية من إنكارهم لحدوث أي نوع من الطُّوفان موجه لتكذيب القرآن وروايته
ان قصة الطوفان الواردة في القران الكريم -الذي نجا من التحريف ومن التبديل -وردت بشكل مختلف عن أساطير الطوفان الواردة في التوراة وفي العديد من ثقافات الأقوام الأخرى ، تقول أسفار موسى الخمسة ( وهي الكتب الخمسة الأولى من العهد القديم ) : إن الطُّوفان كان عالمياً وإنه غطى كل العالم، إلا أن القرآن لم يشر إلى شيء كهذا، بل على العكس تدل الآيات التي تتحدث عنه على أنه كان طُوفاناً غطى منطقة معينة ولم يشمل كل العالم،وأن هذا الطُّوفان أغرق فقط قوم نوح الذين أنذرهم نبيُّهم فعصوه فاستحقوا عقاب الله.

عندما تتفحص روايات العهد القديم والقرآن الكريم تجد هذا الاختلاف بيّناً، يصف العهد القديم (الذي كان عرضة للكثير من الإضافات والتعديلات خلال تاريخه فأصبح لا يمكن اعتماده كوحي نقي)، بداية الطُّوفان كما يأتي:

"ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر في الأرض، وأن كل تصور أفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم،6 فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض وتأسف في قلبه، 7 فقال الرب: أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذي خلقته، الإنسان مع بهائم ودبابات وطيور السماء ، لأني حزنت أني عملتهم، 8 وأما نوح فوجد نعمة في عيني الرب." التكوين 6 : 5 - 8

أما في القرآن فتوضح الآيات أن قوم نوح فقط هم الذين أهلكوا وليس كل العالم، تماماً كما أُرْسِلَ هود لعاد فقط، وصالح إلى ثمود، وكل الرسل التي أرسلت قبل محمد عليه الصلاة والسلام أرسلت لأقوامها خاصة، كذلك أُرْسِلَ نوح إلى قومه فقط، وكان الطُّوفان مخصصاً لهلاك هؤلاء القوم بالذات دون سواهم :

( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلىَ قَومِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيْرٌ مُّبِيْنٌ * أن لاَّ تَعْبُدُوآ إِلاَّ اللهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَومٍ أَلِيْم ) (هود: 25-26) .

إن القوم الذين أهلكوا هم أولئك الذين استخفوا برسالة النبي وأصروا على عصيانهم لله، والآيات الآتية تكفي لبيان هذا:

( فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِيْنَ مَعَهُ فِي الفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِيْنَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً عَمِيْنَ ) (الأعراف: 64).

( فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّينَاهُ ومَنْ مَعَهُ فِي الفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلائِفَ وأَغْرَقْنَا الَّذِيْنَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِيْنَ ) (يونس: 73).

كما يخبرنا القرآن أن الله عز وجل لا يهلك قوماً حتى يبعث فيهم رسولاً، فالهلاك يقع فقط عندما يكون النذير بين القوم، يقول عز وجل في سورة القصص:

( وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي القُرَى إِلاَّ وَأهْلُهَا ظَالِمُون ) (القصص: 59).

لا يهلك الله قوماً لم يبعث فيهم رسولاً، ونوح عليه السلام جاء إلى قومه نذيراً ، لذلك لم يهلك الله الأقوام الأخرى التي لم يُبْعَثْ فيها نذير في زمن نوح عليه السلام.
ومن هذه الآيات يمكن أن نتأكد من أن الطُّوفان لم يكن عالمياً وإنما كان إقليمياً، لقد أظهرت الحفريات الأثرية التي أجريت في المنطقة الأثرية التي يفترض أنها منطقة الطُّوفان والتي سنتفحصها لاحقاً، أن الطُّوفان لم يكن شاملاً أغرق العالم، وإنما كان كارثة كبيرة أثرت على جزء من منطقة وادي الرافدين.


هل تم اصطحاب جميع الحيوانات على ظهر السفينة؟

تؤمن تفاسير الإنجيل أن نوحاً عليه السلام قد اصطحب معه في السفينة جميع أنواع الحيوانات الموجودة على سطح الأرض، وهكذا نجت الحيوانات من الانقراض، بفضل نوح (ع). حسب هذه الرواية فإن كل أنواع الدواب التي كانت على سطح الأرض قد جمعت على سطح السفينة.
المدافعون عن هذا المعتقد لا بد أن يواجهوا صعوبات حقيقية من نواح عديدة تعترض نظريتهم،فالأسئلة التي تطرح نفسها: كيف كانت تُطعم الحيوانات المحمولة في السفينة؟ وكيف تم عزلها عن بعضها وأين كانت تنام؟ الجواب عن هذا غير ممكن. سؤال آخر لا يقل أهمية: كيف أمكن جمع الحيوانات من مختلف القارات: الثدييات القطبية، الكنغر الأسترالي والثور الأمريكي؟ ويتبع ذلك سؤال آخر: كيف أمكن الإمساك بالحيوانات السامة مثل الأفاعي والعقارب، والحيوانات المفترسة؟ وكيف أمكن عزلها عن بيئتها الطبيعية إلى أن انتهى الطُّوفان؟
هذه أسئلة يواجهها العهد القديم، في القرآن الكريم لا توجد آيات تفيد بأن كل أنواع الحيوانات الموجودة على الأرض قد تم اصطحابها في السفينة، كما لاحظنا سالفاً: حدث الطُّوفان في منطقة معينة، وبذلك تكون الحيوانات التي حُملت على ظهر السفينة هي تلك التي كانت تتواجد في منطقة قوم نوح(ع) بالذات.
ومع ذلك يبقى من المستحيل جمع كل أنواع الحيوانات التي كانت تعيش في تلك المنطقة، من الصعب على نوح والقلة التي كانت معه من المؤمنين (هود: 40) أن يذهبوا في كل اتجاه ليجمعوا زوجاً من كل نوع من أنواع الحيوانات الموجودة في محيطهم، فمن غير المعقول أن يتمكنوا من جمع كل أنواع الحشرات، أو التفريق بين الأنثى منها و الذكر! لذلك كان الأقرب إلى التصديق أن يكون نوح عليه السلام قد قام بجمع الأنواع الأليفة و التي يسهل جمعها مثل الغنم والبقر والجمال والجياد وما شابه ذلك، لأن هذه الأنواع كانت هي الضرورية من أجل بناء حياة جديدة في منطقة فقدت كمية كبيرة من مواشيها بسبب الطُّوفان.
النقطة المهمة هنا هي: الحكمة الإلهية من أمر الله عز وجل لنوح عليه السلام باصطحاب زوجين من كل نوع، تتجلى هذه الحكمة في جمع الأنواع الضرورية لبناء حياة جديدة بعد الطُّوفان، وليس الحفاظ على الجنس الحيواني. وبما أن الطُّوفان لم يكن عالمياً، فإمكانية انقراض الجنس الحيواني لم يكن أمراً وارداً، فمن المحتمل جداً أن أنواع عديدة من حيوانات المناطق المجاورة قد أتت إلى المنطقة بعد انتهاء الطُّوفان، النقطة المهمة والأساسية في الموضوع إذاً هي بناء حياة جديدة بعد الطُّوفان في المنطقة، ومن أجل تحقيق هذا تم جمع الحيوانات.

إلى أي ارتفاع وصل الماء؟

موضوع آخر مثير للجدل في حادث الطُّوفان، وهو هل كان ارتفاع الماء كافياً لتغطية الجبال؟ يخبرنا القرآن أن السفينة في النهاية وبعد الطُّوفان، استوت على الجُودِيِّ، والجُودِيُّ عموماً هو اسم لجبل معين، إلا أن معناه باللغة العربية " المكان المرتفع"، لذلك علينا أن لا نَغْفُلَ أنه من الجائز أن يكون الجُودِيُّ الذي ذُكر في القرآن لا يشير إلى جبل بعينه، بل إلى أن السفينة قد استوت على مكان مرتفع من الأرض، كما أن هذا المعنى "للجُودِيِّ" قد يعني أن الماء قد وصل إلى مستوى معين، ولكنه لم يصل إلى مستوى قمة الجبل، يمكننا أن نرجح إذاً أن ماء الطُّوفان لم يغمر كل الأرض وكل الجبال كما هو مذكور في العهد القديم، وإنما غطى منطقة معينة.

منطقة طوفان نوح عليه السلام
يفترض أن تكون وديان منطقة وادي الرافدين هي منطقة الطُّوفان، ففي تلك المنطقة قامت أقدم الحضارات التي عرفها التاريخ، بالإضافة إلى أن موقعها بين نهري دجلة والفرات يؤهلها لأن تكون منطقة الطُّوفان العظيم، فمن المحتمل أن يكون وجودُ هذين النهرين أحدَ العوامل المساعدة في حدوث الطُّوفان، حيث يمكن أن يكونا قد فاضا وأغرقا المنطقة.
السبب الآخر لاعتبار هذه المنطقة هي منطقة الطُّوفان هو سبب تاريخي: فقد وجدت في سجلات العديد من الحضارات التي تتابعت على المنطقة وثائق متعددة تتكلم عن طُوفان أغرق المنطقة في نفس الفترة الزمنية، لقد ارتأت الحضارات التي شهدت هلاك قوم نوح ضرورة تسجيل هذا الحدث، كيف وقع وما أسفر عنه من نتائج، وهنا نجد أن معظم الأساطير التي تناقلت ما روته تلك الحضارات قد حددت موقع الطُّوفان في هذه المنطقة، وقد قدمت الكشوف الأثرية دعماً لهذه الأقوال، فأثبتت أن طُوفاناً كبيراً قد أتى على المنطقة، وكما سنرى في الصفحات المقبلة فقد انقطعت الحضارات لفترة من الزمن عن هذه المنطقة، ومن خلال الحفريات ظهرت آثار واضحة لهذه الكارثة الكبيرة التي حلَّت بها.
لقد كشفت الحفريات في منطقة وادي الرافدين أن المنطقة قد تعرضت للعديد من الكوارث نتيجة لفيضان كل من نهري دجلة والفرات، على سبيل المثال: أُطلق على إحدى سنوات عهد إيبيسين، حاكم مدينة أور الواقعة في جنوبي " وادي الرافدين " حوالي الألف الثاني قبل الميلاد، سنة "ما بعد الطُّوفان الذي أزال الحدود بين السماء والأرض".1

وفي عصر حمورابي البابلي، أي حوالي عام 1700 قبل الميلاد، هناك سنة يشار إليها "سنة ماقبل غرق مدينة إيشونا بطُوفان عارم".
في القرن العاشر قبل الميلاد، وفي عهد الحاكم "نبو موكين آبال" حدث طُوفان ضخم في مدينة بابل،2 وبعد مجيء عيسى عليه السلام، أي في القرن الثامن والتاسع والعاشر والحادي عشر والثاني عشر الميلادي تعرضت المنطقة إلى فيضانات كبيرة ، وفي القرن العشرين حصل الشيء ذاته في الأعوام 1925، 1930، 1954. 3 من الواضح أن هذه المنطقة كانت دائماً عرضة للفيضانات، ومن المحتمل جداً كما ذكر في القرآن، أن يكون طُوفان كبير قد عرض لهذه المنطقة وأهلك أمة بِرُمَّتها.



الدليل الأثري للطُّوفان

طوفان الله سيدنا عليه السلام
ليس مصادفة أن نأتي في أيامنا هذه على آثار أمم حدثنا القرآن عن دمارها، ويقدم لنا الدليل الأثري حقيقة تقول: إنّه كلما كان اختفاء القوم مفاجئاً كلما كانت إمكانية العثور على آثارهم وبقاياهم أكبر.
عندما يحدث اختفاء أمة من الأمم بشكل مفاجئ، وذلك غالباً ما يكون بسبب كارثة طبيعية او هجرة فجائية او حربا ضروسه، فإن آثار هذه الأمم تكون محفوظة بشكل أفضل، ففي وقت قصير تدفن منازلهم وأدواتهم التي كانوا يستخدمونها في حياتهم اليومية تحت الأرض، وتبقى محفوظة لفترة طويلة بعيدة عن عبث الإنسان لتظهر فيما بعد لتعطي معلومات مهمة عن الماضي عندما تخرج إلى الضوء.

بهذه الطريقة تم الكشف عن الكثير من آثار طُوفان نوح في أيامنا هذه ، فبالرغم من حدوث الطُّوفان في الألف الثلاثين قبل الميلاد، فقد وضع هذا الطُّوفان نهاية سريعة لحضارة كاملة، لتقوم مقامها حضارة جديدة، وبذلك تم الاحتفاظ بآثاره لآلاف من السنين حتى يكون للعالمين نذيراً.

تم تنفيذ عددٍ كبيرٍ من الحفريات في أثناء البحث عن مكان الطُّوفان الذي وقع في وادي الرافدين . عثر في أثناء الحفريات ـ والتي نفذت في المنطقة وغطت أربعة مدن رئيسة ـ على آثار طُوفان يعتبر طُوفاناً عارماً بشكل خاص، هذه المدن كانت أكبر المدن في " وادي الرافدين " وهي أور، إيريك، كيش، وشورباك.
وتدل كافة الحفريات على أن هذه المدن كانت محوراً لطُوفان عارم حدث في الألف الثالث قبل الميلاد.
ولنتناول أولاً الحفريات التي نفذت في مدينة أور:
تعود أقدم الآثار التي عثر عليها لإحدى الحضارات في أثناء الحفريات التي أجريت في مدينة أور، والتي يطلق عليها في يومنا هذا "تل المقيّر"، إلى الألف السابع قبل الميلاد، وباعتبارها موطناً لإحدى الحضارات القديمة ، فقد كانت مدينة أور منطقة استيطان العديد من الحضارات التي تتالت عليها، وتدل الكشوف الأثرية لهذه المنطقة على أنها شهدت انقطاعاً حضارياً بسبب طُوفان عظيم، وأن حضارات أخرى ظهرت في ما بعد، قام ر.هـ. هول من المتحف البريطاني بالحفريات الأولى في هذه المنطقة، وحمل ليونارد وولي مسؤولية متابعة ما بدأه هول، فقام بالإشراف على الحفريات التي تم تنظيمها من قبل المتحف البريطاني وجامعة بنسلفانيا، استمرت الحفريات التي قام بها وولي، والتي كان لها دوي عالمي كبير منذ عام 1922 وحتى 1934، وكان منتصف الصحراء الواقعة بين بغداد والخليج العربي هو مسرح هذه الحفريات.

أول من أوجد مدينة أور هم قوم جاؤوا من شمال وادي الرافدين وأطلقوا على أنفسهم اسم "العبيديين". كان هدف الحفريات بادئ الأمر جمع معلومات عن هؤلاء القوم ، وصفت مجلة Readrer Digest حفريات وولي كما يأتي :
من شدة فرح " وولي" باكتشاف "مدافن ملوك أور" ,أصاب قبور النبلاء السومريين الرائعة التي ظهرت عندما ضربت مجارف الأثريين ركاما بعمق خمسين قدما الى الجنوب من المعبد ليجدوا صفا طويلاً مهيباً من القبور.بدت هذه القبور كنزاً حقيقياً,فقد كانت ممتلئة بالكؤوس الثمينة ,الأباريق والأواني الرائعة وأدوات المائدة البرونزية ,مصنوعات من الموزاييك,أحجار اللازورد, وقد أحاطت الفضة تلك الأجسام التي أصابها التفسخ.ظهرت قيثارات متكئة على الجدران.كتب في مذكراته "كل هذا حدث في لحظة"وتابع :"وتابعت الحفريات التي أثبتت شكوكنا.فقد وجدنا مباشرة تحت أرض القبر الذي يعود الى أحد الملوك وضمن طبقة من الخشب المتفحم عدداً كبيراً من الألواح الطينية ,التي تحمل نقوشاً أقدم من تلك التي وجدت على القبور.ومن خلال طبيعة الكتابة الموجودة عليها قدر أنها تعود الى الألف الثالث قبل الميلاد.وهكذا تكون أقم من القبور بقرنين أو ثلاثة قرون".
كلما تعمقت الحفريات كلما ظهرت المخلفات والمكتشفات الأثرية .كان هذا قبور ملوك مدينة اور .وقد عثر الباحثون في هذه القبور التي دفن فيها الملوك ونبلاء سومر على العديد من الكنوز الفنية الرائعة كالمغافر والسيوف وآلات الموسيقى أثارا فنية مصنوعة من الذهب ومن الأحجار الكريمة.كانت هناك أشياء أخرى أهم :القيود والسجلات التاريخية البارزة المضغوطة بتقنية عالية على ألواح طينية .كما عثر الباحثون في اور على كتابات تحمل نفس أسماء الموجودة في قائمة ملوك اور. بل وجدوا حتى أٍم المؤسس الأول للعائلة الملكية الاولى في اور.وتوصل "وولي" الى أن هذه القبور تعود الى ما قبل العائلة المالكة لاور.أي توصلوا الى نتيجة مفادها أن مدينة كبيرة كانت موجودة قبل مدينة اور.
بعد تدقيق هذه الآثار قرر "وولي" الاستمرار في الحفريات لأعماق أكثر تحت هذه القبور وتوغل العمال الى عمق بمقدار متر تحت اللبنات التي تحولت الى طين ,وبدأوا باستخراج الأواني والصحون ثم توقف كل شيء فجأة.
كتب"وولي" :لم تعد هناك اواني ولا صحون ولا رقم طينية,بل مجرد طين صاف يجرفه الماء.
أستمر "وولي" في الحفريات ,وبعد اجتياز 2.5 م من طبقة من الطين الصافي ,أستمر الحفر لعمق أكثر وفجأة عثر العمال على آلات وأدوات مصنوعة من حجر الصوان تعود الى أصحاب مدينة العصر الحجري الأخير .وبعد أتمام عمليات تنظيف الطين تبين وجود مدينة مدفونة في الاعماق .وكانت الآثار تدل على حصول طوفان كبير في هذه المنطقة.كما ان التحليلات المجهرية أشارت الى أن طبقة سميكة جدا ً من الصلصال Fullers earth النقي ,وهذا كان دليلاُ على أن طوفاناً مريعاً حدثت وأزالت حضارة سومر.وهكذا التقت واتحدت أسطورة جلجامش مع قصة طوفان نوح في بئر محفور في سهل وادي الرافدين (4).

طوفان الله سيدنا عليه السلام
طبقا للاكتشافات الأثرية، فأن طوفان نوح قد حدث في سهول وادي الرافدين. ان هذه السهول كان لها شكل مختلف في ذلك الزمان. في الرسم أعلاه، الحدود الحالية للسهول موضحة بخط أحمر متقطع. والجزء الكبير الواقع خلف الخط الحمر قد كان جزءا من البحر في ذلك الوقت
كشف التحليل المجهري أن هذه الترسبات الضخمة من الطين تحت الهضبة عند أور كانت نتيجة طُوفان عظيم ذهب بالحضارة السومرية القديمة، لقد اجتمعت ملحمة غلغامش مع قصة نوح في هذا الممر الذي حفر عميقاً تحت صحراء "وادي الرافدين"
روى ماكس مالوان Max Mallowan أفكار ليونارد وولي Leonard Woolleyالقائم بهذه الحفريات هكذا: إن هذه الكتلة الضخمة من الغرين والتي تشكلت خلال شريحة زمنية واحدة، لا يمكن أن تكون إلا نتيجة لكارثة طُوفان عظيم، كما وصف وولي طبقة الطُّوفان التي تفصل مدينة أور السومرية عن مدينة "العبيد" التي اعتاد سكانها على استخدام الأواني المطلية ، على أنها من آثار الطُّوفان العظيم.5
يبين هذا أن مدينة أور هي إحدى المناطق التي تأثرت بالطُّوفان العظيم، يشرح وورنر كيلر أهمية الحفريات التي ذكرناها آنفاً بقوله: "إن ظهور هذه المخلفات في الطبقة الطينية السفلى في الحفريات الأثرية يدل على حدوث طُوفان في المنطقة".6

المدينة الثانية التي حملت آثار الطُّوفان العظيم هي "كيش السومرية" التي تعرف اليوم "بتل الأحيمر"، وحسب المصادر السومرية القديمة، كانت هذه المنطقة مستقراً لأول سلالة حاكمة بعد الطُّوفان7.
كذلك الأمر بالنسبة لمدينة شورباك التي تقع في جنوبي من "وادي الرافدين" والتي تسمى اليوم "بتل الفعرة"، حيث ظهرت فيها آثار الطُّوفان العظيم. قاد الحملة الأثرية في هذه المنطقة إيريك شميدت من جامعة بنسلفانيا ما بين عامي 1920- 1930، أظهرت هذه الحفريات ميلاد وازدهار مدينة قبل 2000-3000 سنة ق.م,وكانت آثار هذه المدينة واضحة وجلية في الطبقات المختلفة من الحفريات. ثلاث طبقات من المستوطنات تمتد من حقبة متأخرة منذ ما قبل التاريخ، وحتى السلالة الحاكمة الثالثة لمدينة أور (2112-2004 قبل الميلاد). كان أكثر المكتشفات وضوحاً أنقاض منازل مبنية بشكل متين مع ألواح سومرية تحمل سجلات إدارية وقوائم كلمات تشير إلى مجتمع متطور جداً ظهر عند نهاية الألف الرابع قبل الميلاد.
8
طوفان الله سيدنا عليه السلام
كشفت الحفريات الأثرية التي أجراها السيد ليونارد وولي في سهول وادي الرافدين عن وجود طبقة من طين الصَّلصَال بسمك 2.5 متراً. من المرجح أن تكون هذه الطبقة قد تشكلت من الكتل الصَّلصَالية التي حُملت مع مياه الطُّوفان والتي لا يوجد مثلها في أنحاء العالم إلا تحت سهول وادي الرافدين؛ ويعطي هذا دليلاً هاماً يثبت أن الطُّوفان قد حدث فقط في سهول وادي الرافدين
النقطة المهمة هنا هي: أن طُوفاناً عظيماً قد حدث في هذه المدينة ما بين (3000-2900) قبل الميلاد. وحسب رواية مالوان: وصل شميدت إلى عمق 3-4 أمتار تحت الأرض ليجد طبقة من التربة الصفراء (تشكلت نتيجة الطُّوفان). كانت هذه الطبقة المتشكلة من خليط من الطين والتراب أقربَ إلى المستوى المنبسط منها إلى الركام الترابي ... عرف شميدت هذه الطبقة المخلوطة من طين وتراب والتي تعتبر من بقايا عهد مملكة "سيمدت نصر" بوصفها "رمال من أصل نهري" وربطها مع طُوفان نوح.9
من خلال الحفريات في مدينة شورباك، ظهرت آثار طُوفان يعود تقريباً إلى ما بين (3000-2900) قبل الميلاد، من المحتمل إذاً أن تكون شورباك قد تعرضت لآثار الطُّوفان كغيرها من المدن 10 .
المدينة الأخيرة التي تأثرت بالطُّوفان هي مدينة إيريك، والتي تسمى اليوم "تل الورقة"، وكغيرها من المدن ظهرت فيها طبقة من طين الطُّوفان، والتي تعود إلى ما بين (3000-2900) قبل الميلاد 11.

وكما هو معروف، يقطع كل من نهري دجلة والفرات " وادي الرافدين " من الشمال إلى الجنوب، ويبدو أنه في أثناء حدوث الطُّوفان، فاض هذان النهران مع مصادر المياه الأخرى، والتقت مياه الأرض مع ماء السماء ليحدث الطُّوفان العظيم، يصف القرآن الكريم هذا الحدث:
( فَفَتَحْنَا أَبْوابَ السَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ* وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونَاً فَالْتَقَى المَآءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِر) (القمر: 11-12).
عندما تدرس عوامل الطُّوفان الواحد تلو الآخر، تظهر على أنها ظاهرة طبيعية جداً، أما ما يجعله معجزة فهو حدوث هذه الظواهر كلها في آن واحد، وعقب إنذار نوح لقومه وتحذيره لهم من حدوث هذه الكارثة.
كشفت الدلائل التي خرجت بها الدراسات النهائية: أن منطقة الطُّوفان قد غطت مساحة 600 كم (طولاً) من الشمال إلى الجنوب، هذا يعني أن الطُّوفان قد غطى كافة سهول " وادي الرافدين "، وإذا تأملنا ترتيب المدن أور، إيريك، شورباك، كيش التي تحمل آثار الطُّوفان، نجد أنها جميعاً تقع على هذا الطريق، وهكذا يكون الطُّوفان قد شمل هذه المدن وما حولها، أضف إلى أنه لا يمكن إغفال الاختلاف في البنية الجيولوجية لسهول " وادي الرافدين " في ذلك الزمن عما هي عليه اليوم، في ذلك الزمن كان حوض نهر الفرات متجهاً إلى الشرق بانحراف أكبر عما هو عليه اليوم؛ هذا المجرى كان متوافقاً مع الخط الذي يمر عبر أور، إيريك، شورباك، وكيش. ومع تفجر عيون الأرض وماء السماء فاض نهر الفرات وخرجت مياهه مدمرة تلك المدن الأربع التي كانت في طريقه.

الأديان والحضارات التي ذكرت الطُّوفان
قصة الطُّوفان معروفة لدى كل شعوب العالم عن طريق الرسل الذين جاؤوا بدين الحق، إلا أنها حرفت إلى أساطير مع انتقالها من جيل إلى جيل وزيد عليها ففسدت رواياتها. أخبر الله الناس بقصة نوح وقومه عن طريق رسله وكتبه التي أرسلها إلى العديد من الأقوام لتكون إنذاراً وعبرة، وفي كل مرة كان النص يحرّف عن أصوله، ويضاف إلى قصة الطُّوفان عناصر أسطورية وخيالية. القرآن هو المصدر الوحيد الذي بقي دون تحريف، والذي تتوافق نصوصه مع الكشوف والنظريات المستنتجة، بقي القرآن لأن الله عز وجل صانه من أي تحريف أو تغيير أو تشويه. ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْناَ الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (الحجر: 9). وهكذا فالقرآن في حماية الله.

في المقطع الأخير من هذا الفصل سنعرض لقصة الطُّوفان من خلال روايات العديد من الحضارات والعهد القديم والعهد الجديد، بالرغم من التشويه الكبير الذي أصابها.
.


طُوفان نوح في العهد القديم

الكتاب الحق الذي نزل على موسى هو التوراة، إلا أنه حرف عن أصله بمرور الزمن من قبل أحبار اليهود. كذلك الأمر بالنسبة لكل الرسالات التي أرسلت إلى بني إسرائيل بعد موسى، لم يبق منها شيء لم يصبه التحريف. ويدفعنا هذا إلى اعتبار التوراة والتي فقدت صلتها بالأصل، على أنه كتاب في التاريخ أكثر من كونه كتاباً مقدساً سماوياً، من السهل ملاحظة التشويه الذي تعرضت له الأسفار الخمسة والتناقضات الموجودة فيها عند تأمل رواية الطُّوفان التي وردت فيها، بالرغم من وجود بعض التماثل مع رواية القرآن الكريم في بعض الأجزاء.
حسب رواية العهد القديم: أخبر الله عز وجل نوحاً عليه السلام أن قومه سيهلكون إلا المؤمنين منهم، لأن الأرض قد ملئت جَوراً، ولهذا أمره ببناء السفينة وأخبره كيف يقوم بذلك بالتفصيل، كما أمره أن يصطحب معه عائلته وأولاده الثلاثة ونسوتهم، وزوجين من كل دابة وبعض المؤن.
بعد ذلك بسبعة أيام، وعندما حان وقت الطُّوفان، تفجرت ينابيع الأرض وفتحت أبواب السماء، وحصل طُوفان عظيم أغرق كل شيء، استمر الطُّوفان أربعين يوماً وليلة، وأبحرت السفينة في الماء الذي غطى كل الجبال والمرتفعات، وهكذا أنقذ كل من حمله نوح معه على السفينة وقضى الباقون غرقاً بماء الطُّوفان، توقفت الأمطار بعد الطُّوفان الذي استمر 40 يوماً و40 ليلة، وابتلعت الأرض مياهها بعد 150 يوماً من ذلك .

بعد ذلك، وفي اليوم السابع عشر من الشهر السابع، استوت السفينة على جبال أرارات، وأرسل نوح عدة مرات حماماً ليرى ما إذا كانت المياه قد نضبت كلُّها أم لا، وعندما لم تعد الحمامة في المرة الأخيرة أدرك أن المياه قد انحسرت ، وأمره الله أن ينـزل ومن معه من السفينة وينتشروا في الأرض .
أحد التناقضات الواضحة في العهد القديم فيما يتعلق بهذه القصة، هو النص الذي يلي هذا في نسخة "ياهواه"، و الذي يقول: إن الله أمر نوحاً أن يأخذ سبعة من الحيوانات التي سماها "النظيفة"، ذكوراً وإناثاً، وأزواجاً فقط من تلك التي سماها "الوسخة"، وهذا يتناقض مع النص المذكور أعلاه، كذلك تتناقض المعلومات عن فترة الطُّوفان ففي رواية اليهوي استمر ارتفاع الماء أربعين يوماً، بينما في رواية ليمان استمرت 150 يوماً.
هنا بعض المقاطع من العهد القديم تروي طُوفان نوح، حسب رواية ليمان :
"13فقال الله لنوح: نهاية كل بشر قد أتت أمامي، لأن الأرض امتلأت ظلماً منهم، فها أنا مهلكهم مع الأرض،14 اصنع لنفسك خشباً من جفر، فها أنا آت بطُوفان الماء على الأرض لأهلك كل جسد فيه روح حياة من تحت السماء، كل ما في الأرض يموت18، ولكن أقيم عهدي معك فتدخل الفُلْكَ أنت وبنوك وامرأتك ونساء بنيك معك19، ومن كل حي من كل ذي جسد اثنين من كل تدخل إلى الفُلْكِ لاستبقائها معك. 22ففعل نوح حسب كل ما أمره به الله ، هكذا فعل." (التكوين 6: 13-22)

"4واستقر الفُلْكُ في الشهر السابع في اليوم السابع عشر من الشهر على جبال أرارات". (التكوين 8:4).


" 2من جميع البهائم الطاهرة تأخذ معك سبعة سبعة ذكراً وأنثى، ومن البهائم التي ليست بطاهرة اثنين ذكراً وأنثى، 3ومن طيور السماء أيضاً سبعة سبعة ذكراً وأنثى، لاستبقاء نسل على وجه كل الأرض." (التكوين 2:7-3).


"11أقيم ميثاقي معكم فلا ينقرض كل ذي جسد أيضا بمياه الطُّوفان، ولا يكون أيضاً طُوفان ليخرب الأرض" (التكوين 9:11).
حسب رواية العهد القديم: "كل ما على الأرض سوف يموت" في الطُّوفان الذي غمر كل العالم، فإن كل الناس قد أصابهم العقاب ما عدا أولئك الذين كانوا على ظهر السفينة مع نوح

طُوفان نوح في العهد الجديد

ليس العهد الجديد بأفضل حالاً من العهد القديم، إذ لا يمكن اعتباره كتاباً سماوياً، فهو لا يتعدى أن يكون أكثر من كلمات وأعمال الرسول عيسى عليه السلام، يبدأ العهد الجديد بأربعة أناجيل كتبت بعد عيسى بقرن من الزمن، كتبها أناس لم يروا عيسى ولم يصاحبوه وهم : متى، مرقس، لوقا، يوحنا. التناقض بين هذه الأناجيل الأربعة شديد الوضوح، وخاصة إنجيل يوحنا الذي يختلف كثيراً عن الأناجيل الثلاثة الأخرى التي تعتبر متوافقة مع بعضها إلى حد ما وليس بشكل كامل. الكتب الأخرى من العهد الجديد تتكون من رسائل كتبها الحواريون والقديس بولص يصفون فيها أعمال الرسل بعد عيسى.
لذلك لا يمكن اعتبار العهد الجديد المتداول اليوم كتاباً سماوياً، وإنما هو أقرب ما يكون إلى الكتاب التاريخي.
يصف العهد الجديد طُوفان نوح باختصار كالأتي: بُعث نوح رسولاً إلى قوم عصاة ضالين، إلا أنهم لم يتبعوا رسالته، بل أصرُّوا على عنادهم، وبذلك استحقوا عقاب الله، فأغرق المكذبين منهم بالطُّوفان وأنقذ نوحاً ومن آمن معه بحملهم على السفينة. فيما يأتي بعض المقاطع من العهد الجديد التي تصف القصة:
"37وكما كانت أيام نوح كذلك أيضا يكون مجيء ابن الإنسان38، لأنه كما كانوا في الأيام التي قبل الطُّوفان يأكلون ويشربون ويتزوجون ويزوجون إلى اليوم الذي دخل فيه نوح الفُلْكَ39 ولم يعلموا حتى جاء الطُّوفان وأُخذ الجميع. كذلك يكون أيضاً مجيء ابن الإنسان. (متى:37-39).

"5ولم يشفق على العالم القديم، بل إنما حفظ نوحاً ثامناً كارزاً للبر، إذ جلب طُوفاناً على عالم الفجار." (بطرس: 5).


"26وكما كان في أيام نوح كذلك يكون أيضا في أيام ابن الإنسان.27 كانوا يأكلون ويشربون ويزوجون ويتزوجون إلى اليوم الذي فيه دخل نوح الفُلْكَ وجاء الطُّوفان وأهلك الجميع." (لوقا 17:26-27).


"20إذ عصت قديما حين كانت أناة الله تنتظر مرة في أيام نوح، إذ كان الفُلْكُ يبنى الذي فيه خلص قليلون أي ثماني أنفس بالماء." (بطرس 3:20).


"5لأن هذا يخفى عليهم بإرادتهم أن السماوات كانت منذ القديم، والأرض بكلمة الله قائمة من الماء وبالماء، 6اللواتي بهن العالم الكائن حينئذ فاض عليه الماء فهلك. (بطرس 3:5-6).



روايات عن الطُّوفان في حضارات أخرى

السومرية: أخبر الإله إنليل الناس أن الآلهة الأخرى عزمت على إهلاك البشرية، ولكنه هو نفسه يريد إنقاذها. بطل القصة هو زيوسودرا، ملك مدينة سيبور، أخبر الإله إنليل زيوسودرا ماذا يفعل لينجو من الطُّوفان ، النص المتعلق ببناء السفينة غير موجود، إلا أن الأجزاء الأخرى من القصة والتي تروي كيف نجا البطل من الطُّوفان، تظهر أن هذا المقطع كان موجوداً، وبالاعتماد على الرواية البابلية للقصة نصل إلى نتيجة حقيقية بأنه لابد أن تكون النسخة السومرية الكاملة متضمنة تفاصيل شاملة عن الطُّوفان وأسبابه وكيفية بناء السفينة.

البابلية: أوت نابيشتيم هو البطل البابلي الموازي للبطل السومري زيوسودرا، والشخصية المهمة الأخرى هي شخصية غلغامش، حسب الأسطورة، يقرر غلغامش أن يجد أسلافه ليحصل على سر الخلود، حُذّر غلغامش من الصعوبات والمخاطر التي تنتظره خلال رحلته هذه، قيل له: إنه سيمر على جبال ماشو ومياه الموت"؛ وإن هذه الرحلة لم يقم بها أحد سوى إله الشمس شامشا حتى الآن، إلا أن غلغامش اجتاز بشجاعة كل المخاطر ووصل إلى أوت نابيشتيم.

ينقطع النص عندما يلتقي غلغامش بنابيشيم، وعندما يعود مرة أخرى يستمر من قول نابيشتيم لغلغامش:
"احتفظت الآلهه بسر الموت والحياة لنفسها (أي: إنها لا تطلع عليه أحداً من الناس)، وهنا سأله غلغامش: كيف يمكن أن يحصل على الخلود؟ فأخبره بقصة الطُّوفان كجواب عن سؤاله. وتوجد رواية الطُّوفان أيضاً في " الموائد الاثنا عشرة" من أسطورة غلغامش.
بدأ أوت نابيشتيم حديثه بأن هذه القصة التي سيرويها إلى غلغامش هي سر من أسرار الآلهة، قال: إنه جاء من مدينة شورباك أقدم مدن أرض أكاد، ناداه الإله"إي" حسب روايته، ناداه من خلف جدران كوخه المصنوع من القصب، وأخبره أن الآلهه قررت أن تقضي على كل ما هو حي فتغرقه بطُوفان، إلا أن سبب قرارهم هذا أغفل في القصة البابلية كما أغفل في الرواية السومرية. قال أوت نابيشيم: إن الإله "إي" أخبره أن يصنع سفينة ويضع فيها
"بذور كل الأحياء"، وأعلمه عن حجم السفينة، فكانت أبعادها طولاً وعرضاً وارتفاعاً متساوية، قلبت العاصفة كل شيء رأساً على عقب، واستمرت ستة أيام، وفي اليوم السابع هدأت، ورأى أوت نابيشتيم أن كل شيء قد تحول إلى طين، واستقرت السفينة على "مت نيصير".
وحسب السجلات السومرية والبابلية: فقد أنقذ "إيكزوثروس" أو "خاسيساترا" من الطُّوفان في السفينة التي بلغ ارتفاعها 925 متراً هو وعائلته وأصدقاؤه وبعض الحيوانات والطيور. ويقال: إن "المياه ارتفعت إلى السماء، وغطت المحيطات والشطآن، وفاضت الأنهار فخرجت من مجراها"، واستوت السفينة في النهاية على جبل "كوريديان".
وحسب الرواية الآشورية- البابلية: فقد أنقذ "أوبرا توتو" أو "خاسيساترا" هو وعائلته وخدمه وقطعانه والحيوانات الأليفة على سفينة طولها 600 ذراعاً وارتفاعها 60ذراعاً وعرضها 60 ذراعاً أيضاً، استمر الطُّوفان ستة أيام وست ليال، وعندما وصلت السفينة إلى جبل نزار، عادت الحمامة التي كانت قد أطلقت من السفينة ولم يعد الغراب الأسود.

وحسب بعض السجلات السومرية والآشورية والبابلية: فإن أوت نابيشتيم قد أنقذ مع عائلته في السفينة من الطوفان الذي استمر ستة أيام وست ليال، " وفي اليوم السابع نظر أوت نابيشتيم إلى الخارج، الهدوء يلف المكان، لقد عاد الإنسان مرة أخرى إلى الطين"، وعندما استوت السفينة على جبل نزار، أرسل حمامة وغراباً وعصفوراً. بقي الغراب ليأكل من حبوب الأرض بينما لم يرجع الآخران.
الهندية: تقول الشاتاباثا البراهمية وأساطير الماهاباهارتا الهندية: إن رجلاً يدعى مانو قد نجا من الطُّوفان مع ريشيتز، وحسب رواية الأسطورة: فقد كبرت السمكة التي التقطها مانو من البحر وأبقى على حياتها، وفجأة قالت له أن يصنع سفينة ويربطها إلى قرنيها، كانت هذه السمكة تجلياً من تجليات الإله "فيشنو"، وقادت السمكة السفينة في المياه لتوصلها إلى جبل هيسمافات.
ويلز : حسب أساطير ويلز: فقد فر كل من دوينوين و دوينفاك من الكارثة الكبيرة في السفينة، وعندما انتهى الطُّوفان الكبير الذي حدث من فيضان "لينليون" الذي كان يسمى "بحيرة الأمواج" استقر كل من دوينوين
ودوينفاك واستوطنا بريطانيا من جديد.
اسكندينافيا: تقول أساطير ": إيدا": إن بيرغالمير وزوجته قد هربا من الطُّوفان الكبير في سفينة كبيرة.
ليتوانيا: تروي الأسطورة الليتوانية أن قليلاً من أزواج البشر والحيوانات قد نجوا في قشرة بندق عملاقة عند قمة أحد الجبال العالية عندما عصفت الرياح، وفاضت المياه التي استمرت اثني عشر يوماً وليلة، ووصلت إلى الجبل المرتفع لتبتلع كل من كان عليه، أرسل الخالق إليهم قشرة بندق عملاقة، ونجا من كان على الجبل بإبحارهم في قشرة البندق هذه.
الصين: تروي المصادر الصينية أن رجلاً يدعى "ياو"، أو "فا لي" ، مع سبعة آخرين و زوجته وأولاده قد نجوا في سفينة من طُوفان عظيم وهزات أرضية، ويقال: إن "الأرض كانت في دمار كامل، لقد تفجرت المياه وغطت كل شيء." وفي النهاية انحسر الماء.

طُوفان نوح في الأساطير الإغريقية: قرر الإله زيوس إغراق الناس الذين يملؤون الأرض فساداً كل يوم بالطُّوفان، ديوكاليون وزوجته بيرا فقط هما اللذان نجيا من الطُّوفان، لأن بروميثيوس والد ديوكاليون نصحه ببناء سفينة، . ونزل الزوجان إلى جبل بيرناسوس بعد تسعة أيام من صعودهم إلى القارب.
تدل كل هذه الأساطير على حقيقة تاريخية ملموسة تاريخياً، كل أمة أتاها رسول وتلقت وحياً إلهيَّاً، و لذلك عرفت العديد من الحضارات قصة الطُّوفان، ولكن للأسف عندما بدأ الناس ينحرفون عن جوهر الوحي السماوي وحقيقته، بدأ التشويه يتسرب إلى هذه الحادثة ليحولها إلى أساطير .

القرآن هو المصدر الوحيد الذي يمكن أن نجد فيه قصة نوح والقوم الذين كذبوه، لأنه المصدر الوحيد للوحي الذي لم يصبه التحريف.
يقدم لنا القرآن المعلومات الصحيحة، ليس فقط عن قصة نوح، وإنما عن السابقين من الأقوام والأحداث التاريخية المرافقة أيضاً




افتراضي رد: طوفان نبي الله سيدنا نوح عليه السلام

بارك الله فيك
وجزاك الله خيرا
دمت ودام عطائك
ودائما بأنتظار جديدك

افتراضي رد: طوفان نبي الله سيدنا نوح عليه السلام

تقبل الله عملك وجهدك وجعله فى ميزان حسناتك
جزاك الله كل خير
تقييم

افتراضي رد: طوفان نبي الله سيدنا نوح عليه السلام

جزاك الله خيرا وجعله فى ميزان حسناتك


أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ردآ على اليهود و النصارى:(دلائل نبوة سيدنا وسيدكم وسيد أسيادكم عقلاً ونقلاً ) mohamadamin سلامٌ عليك يارسول الله ( أشهد أنك قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة ) 20 16/10/2014 12:23 AM
سنن غالية من سنن الحبيب علية الصلاة والسلام غفلنا عنها عادل الاسد اسلاميات - الإسلام اليوم - طريق الاسلام - مواضيع اسلاميه 4 15/06/2014 07:19 AM
سنن منسية ( غفل عنها كثير من المسلمين ) ساكتون سلامٌ عليك يارسول الله ( أشهد أنك قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة ) 19 15/06/2014 07:18 AM
فتنتة الأعور الدجّـــال mohamadamin القرآن الكريم quran 7 15/02/2014 01:26 PM
سكرة الموت mohamadamin اسلاميات - الإسلام اليوم - طريق الاسلام - مواضيع اسلاميه 6 13/12/2013 01:49 PM




الساعة الآن 10:15 PM.
معجبوا منتديات الوليد بن طلال