بحث - بحوث جاهزه - بحوث تربويه - بحوث علميه بحوث جاهزة بحوث تربوية بحوث اجتماعية بحوث جغرافية بحوث اسلامية بحوث قانونية بحوث البحث العلمي. بحوث جاهزة بحوث تربوية بحوث اجتماعية

الفن.. الواقع والمأمول

افتراضي الفن.. الواقع والمأمول

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته





د. خالد الجريسي

المقدمة:
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا، والصلاة والسلام على سيد الخلق أجمعين، ورحمة الله للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الغر الميامين، صلاة دائمة إلى يوم الدين.
وبعدُ:
فهذا البحث الصغير هو ملخص لجهد كبير قام به المجاهد العظيم الدكتور خالد بن عبدالرحمن الجريسي - حفظه الله تعالى، وجعل أعماله الطيبة في ميزان حسناته، يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات، ونفع بأعماله جميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، إنه سبحانه على ذلك قدير.
والكتاب الأصلي بعنوان: (الفن الواقع والمأمول، قصص توبة الفنانين والفنانات)، يقع هذا الكتاب في حوالي مائة وثمانين صفحة، عدا الملحق والمصادر والفهرس الخاص به، وتأتي أهميتُه في أنه يتناول موضوعًا يمسُّ حياتنا اليومية، والتي لا محيد عنها ولا مناص منها، موضوع الفن التمثيلي وأثره في المجتمع.
لقد أصبح الفن التمثيلي الشُّغْل الشاغل والمستحوذ على تفكير الناشئة والشباب والشيوخ، وكل طوائف المجتمعات المعاصرة، وأصبحَ أداةً خطيرة وطيِّعة في أيدي اليهود والصهاينة؛ للسيطرة على العالَم كله، ووسيلة لبثِّ سمومهم من خلالها لإفساد المجتمعات، وإغراق أفرادها في الشهوات، ومسح عقولهم، وإذابة هُويتهم، وسَحْق مبادئهم، ومن عجبٍ أن نجدَ العاملين في هذا المجال في مجتمعاتنا المسلمة يسيرون على هذا النهْج المرسوم لهم من قبَل الغربيين والصهاينة، دون نقد أو تمحيص، بل دون وازعٍ ديني أو أخلاقي يردعهم عما يقترفونه مِنْ أَوْزار، وعما يرتكبونه مِنْ مجازر للأخلاق، وهدْم للدين والقيم النبيلة.
نعم، إن الفن التمثيلي في مجتمعاتنا الإسلامية متَّهَمٌ بالتقصير في القيام بالواجب المنوط به تجاه الأمة الإسلامية، ومتَّهَمٌ كذلك بصرْف همم الشباب وتحويلها إلى الاهتمام بالمظاهر الدنيوية، والانغماس في الشهوات البدنية، والانبهار بالأضواء، والتمسُّك بالقشور، حتى غدا هَمُّ الشباب التطلُّع لإحراز البطولة من خلال تنفيذ مواقف تافهة، أو مغامرات متهورة، أملاها عليهم مشهدٌ سينمائي أو تمثيلية أو مسرحية، وأصبح حلمُ كلِّ شاب أو شابة أن يكونَ فنانًا يُشار إليه بالبنان، وتسلَّطُ عليه الأضواء.
من هنا كانت أهمية هذا الكتاب نابعةً من وقوفه على الأضرار الاجتماعية والآثار السلبية للفن التمثيلي، وعرض قصص الفنانين والفنانات الذين هداهم الله إلى نور الهداية، بعد التخبط في ظلمات المعاصي، واللهَ نسأل أن ينتفع به المسلمون، وأن يكون خالصًا لوجه الله الكريم.
الفصل الأول

الفن التمثيلي المفهوم والنشأة


مفهوم مصطلح الفن:
لا شك أن كلمة (فن) كلمة فضفاضة، تندرج تحت مظلتها معانٍ عديدة، لهذا كان من الواجب علينا أن نعرضَ في بداية هذا البحث لمفهوم مصطلح الفن؛ من حيث اللغة والاصطلاح، ونبدأ بالتعريف اللغوي لكلمة الفن.
جاء في "مختار الصحاح"؛ لابن أبي بكر الرازي أن الفن عند أهل اللغة هو النوع، وجمعه: الفنون؛ أي: الأنواع، والأفانين: الأساليب، وهي أجناس الكلام وطُرُقه، ورجل متفنِّن؛ أي: ذو فُنُون.
أما من حيث الاصطلاحُ، فالفن يطلق عمومًا على كل عمل إنساني يحتاج إلى مهارة خاصة، ودربة وإتقان في إنجازه، ومن ثَمَّ فالإنتاجُ الصناعي بكلِّ أنواعه يُعَد فنًّا، والزراعة تُعد فنًّا، وكذلك سائر ألوان الحرف والمهن التي تحتاج إلى خبرةٍ وإتقان، لكن الفنونَ التعبيرية استأثرتْ بهذا المصطلح دون سواها من الفُنُون، ونعني بالفنون التعبيرية: الشعر، والرسم، والموسيقا، والغناء، والرقص؛ لارتباط هذه الفُنُون بالغاية الجمالية دون الغايات النفْعية.
فالفنان الذي يمر بتجربةٍ واقعية أو خيالية، ويتأثر بها، إذا أراد أن ينقل إحساسه إلى الآخرين فوصل إلى غايته بمادة اللغة كان شِعْرًا، ومتى اتخذ النغَم كان موسيقا، أو جمع بينهما كان غناءً، وحين يسعى للتعبير بمادة الخطوط والألوان كان رسمًا، وإذا كانتْ مادته مما يتجسم في أشكال وأحجام كان الفن نَحْتًا وعمارة، ومتى استخدم الحركات في المحاكاة والتقليد كان الفن تمثيلاً.
وما يهمنا هنا - على وجه الخصوص - هو المحاكاة والتقليد للتعبير عن انفعالات ما، وهو ما يسمى بالتمثيل.
مفهوم التمثيل:
التمثيل لغةً هو: التشبيه والتصوير تقول: مثَّل له الشيء؛ أي: صوره حتى كأنه ينظر إليه، ومثَّل الشيء بالشيء: سوَّاه وشبهه به.
ومن حيث الاصطلاح فهو: تمثيل طائفة من الناس لحادثٍ متحقق أو متخيل، لا يخرج عن حدود الحقيقة أو الإمكان.
نشأة فن التمثيل:
تمتد جذور فن التمثيل إلى العصر الإغريقي، لكن العرب لظروفهم البيئية والأدبية والدينية قد غضوا الطرف عنه، ولم يعرفوه بمفهومه الحديث، إلا في أواسط القرن التاسع عشر، وكان اللبنانيون أسبق الشرقيين إلى اقتباسِه، لتخرجهم في المدارس الأجنبية، ودراساتهم للآداب الإفرنجية.
الأهداف السامية للفن:
إننا عندما نحاول أن نضع أهدافًا للفن، ينبغي التنويه على أننا نعني بالفن: فن التمثيل القائم على الضوابط التي حدَّدها العلماء الثقات للتمثيل الجائز، وهذا النوع من الفن يمكن أن تكون له أهداف سامية نابعة من واقع الأمة الإسلامية وضروراتها في التربية والتوعية، ومعالجة مشكلات الواقِع، ويُمكن إجمالُ هذه الأهداف فيما يلي:
1 - تربية الناشئة:
عن طريق إيجاد معالجات نصيَّة جادَّة لتنمية عُقُولهم، والأخذ بأيديهم إلى التمسُّك بتعاليم الدين الحنيف، والخُلُق الكريم.
2 - حماية المجتمع المسلم:
وترتكز الحماية على التوعية الإيمانية والعلميَّة، وذلك من خلال تبصير المجتمعات الإسلامية بالأخطار التي تُهَدِّد الأمة أفرادًا وجماعات.
3 - غرس القيم النبيلة:
تكمن أهمية دور الفن الأصيل في غرس القيم المعنوية المؤثرة في السلوك الإنساني، والتي بها يدرك المسلم ما له من حقوق، وما عليه من واجبات نحو أمته الإسلامية.
4 - بناء المشاعر الإنسانية:
إن السلوكيات التي ترسم شخصية الإنسان تتولد عن مشاعر نابعة من معتقدات ومبادئ مختلفة، ومن ثم يأتي دور الفن النبيل ليبني هذه المشاعر على نور من دين إلهي غير محرف، وهو الإسلام لتكونَ مشاعر المسلم مُوَجهة للصدق دائمًا، ومنبثقة من معتقدات متينة راسخة.
5 - المعالجة العملية للقضايا الاجتماعية:
إن السمة الغالبة للأعمال الفنية المعاصرة أنها لا تقدم الحلول الناجعة للقضايا الملحَّة في المجتمعات المعاصرة، بل تقدم حلولاً مريضة ومغايرة للحلول الناجعة، فتصور الطلاق على أنه إن لَم يكن محرَّمًا فقد قارب ذلك، ومن ثَمَّ نراها تحض على اتخاذ الخليلة عند خوْف الشقاق بين الزوجين، وتصوِّر الرشوة والمحسوبية للتوظيف على أنها حتمية للحصول على الحقوق المكتسبة، والإيهام بأن الطريق الأوحد لتحصيل الثروات الطائلة لا بد أن يمر عبر المحرمات.

الفصل الثاني

الفن التمثيلي وأثره في الناشئة


يعتقد البعضُ أن البرامج المعدة للناشئة ذات تأثير إيجابي على الناشئة؛ لأنها تزودهم بالمعلومات القيمة، وترقى بمستوى تفكيرهم، والواقع أن اعتقادهم هذا مستلهم من تأثرهم بالأفكار السائدة في الغرب، ففي ملخَّص تقرير الحكومة الأمريكية عام 1982م، الذي يتعلق بالتأثيرات المترتبة على مشاهدة البرامج، جاء أن مشاهدة برامج التلفاز تُساعد في تنمية القدرة الذهنية على التخيل والابتكار، وأن هذه البرامج قادرة على غرْس القيَم الاجتماعية المفيدة في نفوس الناشئة، وعلى تعْويدهم السلوك الاجتماعي المرغوب.
هذا ما تراه الدراسات والأبحاث في الغرب، والتي لا تنطبق أساسًا على بيئتنا الإسلامية؛ حيث الاختلافُ البَيِّنُ في المعتقدات والمبادئ والعادات والتقاليد، والعجيب أن البرامج العربية التي تُقَدَّم للناشئة قد تحمل في طياتها توجُّهات فكرية قد تستخف بعقلية الناشئ وما أودعه الله فيه من قدرات، حيث أصبح الترفيهُ هو الغاية، والرعب والخيال، والعنف والعدوان، والحب والجنس هو محْوَر تلك البرامج التي لا تتَّفق مع المبادئ الإسلامية، ولعلَّ السبب في هذا يرجع إلى:
(1) الرغبة في تحقيق المكاسب المادية لمنتجي هذه البرامج.
(2)الجهل التام بما أوْدَعَهُ الله في الناشئ من إمكانات نفسية وعقلية وسلوكية.
وجدير بالذكر أن السياسة الإعلامية المقررة في المملكة العربية السعودية أكدتْ تأكيدًا جازمًا على منع كل ما يناقض الشريعة الإسلامية، أو يُشَوِّه الفطرة النقيَّة للناشئة.
كل ذلك ليكونَ الناشئُ رجُل المستقبل الذي تُبْنَى عليه آمال الأمة، ومن هنا كان لزامًا على القائمين على هذا الفن أن يتفهموا شخصية الناشئ، وأن يعملوا على تغذيتها روحيًّا وعلميًّا، كما ينبغي الاهتمام بوجود برامج تنطلق من فكر إسلامي صحيح، وتهدف إلى تعميق الولاء لله - سبحانه وتعالى - في نفس الطفل.
علاقة الفن التمثيلي بالناشئة:في هذا الصَّدَد سنلقي الضوء على ثلاثة محاور رئيسة:
المحور الأول: مسرح الناشئة:
صبَّ الفنانون وكتَّاب المسرح المعد للناشئة جُلَّ اهتمامهم في إضحاك الطفل، واعتبروا أن هذا في حد ذاته هو الغاية المنشودة دون مراعاة لإمكانات هذا الطفل العقلية والإبداعية، أو دون النظر إلى القيَم والأهداف السامية التي ينبغي توجيهها إلى الطفل من خلال العمل.
إننا عندما نشاهد مسرح الطفل نرى شخصيات وهمية؛ كحيوانات تتكلم، وتشد انتباه الطفل بما لديها من قدرة على التخاطُب، والتحلي بالمشاعر النبيلة، فإننا حينئذٍ نشعر بالخطر لما لهذا العرْض من أثر سلْبِي بالغ على القدرات العقلية للطفل، فمع أنه لافت لنظر الطفل، ومثير لانتباهه إلا أنه يسبب خللاً في تصوُّراته، قد يجعله متعلقًا بها ومترسمًا خُطاها لفترات مقبلة من حياته.
ولما كان الهدفُ الأساسي من الإنتاج المسرحي للأطفال هو الكسب المادي، فإن الأهداف النبيلة والغاية السامية المرجوة غابت عن الساحة، ولم يعد لها مكانٌ في مسرح الطفل، وعلى هذا فإننا في أمسِّ الحاجة اليوم إلى أعمال تدخل عالم الناشئ تنتشله من هذا الكم الهائل من الأعمال الغثة التي لا طائل وراءها، في حاجة ماسَّة إلى أصحاب القلم البناء، والفنان الملتزم ذي الحس الديني والثقافي الذي يستطيع أن يتغلغل في نفس الطفل، فيصقل روحه بالهدى، ويرتقي بفكره إلى مراقي الفلاح.
المحور الثاني: فن العروض الكرتونية (الرسوم المتحركة):

أثبتت الدراسات أن العروض الكرتونية لها أثر بالغٌ على الطفل، فهي تستحوذ على كل اهتمامه، لأنه يشعر بالمتعة وهو يشاهد ما لَم يره في الواقع، وهنا مكمن الخطر؛ إذ إنها تغزو معتقداته وفكره، تغزو عواطفه وخياله الخصب، تغزو إمكاناته الإبداعية عن طريق إغراقه بالإثارة والتشويق، فيضطرب كل شيء في كيانه الإنساني وصولاً إلى أعظم ما يملكه المسلم وهو العقيدة.
أثر العروض الكرتونية في العقيدة:
إنَّ المتأمِّل في العروض الكرتونية يستطيع أن يلحظ كثيرًا مما ترمي إليه هذه العروض من زعزعة العقيدة عند الناشئة، وغرس مفاهيم وقيم دينية منحرفة، ولقد ركزتْ معظم هذه الأعمال - إن لم يكن جميعها - على هدم عقيدة التوحيد التي يعتنقها ناشئة المسلمين، وإشراب هؤلاء الناشئة مفاهيم غريبة عن فطرهم السليمة، وعن المسلمات الدينية لديهم، دون رقيب، اللهم إلا من وازع ديني لِغَيُور على أبنائه، وعين بصيرة مؤمنة.
الفن الكرتوني وعقيدة التثليث:
ثمة مسلسل كرتوني عُرض على أطفال المسلمين بعنوان: (الإله زيلا)، يحكي قصة أسرة كانت في عرض البحر، فاعترضتها وحوش خيالية أصابتْها بالرعب والهلع، فما كان من هذه الأسرة إلا أن دعت (الإله زيلا)، الذي هرع لنجدتها، فأنقذ الأسرة بعد صراع مرير مع تلك الوحوش الخيالية، ولهذا الإله - بزعمهم - ابن يعايش البشر، وهو واحد منهم يرعاهم ويستجيب لهم.
ولا يخفى على الحصيف الأريب أن هذه العقيدة التي تنادي بها مثل هذه المسلسلات والعروض منافية تمامًا لعقيدة التوحيد، إنها العقيدة السائدة في الغرب، فكيف نُرَوِّجها في مجتمعاتنا المسلمة دونما فحْصٍ أو تمحيص؟!
إنها عقيدة تقوم على ادِّعاء الولد لله تعالى، وهذه العقيدة تظل تتسلل إلى نفس الطفل في ثوب برَّاقٍ، وهنا تتلاطم المفاهيم في عقل الطفل، المفاهيم التي ترَبَّى عليها والعقيدة التي نشأ ودرج على اعتناقها، والمفاهيم والعقيدة التي يتلَقَّاها من خلال هذه العروض، فتتزعزع عقيدته الأصلية في جلسة مشاهدة قد لا يلقي لها الأهل بالاً، بل قد يدفعون أطفالهم إليها بحجَّة التسلية والترفيه عنهم.
الفن الكرتوني وعبادة الأصنام:
تدعو بعض المسلسلات الكرتونية إلى العودة إلى عبادة الأصنام، من خلال تمجيد عبدة الأصنام، كما في (مغامرات الليث الأبيض) التي تجلت بحلتها المثيرة ومشاهدها الأخاذة فبهرت العيون وسلبت العقول، وقد ظهر في أحد عروضها صنمٌ من حجارة، وقف الناس أمامه بذلة وخضوع يتوسَّلُون إليه ويدعونه عند المصائب والكوارث، فهم يعبدونه.
ولا شك أن هذه العروض تؤثِّر على الطفل، فلا عجب أن ترى طفلاً يحدث دمية أو نارًا يتوسل إليها لتنفيذ رغباته، فها هي (مغامرات سندباد) في إحدى عروضها تظهر عقيدة المجوس في تقديسهم للنار، وتقديمهم القرابين لها.
مَن يُدَبِّر الكون في نظر العروض الكرتونية؟
عمل هذا الفن جاهدًا بأسلوب جذاب مثير على تصوير صراعات دائمة في هذا الكون، وهذا ما نراه في أفلام غزو الفضاء وحرب النجوم (Star wars)، و(Space invadors)، وهذه الأفلام تصوِّر كائنات تهاجم كوكب الأرض لتضمه إلى عالمها، وتستطيع هذه الكائنات أن تتصرف بهذا الكون وتنظمه، ومن هنا ينكرون قدرة الله وتدبيره لهذا الكون، يقول "فريد التوني" في مجلة المجاهد: "تعمد أفلام مسلسلات غزو الفضاء إلى إلغاء جانب الألوهية، حتى تغرس في نفوس الأبناء الإلحاد والكفر، حيث تفسر الكون تفسيرًا وثنيًّا صريحًا".
علْم الغيب كما يُصَوِّره فن العروض الكرتونية:

في فيلم (صفر صفر واحد) الفضائي المثير، يتخيَّل القائمون عليه أن بعض المخلوقات الخيالية ستقدم على غزو الأرض في سنة (2999م) تحديدًا، ولا يخفى على ذي عقل أن هذا مما يتنافى مع العقيدة الإسلامية؛ لأن علم الغيب من العلوم التي استأثر الله تعالى بها، وقد أخبرنا بذلك في قوله سبحانه: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [النمل: 65]، والآيات الدالة على ذلك كثيرة.
فن العروض الكرتونية وتأصيل عقيدة السحر:
إذا كانت العروض الكرتونية تقوم في المقام الأول على الخيال، فإن السحر وما يتعلق به من خرافات وخيالات أرض خصبة للغاية لهذا النوع من الفن، وفي مثل هذه الأعمال يُصَوِّرون قدرة الساحر بأنها مطلقة لا يعجزها شيء، فهو قادر - على حدِّ زعمهم - على إيجاد ما لا يوجد، وإهلاك من يريد إهلاكه، وهذا النوع من العروض تكمُن خطورته في أن الطفل يقع فريسة للتناقض بين الواقع والمتخيل، وبين ما يراه معروضًا، وما يعتقده من أن عمل السحر كُفر.
العنف والعروض الكرتونية:
إن كثيرًا من هذه العروض تقوم على صراعات متتالية، تكاد لا تنتهي إلا بانتهاء العرض، مثل الصراع الدائر بين القط والفأر في (توم وجيري)، و(بوبّاي) وتنافسه الدائم مع بحار آخر على امرأة، وغيرها كثير مثل البطة (دفي دك)، و(تاوتاو)، والأرنب (باغني)، والقاسم المشترك بينها جميعًا اعتماد العنف والصراع وسيلة لتحقيق المبتغَى، مما يؤصِّل اعتماد تلك الوسيلة لدى الناشئ في حياته اليومية الواقعيَّة، وقد أثبتت الدراسات في علم النفس أن ثمة تناسبًا طرديًّا بين معدل الانحراف لدى الصغار، ومشاهدة أعمال العنف.
فإذا كان هذا الحال بالنسبة لأطفال الغرب، فكيف بأطفالنا الذين لا تناسبهم هذه الأعمال لا نفسيًّا ولا سلوكيًّا ولا دينيًّا؟!
العروض الكرتونية والخرافة:
تبتكِر العروض الكرتونية شخصيات خيالية لا وجود لها في الواقع، وتسبغ عليها هالة من الخرافة والقوة والعظمة، تجعل قلوب الناشئة تتعلق بها؛ مثل: "جريندايزر"، و"سوبرمان"، وغيرها.
ومع أن تاريخنا الإسلامي والعربي حافل بشخصيات كانتْ مثالاً يحتذى في المعرفة والسلوك والتضحية والبطولة، إلا أننا لا نجد من يظهر هذه الشخصيات في عروض كرتونية عربية تنافس هذه العروض الموجودة على الساحة، والتي لا تتناسب مع أفكارنا وسلوكياتنا ومبادئنا.
إننا لن نستطيع أن نمنع أولادنا من المشاهدة؛ لأن الأمر بات مستحيلاً بعد أن غزا التلفاز كل البيوت والأكواخ، إننا نهيب برجال الأعمال العرب والمستثمرين أن ينتجوا أفلامًا كرتونية عربية إسلاميّة تتفق مع عقيدتنا، وتبرز عظمة تاريخنا وأبطالنا، وقد علمتنا تجربة (مستر ديزني) أن النجاح لا يكمُن في اختراع الشخصية الكرتونية فحسب، بل في غزوها لعالم الطفل، فتصل إلى ملابسه وألعابه وكراريسه وأدواته المدرسية وأطباق طعامه، وأكواب شرابه، وهذا يشجع المستثمرين على القيام بصناعات ملحقة بهذا المنتج الكرتوني.
كرتون الحب والغرام:
تهدف كثير من هذه العروض إلى غرس روح التفلُّت من القيَم النبيلة في العلاقة بين الجنسين؛ حيث يتم فيها التركيز على التبرُّج والخلاعة والرقص وقصص الغرام المتبادل بين الذكر والأنثى، وجوانب الإغراءات التي تنبه في الطفل العواطف الخاصة والمشاعر الحميمة التي تكون عادة بين الرجل والمرأة، وهذا بلا شك له تأثيره المدمِّر على سلوك الطفل وأخلاقِه.
المحور الثالث: أثر الفن على الناشئة:
روى الشيخان في صحيحيهما، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه، أو ينصِّرانه، أو يمجِّسانه))، معنى هذا أن الله - سبحانه وتعالى - قد أودع في كل مولود فطرة نقية، وهي فطرة التوحيد، والمشاعر النبيلة، والسلوك الحسن القويم، بيد أن هناك أشياءَ قد تغير هذه الفطر النقية أو تعكر صفوها أو تقلبها رأسًا على عقب، منها الأسرة، فإن كانت غير مسلمة تبدلت فطرته، وإذا كانت مسلمة ظل الطفل على الفطرة النقية غير أنه يتعَرَّض في حياته لِمَوْجات من الاضطراب قد تُشَوِّه فطرته ومشاعره وخياله، ولعل الفن وتوابعه من أهم الأسباب الكامنة وراء ذلك.
إن هناك أخطارًا سلوكية يتعَرَّض لها الناشئةُ من خلال متابعتهم للأفلام والبرامج المتنوعة، من هذه الأخطار:
أولاً: التقليد:
إنَّ معظم ما يُشاهده الطفل من أحداث ومن عروض وأفلام ومشاهدات تنطبع في ذاكرته، فتظل حبيسة الذاكرة حتى تظهر بعد حين في سُلُوكياته وانفعالاته متمثلة كما رآها تمامًا أو ممتزجة بغيرها، والتقليد يُمكن تقسيمُه إلى ثلاثة أنواع:
أ- التقليد الانفعالي:
والمقصود به التفاعُل النفسي مع الفنانين والفنانات عندما يؤدون أدوارًا تتخلَّلها بعض المواقف الانفعالية؛ كالفرح والحزن، والغضب والرضا، والانتقام والتسامح، والخوف والإقدام، والحب والكره، وغيرها، فعندما يغضب الناشئ يتقمَّص دور فنان معين في طريقة إظهار غضبه، وكذلك حينما يفرح أو يحزن، أو يحب أو يكره، وقد يستمر هذا التقليد الانفعالي ليكونَ سمةً ثابتةً بارزةً في شخصيَّة هذا الناشئ، وقد تكون هذه الانفعالات مخالفة للعادات والآداب ومبادئ الدِّين الحنيف.
فالإسلامُ علمنا كيف نضبط انفعالاتنا عندما نحزن أو نفرح، أو نحب أو نكره أو نغضب؛ فقد روى أبو داود والترمذي وابن ماجه عن معاذ بن أنس الجهني: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((مَن كظم غيظًا وهو يستطيع أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره في أي الحور شاء)).
(ب) - التقليد اللفظي:
هذا النوع كثير، فقد يُقَلِّد الناشئ بعض الألفاظ والجمل التي يتفوَّه بها الفنان، وحيث إن هذا الفنان يتحدث بالعامية، فإن هذه الجمل لا تثري ملكة الناشئ اللفظية، بل تجعله يَتَعَثَّر في تعلم العربية؛ لأنها تبعده بقصد أو بغير قصد عن لغة القرآن، ومن ثم إبعاده عن دينه، ناهيك عن الألفاظ البذيئة التي يتلفَّظ بها بعض الفنانين فتعلق بأذهان الناشئة.
(ج) - التقليد الحركي:
قد تنطبع بعضُ الحركات التي يؤديها الفنان في أذهان الأطفال، ويحاولون أن يقلدوها مجردة من سياقها ومدلولها - إن كان لها مدلولٌ - ففي إحدى المسلسلات العربية ظهر بعض الفنانين وهو يؤدي دوره وقد لازمته فيه حركات يتعمدها تشبه حركات المعتوهين، وصار الأطفال يُقَلِّدونه ويتبارون في تقليده إلى وقت قريب، مع أن المسلسل مضى على عرْضه أكثر من اثنتي عشرة سنة.
ثانيًا: اكتساب العادات السيئة:

إنَّ القيَم العظيمة التي دعا إليها ديننا الحنيف؛ كالصدق والوفاء والتسامح، لا تعني عند أهل الفن شيئًا؛ بحجة أنها لا تثير المُشاهِد، كما تفعل القيَم الشريرة، ولهذا يؤثر الفنانون الاستمرار في عرض القيم الشريرة، ومع تكرار هذه السلوكيات الفجَّة تترسخ لدى الناشئ انحرافات فكرية، ثم سلوكية، لا تُحمد عقباها، قد تفقده القدرة على التمييز بين الحسن والقبيح، وبين الخير والشر، فتتحوَّل القيم السلبية والعادات الشاذة في نظرهم إلى أمور مألوفة مرغوبة يعجب بها الطفل، وقد يقلدها دون أن يفهمها الفهم الصحيح، ودون رؤية نقدية لها؛ مما يجعل خطرها فادحًا.



افتراضي رد: الفن.. الواقع والمأمول

الفصل الثالث
الفن التمثيلي والمرأة


لَم تكرم المرأة في أي عرفٍ أو قانون أو ملة أو دين مثلما كرَّمَها الإسلام، فبعد أن كانتْ في الجاهلية متاعًا من متاع البيت، وكانتْ لا ترث بل تورثْ مع المال، وتنتسب إلى زوجها لا إلى أبيها، جاء الإسلام فكرَّمها أعظم تكريم؛ لأنها هي التي تقود المجتمع إلى المعالي إذا صلحتْ، فهي الأم التي تربِّي العالم، والمفكِّر، والأديب، والقائد الفذ، والعامل الكادح، وهي الزوجة الصالحة التي تقيم أركان الأسرة.
ولما كان دورُ المرأة بهذه الخطورة صوَّبَت السهام إليها لإفسادها؛ لأنَّ فسادها هو فساد المجتمع برمته، فتارة يخاطبون عقلها لحملها على اعتقاد ما يخالف دينها وعقيدتها، وتارة ينشّطون فيها مكامن الضعف البشري المادي؛ لتكون نزاعة إلى الهوى وزخرف الدنيا.
لقد حاول دعاةُ التغريب أن يخلعوا عن المرأة المسلمة ثوب العفاف والطهارة والقيَم الإسلامية، ويلبسوها ثوب التمرُّد على شرع الله وعلى القيم الإسلامية عبر مسرب الفن؛ فالمرأة المسلمة تشاهد كل يوم مسلسلات تدعو إلى نبذ الحجاب، وتدعو إلى الاختلاط، وإقامة علاقة مشبوهة مع الجنس الآخر، فتتدرج بها من الرفض المطلق لهذه المحرمات إلى عدم المعارضة لها، ومن ثم إلى القبول والرضا عنها، ومن بعدها إلى الاعتقاد بأحقِّيَّة ما يعرض، وفي نهاية المطاف التردي التام في مهاوي الهوى.
الأساليب التي اتَّبَعها أهلُ الفن لإفساد المرأة

أولاً: جعل المرأة عنوانًا للحب والجنس:
عمَد أهلُ الفنِّ إلى استغلال المرأة باسم الفن، فخدشوا حياءها، وجعلوها نبع إثارة لا يتوقف، بنظراتها المغرية، وبنبرة صوتها الخاضعة، وبسائر مفاتنها؛ وذلك لتحقيق أهداف هابطة لا صلة للإنسانية بها، فدمروا الأخلاق والسلوكيات من خلال التعلق بالحب والهوى، فتعلَّقت المرأة بذلك حتى أصبح إنشاء علاقات غرامية مع الجنس الآخر أمرًا لازمًا لتحقُّق الحب، وتكتسب ثقة صديقاتهن والتفاخر بذلك لديهن.
ثانيًا: اتخاذ المرأة وسيلة لترويج السلع:
تُقَدم الإعلانات عن السلع التجارية نماذج إغرائية من فتيات مراهقات، وقد جعلن العمل في الإعلانات بوابة الدخول إلى عالم الفن، وحتى تثبت الفتاة جدارتها، فإنها تقوم باستعراض مواهبها الفاتنة، وكان من أثر هذه الإعلانات المروجة اندفاع المرأة المعاصرة إلى الإسراف والاستهلاك الزائد للسلع، فأرهقت بذلك كاهل الزوج مما صرف كثيرًا من الشباب عن التفكير في أمر الزواج.
ثالثًا: تشويه صورة المرأة المسلمة للتنفير منها:
لا شك أن صورة المرأة التي تعرض عبر مسارب الفن المختلفة لا تشبه بأي حال من الأحوال صورة المرأة المسلمة الملتزمة بدينها وحجابها وعفتها وحيائها وقيمها، بل إنها صورةٌ مشوهة بعيدة كل البعد عن واقعنا الإسلامي، وإذا وجد في الواقع نماذج لها، فهي قليلة نادرة لا تُمَثِّل الإسلام في شيء.
تقول الداعية "زينب الغزالي" في جريدة "المسلمون" العدد (826):
"إنَّ صورة المرأة المسلمة التي تظهر في المسلسلات - حتى الإسلامية منها - هي صورة شوهاء، لا تُمَثِّل من قريب ولا من بعيد المرأة المسلمة؛ لأنها تظهر في المسلسل صورة امرأة جاهلية تحارب الإسلام وأسسه ونظمه، وقد رأيت ذلك وشاهدته في مسلسل (محمد رسول الله)".

رابعًا: توجيه اهتمام المرأة نحو الأناقة النسائية:
تتنافَس الفنانات في تقديم كل ما هو مستجد في عالم الأزياء والموضة، فيعرضن كل ما يبهج النفوس الضعيفة، وبشتى الألوان والمقاييس، وباتتْ تُقلدهن بعض النساء عديمات الشخصية اللائي وقعن في حب التقليد الأعمى والانبهار بالفنانات فأرهقن أنفسهن وأزواجهن بمتابعة الموضات.
نعم، لقد أذن الإسلام للمرأة بالتجمل، ولكن وضع لها ضوابط؛ كي لا تكونَ فتنة؛ فقال تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب: 33].
ونهاها عن التعطُّر إذا خرجتْ من بيتها، كما نهاها عن الإسرافِ والتبذير الذي هو سمة الفنانين والفنانات وديدنهم في جميع تصرُّفاتهم.
خامسًا: دعوة المرأة إلى تحقيق الذات:

بعض النساء ألجأتهن الضرورة للعمل لتكون عضدًا لزوجها، أو لتعيل أطفالها من بعده، أو لتسد ثغرة في الوظائف المختصة بالمرأة في المجتمع، هؤلاء النسوة لا غبار عليهن، ولسن محلاًّ للنقد هنا، لكن بعض النساء يخرجن للعمل من أجْل تقليد الفنانات، والتأثر بأفكارهن، أو بأفكار دعاة التغريب الذين يريدون هدم القيم الأصيلة في مجتمعاتنا الإسلامية؛ بحجة تحقيق الذات، فصرن سلعة رخيصة في أيدي التجار، وصرْن أشبه بالإماء والجواري.
سادسًا: تشْويه مقومات بناء الأسرة المسلمة:
كثيرة هي الأعمال التي تؤكِّد على إظهار الرجل بصورة المتسلّط المنتزع من المرأة حُقُوقها؛ وذلك لإضعاف المعنى الحق للقوامة، وكذلك حثّ المرأة على مخالَفة هدي الإسلام؛ كالقرار في البيت، والقيام بتربية الأولاد، وذلك لِهَدْم البيوت، وتفْتيت الأسرة.
سابعًا: المحاربة المستميتة لمسلَّمات شرعيَّة:

كإباحة تعدُّد الزوجات، وفرضية الحجاب، ووجوب ترْك الاختلاط بالرجال الأجانب؛ مما يؤدي بالضرورة إلى تشْويه الصورة النقيَّة للإسلام في أذهان العامة.
الفصل الرابع

الفن التمثيلي وترسيخ المفاهيم

إنَّ السلبيات الناجمة عن الفن كثيرة لا حصر لها، لكن من أخطر هذه السلبيات محاولة القائمين عليه غرْس مفاهيم منحرفة متعلقة بالدين والإنسان والحياة، بِهَدَف تشْويه صورة الإسلام ومبادئه السمحة، من هذه المفاهيم التي يُرَوّجها الفن في مجتمعاتنا الإسلامية ما يلي:
أولاً: غرْس مفاهيم دينية خاطئة عن:

أ - القرآن الكريم:
القرآن الكريم هو كلام الله، ومنهج الحياة لكل البشر في أنحاء الأرض، تعامل معه القائمون على الفن على أنه أصبح من التراث القديم، ولم يَعُد صالحًا للحياة المعاصرة، ومن هنا جعلوه من الطقوس التي تؤدَّى في الجنائز، وأصبح لا يُتلى ولا يقرأ إلا عند المصائب والكوارث، وهذا بلا شك تشويهٌ واضح وخطير لمفهوم شمولية هذا الكتاب لكل مجالات الحياة، بل هو عزْلٌ تام لهذا المنهج العظيم عن شؤون الناس الحياتية كلها.
ب - مفهوم الزوجة الثانية:
شرَعَ الإسلامُ تَعَدُّد الزوجات بضوابط معلومة، ولحكم وغايات عديدة؛ منها: زيادة النسل، والقضاء على العنوسة، وغير ذلك، لكن الفنَّ اعتبَرَها خطيئة، وجاءت الأفلام والمسلسلات تترى تحذِّر الناس من شرِّ تعدُّد الزوجات الذي يؤدي - بزعْمهم - إلى تشريد الأطفال، والفقر، وزيادة معدلات الطلاق، وتقترح هذه الأعمال الفنية اتخاذ الخليلة أو العشيقة بدلاً من التعدُّد، ومن تكرار هذه الأعمال وكثرتها صار هذا المبدأ مرفوضًا في المجتمع، فهذه امرأةٌ قد باتتْ راضية - بما أملاه الفن عليها - باتخاذ زوجها خليلة، فتصبر على ذلك وتدعو له بالصلاح، فإن تزوج بخليلته دعتْ عليه، وصمَّمَتْ على الانفصال عنه.
ج - الأنبياء عليهم السلام والصحابة - رضي الله عنهم -:
ليس من ريبٍ أن قيام ممثل بتمثيل شخصية رسول من رسل الله ليس قطعًا من معاني التكريم، وإنما هو مساس بذات الرسول ومكانته في قلوب المؤمنين، لقد أصبحتْ شخصيات الأنبياء والرسل عرْضة للتجْسيد وبابًا للكسب المادي بعد أن قام الممثل العالمي (جون جوجت) بتمثيل شخصية رسول الله نوح - عليه السلام.
وقد نادى بعضُ المفكِّرين والممثلين إلى تمثيل شخصيات الصحابة، لكن الأزهر الشريف أصدر موافقته على تمثيل شخصيات الصحابة باستثناء الخلفاء الراشدين الأربعة وبقية المبشرين بالجنة، وآل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حين حرَّم المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي تمثيل شخصيات الأنبياء وأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم.
د - العلماء والمشايخ:
بذل أهل الفن جهودًا مضنية في تشويه صورة العلماء والمشايخ عند الناس، فالعالم يوجد حيث يوجد المأكل والمشرب، فلا هَمَّ له إلا بطنه وجمع المال، وإن تحدَّث كان حديثُه مثار سخرية وازدراء من الناس، وفتاويه تأتي مفصلة على قياس حال السائل، هذا ما تُصَوِّره الأفلام والمسلسلات؛ لينفرَ الناس من العلماء الذين هم القدوة المفترضة، ومن ثَمَّ ينفر الناس من الدين كله.
هـ - العبادات خاصة بالمسنين (الكبار فقط):

تُصَوِّر الأعمال الفنية العبادة مقصورة على الآباء والأجداد، أما الشباب فحقهم أن يتمتعوا بملذات الحياة، فإذا تقدم بهم العمر استطاعوا أن يمحوا كل ذنوبهم الماضية بحجة أو عمرة في نهاية حياتهم، مع أن من السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله: شاب نشأ في عبادة الله، بل إن دعوة الإسلام قامتْ على كواهل الشباب، والمعلوم في الأمم الجادة أنَّ دورة الإنتاج المعنوي والحسي في آن معًا تكون معتمدة على عنصر الشباب فيها.
و - التطرُّف والتعصُّب:
حمل الفن راية المعاداة للمتدينين المتمسكين بشريعتهم الغراء فكال لهم التهَم، وأسبغ عليهم المصطلحات الغريبة التي ما أنزل الله بها من سلطان، فكل من حافظ على الصلوات الخمس متطرف، والمرأة المحجبة متعصِّبة، ومن جهر بالحق صار متخلفًا، أو على الأقل يعاني عقدة نقص، أو انفصام في الشخصية، أو عدم انسجام مع متطلبات مجتمعه المتحضر.
ز- ساعة الاحتضار:
الاحتضار مرحلة من مراحل حياة الإنسان يهيأ خلالها للانتقال من دار الدنيا إلى دار الآخرة، وفيها ما فيها من سكرات الموت، وما أدراك ما سكرات الموت؟!
يصور أهل الفن هذه اللحظات بطريقتهم من خلال فيلم (أوراق البحر) الذي يحكي قصة كاتب يحتضر، يسترجع هذا الكاتب حياته السابقة بما فيها من آلام وآمال، وصداقة وحب، ثُمَّ يكتشف في النهاية زيْف هذه العلاقات والمشاعر، وهنا يُحاول التعلُّق بالأمل من جديد فتفتح له حياة مستجدة، ويشرع في علاقة حب مع فتاة ليعوض زيف ما فاته من علاقات وليحقق ما فاته من شهوات الدنيا.
كل هذا يحدث والرجل يحتضر ويلفظ أنفاسه الأخيرة، وكأن كاتب السيناريو على جهل تام بما يكون عليه حال المحتضر.
ثانيًا: الفن والسلوك الاجتماعي:

ظهرتْ آثار الفن في السلوكيات الاجتماعية التي تأثرت سلبًا بالفن من خلال عرض المشكلات دون تقديم الحل الناجع لها، وتصوير كل الانحرافات السلوكية لتستقرَّ في أذهان المتلقين، ولتكون دافعًا للجريمة في كلِّ أشكالها، وقد طالتْ هذه الانحرافات مناحي التربية والتعليم وكل سلوكيات المجتمع.
أ - السلوك التربوي في المدارس:

كان لمسرحية (مدرسة المشاغبين) أثرٌ سيءٌ في نفوس الطلاب تجاه المدرسين والمدرسة، فالطلاب قد أصبحوا نماذج مقلِّدة لشخصيات هذه المسرحية، حتى تردَّى المستوى التعليمي في كل أنحاء الوطن العربي، وشاهدنا في مسلسلات أخرى كيف يتعامل المدرس مع الطالب المتأخر دراسيًّا، المتمرد على قوانين المدرسة، وكيف يتعامل معه كل من أسرته وأصدقائه، وردة الفعل عنده تجاه كل هؤلاء، فإما المواجهة العنيفة بالهروب النفسي أو الجسدي أو بالانحراف الاجتماعي أو الخلقي، وهذا أثر مما يراه معروضًا على الشاشات التي لا تعالج هذه الانحرافات معالجةً تربويةً صحيحة.
ب - الجريمة والعنف:
إن الأفلام التي تعرض للعنف أو الجريمة تقدم في الواقع دروسًا عملية ليتم تطبيقُها فيما بعد من قبَل ضعاف النفوس، وهذا العرض قد يكون تصويرًا للواقع، لكنَّه في نفس الوقت يؤدِّي إلى إشاعة الجريمة والعنف وتوسيع دائرتهما.
تقول الفنانة التائبة (شادية) في حوار مع جريدة "المسلمون": "يؤسفني أن أقول: إن كثيرًا من أفلامنا تتعمد إشاعة العنف والإثارة بدعوى مقاومتها".
جـ - الجريمة في الأفلام الأجنبيَّة:
لقد أثرتْ أفلام العنف والجريمة على الشباب المتابعين لها؛ سواء في أمتنا، أم في الأمم الأخرى، فقد نشرت الصحف البريطانية جريمة اغتصاب وقتل، بطلها (ريتشارد لوماس) البالغ من العمر 17 سنة، والذي ارتكب جريمتي الاغتصاب والقتل بعد مشاهدته فيلم للممثلة (جين فوندا)، بعنوان (صباح جديد)، هذا الفيلم الذي يجسد كيفية اغتصاب سيدة، وقتلها في بانيو الحمام.
لقد تحول هذا الشاب إلى مجرمٍ بعد مشاهدته لهذا الفيلم، ولهذا قال المدعي العام في هذه القضية: إن مثل هذه الأفلام تدمر عقول الأطفال والشباب، وتتسبب في حدوث جرائم بشعة، وطالَبَ المسؤولين بتشْديد الرقابة على مثل هذه الأفلام.
د - الفن وعالم المخدرات:
الجريمة والمخدرات توءَمان، وما تنفك الأعمالُ الفنية تروج للمخدرات من خلال أساليب اعتمدتها في الدعوة إليها؛ منها:
1 - تصوير تجار المخدرات بأنهم يعيشون في بذخ ورفاهية.
2- أن المخدرات هي الحلُّ الأمثل لكثير من المشكلات، وهي التي تحقق للإنسان السعادة والانسجام.
3 - تناول موضوع المخدرات من حيث طرق تهريبها، وترويجها وتناولها، وبعض الأفلام تصور بطل الفيلم يتاجر أو يشرب المخدرات، ويعيش حياته كلها في سعادة تامَّة.
وهكذا ظهرتْ في المجتمعات الإسلامية سلوكيات منحرفة، وإن الأعمال الفنية تعتمد هذه السلوكيات لنشر الرذيلة في المجتمع؛ ابتغاء المال والشهرة، دونما مراعاة لمصلحة المجتمعات العليا، ومستوى أفرادها الثقافي والحضاري.

افتراضي رد: الفن.. الواقع والمأمول

الفصل الخامس
دَوْر الإعلام في ترْويج الفَنّ



لعِب الإعلامُ دورًا بارزًا في تقديم الأعمال الفنية وتجليتها، بل وتزيينها للمتلقي؛ لتدفعه دفعًا إلى مشاهدتها، والتحمس لها، واعتناق ما تحمله من أفكار تناقض القيم الإسلامية ومبادئ الدين الحنيف، لقد أصبح الإعلام بشتى أنواعه ووسائله من إذاعة وتليفزيون وسينما ومسرح وصحف، عامل هدْمٍ عقدي وفكري وسلوكي؛ لأنه لا ينطلق من مفاهيم ومبادئ دينية.
لقد تخلَّى عن رسالته السامية في تعريف الأمة بحضارتها وجوانب شخصيتها وتطلعاتها، لينساق فيضطلع بدور تشويه الحقائق الدينية والفكرية، وطمس مفاخر الأمة الإسلامية، والمضي بها نحو الهاوية.
أولاً: دور وسائل الإعلام في ترويج الفن:

أ - الصحافة والفن:
ثمة ارتباط وثيق بين الصحافة والفن، وقد أُنْشِئَتْ في بعض الدول مؤسسات صحفية تُعنَى بالفن وأهله، ترصد أخبار الفن وأخبار نجوم الفن، وكيف يأكلون وكيف يتعاملون، حتى جعلتهم أبطالاً وعظماء فوق العادة، ومنذ الاحتلال البريطاني لمصر وهذه الصحف تتداول بين الناس، ومن أولى المجلات المتخصصة في هذا المجال (روز اليوسف) تلك المجلة التي سميتْ على اسم صاحبتها (روز اليوسف)، والدة إحسان عبدالقدوس، ومجلة (التابعي) الذي كان له اليد الطولى في صحافة الفضائح الأخلاقية في مصر، ثم تلتهما مجلات أخرى متخصصة في هذا المجال مثل: (حواء)، و(الكواكب)، وفي لبنان: (الشبكة)، و(الموعد)، وأعقبتها موجةٌ أخرى حتى امتلأتْ بها الأرصفة؛ منها: (فنون)، و(نجوم الفن)، و(سينما 2000)، و(كل الناس)، و(الجديدة)، و(نورا)، و(الجميلة)، و(أبعاد فنية)، وغيرها عشرات المجلات كلها تدور في فلك الفن.
ب - المسرح والفن:
كان الروادُ الأوائل للمسرح العربي من دُعاة التغريب، فكانوا لا يقدمون إلا المسرحيات الفرنسية والإنجليزية؛ بحجة خلو الساحة العربية من هذه المؤلفات المسرحية، ومن الملاحظ أن المسرحَ العربي قد نشأ على أيدٍ نصرانية، وأن رواد هذا المسرح (مارون النقاش، ويعقوب صنوع، وجورج أبيض، ويوسف وهبي)، قد درسوا في الخارج فكانوا يدعون إلى الفكر التغريبي، والاستهزاء بالقيم والأخلاقيات الشرقية المنبثقة من التعاليم الإسلامية، وقد امتَدَّ أثر هذه الدعوة إلى المسرح في وقتنا الحاضر، فما المسرحيات الكوميدية لعادل إمام، وسمير غانم إلا تجسيد لهذا الفكر التغريبي، حيث يتم في أغلبها الهزء بالقيَم الإسلامية؛ كاحتجاب المرأة المسلمة، ووقار العلماء، وغير ذلك كثير.
جـ - الفن على شاشات التلفزة:
إن المساحة العريضة المتاحة للفن على شاشات التلفزة تجعلنا نتساءل عن الأسباب الكامنة وراء هذا الاهتمام البالغ، ولعل من هذه الأسباب:
1 - هناك شريحة قليلة في المجتمع لها تطلُّعات فنية، وتلبية لهذه التطلعات، فإن الإعلام المرئي وغير المرئي قد تبنَّى وجْهة نظر هذه الشريحة القليلة، ولبَّى لهم تطلُّعاتهم في برامج منوعات وغيرها، في حين أغفل الشريحة الكبيرة، وأغفل تطلعاتهم الأفضل والأرقى ثقافيًا وعلميًّا ودينيًّا.
2 - جعل التلفاز محطة لرغبات المشاهدين، فأقبل على عرْض ما يطلبونه مع إغفال القيمة الأدبية والفنية لما يطلبونه، رغم استهجان الأكثرية لما يتم عَرْضُه.
3 - الدوافع السياسية التي تفرض توجُّهاتها على الإعلام المرئي وغيره.
4 - قابلية الإعلام العربي للخُضُوع للعَوْلَمة الإعلامية والثقافية، وما تعده من خطط.
ثانيًا دور الإعلام في صناعة الفنانين:
للإعلام دورٌ بارزٌ في صناعة الفنان، وذلك من خلال كثرة عرْض أعماله وإجراء برامج حوارية معه، والإيحاء بأنه الإنسان المرهف الحس، ذو الخُلُق الكريم الراقي، المهموم دائمًا بقضايا وطنه ومشكلات مجتمعه، والحريص على تقديم الحلِّ الأمثل لهذه القضايا عن طريق الفن؛ لأنه صاحب رسالة.
في حين أنَّ واقعهم عكس ما يفترون، فهم يُحاربون في أعمالهم كل ما له صلة بالقيَم والأخلاق، ويصرُّون على التردِّي في مهاوي الرذيلة والفساد والمخدِّرات وشبكات الآداب، والعجيب أنهم يكرمون ويحصدون الجوائز المتنوعة دونما نظرة إلى أهل العلم والأدب والفكر، ألا يدعونا هذا إلى وقفة للتبصُّر؟! لصالح مَنْ يحدث ما يحدث؟! وما العلة الكامنة وراء صناعة الفنانين؟!
ثالثًا: السيطرة اليهودية على وسائل الإعلام:
منذ أكثر من مائة عام والصهاينة يؤكِّدون بل يعملون على ضرورة السيطرة على وسائل الإعلام العالمية؛ لتحقيق أطماعهم الاستعمارية، وأحلامهم التوسُّعية، وإقناع العالَم بأنهم المغلوبون على أمرهم، وأنهم أصحاب الحقِّ الضائع، وقد عبَّر الحاخام اليهودي (راشورون) في خطابٍ ألقاه في مدينة (براغ) عام 1869م عن شدة حاجة اليهود إلى الإعلام قائلاً: "إذا كان الذهب هو قوتنا الأولى للسيطرة على العالم، فإن الصحافة ينبغي أن تكونَ هي قوتنا الثانية".
وبالفعل وضعوا خططهم للسيطرة على الإعلام العالَمي في مؤتمرهم الأول في "بال" بسويسرا 1897م بقيادة الصحفي اليهودي "تيودور هرتزل"، وانطلقوا منذ هذا التاريخ يُنَفِّذُون خططهم، فأسسوا صحفًا يهودية، وامتلكوا شركات سينمائية وإنتاجية ومسارح لتحقيق أهدافهم وأطماعهم.
أ - سيطرة اليهود على الصحافة:
تمكن اليهود من السيطرة على أكبر الصحف في بريطانيا كصحيفة (التايمز)، و(الصنداي تايمز)، و(الديلي إكسبرس)، و(الأوبزرفر)، وفي أمريكا على صحيفة (نيويورك تايمز)، و(واشنطن بوست)، و(الديلي نيوز)، و(صن تايم)، ومجلة (فاريتي) الفنية، وفي فرنسا على صحيفة (لوفيجارو)، و(لوكوتيريان)، ومجلة (نوفوكاييه)، و(الإكسبريس)، وغير هذه الصحف والمجلات كثير، لدرجة أن إسرائيل أعلنت أن الصهيونيَّة لها في العالم (889) صحيفة، وفي هذا الكمِّ الهائل من الصحف تُتاح مساحة كبيرة للفنِّ لتوجيه الرأي العام وإفساد الشعوب.
ب - سيطرة اليهود على دور السينما:
امتدَّ نُفُوذ اليهود والصِّهيونية العالمية في الدول الكبرى، وسيطروا على السينما العالمية، وتشير الإحصائيات إلى أن أكثر من 90 % من مجموع العاملين في الحقل السينمائي الأمريكي إنتاجًا، وإخراجًا وتمثيلاً وتصويرًا ومونتاجًا هم من اليهود، لقد أمسكوا بزمام الأمور في هوليود مدينة الفن العالمية، وفي بريطانيا يملك اللورد (لفونت) اليهودي (280) دارًا للسينما، ويقوم بنفسه بمشاهدة الفيلم قبل عرْضِه.
نعم، لقد تَمَكَّن اليهود من السيطرة على هذا الشريان الحيوي، واستخدموه في تنفيذ أغراضهم، فنشروا من خلاله الأفلام الإباحية، والأعمال المسيئة للعرب والإسلام، والأعمال التي تُمَجِّد اليهود.
جـ - اليهود وإنتاج الأفلام المسيئة للعرب وللمسلمين:
دأب اليهود على تقديم الأعمال التي تهين المسلم بصفة عامة، والعربي بصفة خاصة، وتسيء إليه، فتُصَوِّره على أنه رجل لا يعرف من الرجولة إلا الشهوة والملذَّات، على نحو ما عرض في فيلم (الليالي العربية) الذي أنتج عام 1905م، وفيلم (الشيخ) الذي أنتج عام 1921م، وفيلم (الهدية) الذي يعد أشد الأفلام إساءة للمسلمين العرب، وهناك أفلام أخرى؛ مثل: (أمريكا.. أمريكا)، و(الحريم)، وكلها مسيئة للعرب وللمسلمين.
د - ترويج اليهود لأفلام تمجد اليهودية:
عكف اليهود على بثِّ الأعمال التي تحسِّن من صورة اليهودي، وتستجدي الشعوب للتعاطف معه، وأول هذه الأعمال فيلم (لحن الحياة)، الذي ظهر في أوائل الثلاثينيات، وفيلم (ملك الملوك) الذي أنتج عام 1937م، والذي ألح على تأكيد براءة اليهود من دم المسيح، ومن هذه الأفلام التي تقدم الدعاية لليهود فيلم (عبر النيران)، و(رجل الماراثون)، ومن العجيب أن أحد أثرياء العرب قد قام بتمويل فيلم من هذه الأفلام، وهو فيلم (عربات النار).
هـ - سيطرة اليهود على المسرح:
هبَّ اليهودُ للسيطرة على المسارح البريطانية، وذلك بعد تقديم مسرحية (تاجر البندقية)؛ لشكسبير، والتي فضحت اليهود وأظهرت بعض جوانب مكرهم، فاستولى اليهود على جميع المسارح في بريطانيا، لدرجة أن هذه المسرحية (تاجر البندقية) لم تجد مسرحًا واحدًا لتعرض عليه من جديد، وبدأ اليهود من خلال المسرح يمارسون أعمالهم الإجرامية في الإساءة للعرب المسلمين على مسارح أوروبا، فقدموا مسرحية (القشعريرة)، التي تدور حول رجل عربي اسمه (محمد العربي) - لاحظ المكر في اختيار الاسم - الذي يبذر أمواله لإشباع شهواته من خمر ونساء.
كما قدَّموا المسرحيات الإباحية التي تنشر الرذيلة والفاحشة، كما في مسرحية (هير) التي يظهر أبطالُها على خشبة المسرح عراة، يمارسون الفاحشة على مرأى ومسمع من الجماهير.
و- سيطرة اليهود على محطات التلفزة العالمية:
هناك في أمريكا وحدها أكثر من مائة شبكة تليفزيونية، وتعد الشبكات الثلاث المسماة a.b.c، وc.b.s، و n.b.s) أشهر شبكات تليفزيونية في العالم، وهي تحت سيطرة الصهيونية العالمية، ولهذه الشبكات سياسات وخطط في إنتاج وتقديم البرامج والأفلام المتنوعة وتوزيعها على تليفزيونات العالم، فهم يُقَدِّمون كل ما يتمشى مع الأهداف الصهيونية في السيطرة على العالم كله، وكل ما ينسجم مع مبادئهم في إفساد الأخلاق، وإشاعة الرذيلة، وتشْويه العرب والمسلمين، وتمجيد اليهود.
رابعًا: دور الإعلام في ترويج الفن الغربي:

لا يزال إعلامُنا العربي المرئي من سينما وتليفزيون يُقَدِّم الفن الغربي بكل مجالاته، هذا الفن الذي نجح في زعزعة المفاهيم، وفرض قيَم جديدة تناهض بل تقضي على القيم الإسلامية، أما الفن العربي فظل عاكفًا يبحث عن السلبيات في المجتمع وإبرازها، موهمًا المتلقِّي بأن المجتمع الإسلامي كله بات مجتمعًا مجرمًا مفكَّكًا يسعى إلى الرذيلة، ويحبذ الجريمة.
أ - التبعية للغرب:
تتجلى التبعية للغرب في أتم صورها في استيراد دول المشرق العربي أفلامها من أمريكا وبريطانيا، في حين تستورد دول المغرب العربي أفلامها من فرنسا، ومن ثَم تستقي الدول العربية ما يصبه الغرب في تليفزيوناتهم صبًّا، دون رقابة تُذكَر، ولا ناقد بصير يصد ذلك الزحف التتري الهمجي، ويوقف هذه الهجمات والغزوات الفكرية الشرسة.
ب - استهلاك تليفزيوني:
بلغتْ نسبة استهلاك التليفزيون العربي في دول الخليج للبرامج الأمريكية 62.81 % من مجموع نسبة البرامج الأجنبية المستوردة، وذلك في أوائل الثمانينيات، وهذه البرامج والأفلام فيها كل أنواع الغزو الفكري والثقافي والاجتماعي والنفْسي، ومن الملاحَظ عليها أنها:
1 - لا تعبر عن واقعنا الإسلامي والعربي؛ لأنها تعرض للواقع الغربي.
2 - تعمل على مسخ أبناء الأمة فكريًّا وثقافيًّا وعقديًّا.
3 - تلح على تفوُّق الرجل الغربي، وتشوه صورة العربي عند الأمم الأخرى.
4 - تنمي عقدة النقص في المشاهد العربي، حتى تسلمه إلى الإحباط في بعض الأحيان.
خامسًا: العولمة والإعلام والفن:
كانت العولمة في القديم محصورةً ضمن أقاليم محدودة متجاورة، فكان كل إقليم يحاول أن يؤثر على الآخر سياسيًّا وثقافيًّا وعسكريًّا، أما اليوم فقد أضحى مفهومُ العولمة هو تعميم كل شيء - ثقافيًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا - على كلِّ دول العالم دون استثناء، ولهذا رأينا الدول الكبرى تحاول بسط هيمنتها على الدول الصغيرة أو النامية، وتصدر لها ثقافتها من خلال الأفلام والبرامج التي لم يكن الهدف الأساسي من ورائها الكسب المادي بل كان الهدف معنويًّا خطيرًا، وهو تغريب الشعوب العربية، وهدم معتقداتها وتضليلها، وصياغتها صياغة عربية بعيدًا عن مبادئ الإسلام وقيمه، ومن هنا تتحقق التبعيَّة الكاملة للغرب.
الفضائيات والعولمة:

استطاعت الفضائيات أن تعمِّق مفهوم العولمة من خلال البرامج والأفلام والمسلسلات المعروضة عليها، واستطاع الغربُ بما لديهم من تفوُّق تكنولوجي، ومعلوماتية متطوِّرة أن يستغل الإعلام العربي والإسلامي ويملي عليه أفكاره المنحرفة الهدامة، ولم يقف الأمرُ عند هذا الحد بل ظهرت قنوات فضائية أجنبية تدعو إلى ممارسة الجنس عبر الهاتف، وقد وقَع في شباكها كثير من شباب أمتنا.
وفي دراسةٍ أعدها مكتب الخدمة الاجتماعية بمنطقة أبي ظبي التعليمية، تبين فيها أن نسبة 90 % من الطلاب المتأخرين دراسيًّا يقضون معظم أوقاتهم في متابعة الأفلام (الخارجة عن الآداب)، والصور العارية، وحلقات المصارعة الحرة التي تعرضها القنوات الفضائية الأجنبية، ويُعَدُّ هذا السبب الرئيس في تدهْوُر مستوى التحصيل الدراسي والسلوكي لديهم.
لقد أصبحنا اليوم أمام هذا السَّيْل الجارف في حاجة ماسة إلى مواجهة هذا الخطر، وإيجاد البديل الشرعي الذي ينطلق من ثوابتنا وقيَمِنا، ولا نأخذ مِن تيار العولمة إلا ما يتَّفِق مع عقيدتنا الإسلامية وخصائص مجتمعاتنا المحافظة.

افتراضي رد: الفن.. الواقع والمأمول

الفصل السادس
صور من حياة أهل الفن



رأينا فيما سبق كيف قدَّم الإعلامُ بكل صوره الفنانَ للمجتمع، لقد ركَّز الإعلام على جوانب معينة، وبالغ فيها ليتم من خلال هذا التركيز، وتلك المبالغة، صناعة هذا النجم أو الفنان، غافلاً في ذلك - عن قصد - الجوانب المظلمة في حياة هذا الفنان.
إن حياة أهل الفن مليئة بالفساد والرذائل، فلا تكاد تكتشف شبكة دعارة، أو تجسس أو وكر للمخدرات، إلا وكان للفنانين دورٌ بارزٌ، ولمسات واضحة فيها، فكم منهم من تردى في حفر الإدمان! وكم منهم من ذلَّ رقبته لأعداء الأمة يتجسس لصالحهم ضد أمته ووطنه! وكم منهم من لهث وراء شهواته! ومن فرط في عرضه وشرفه من أجل الوصول إلى الشهرة والنجومية!
أولاً: الفن وترويج الإدمان:

أفلامُ المخدرات على الشاشات العربية لا حصر لها، يدَّعي القائمون عليها بأنهم يحاربون المخدرات من خلال هذه الأفلام، لكنهم في الحقيقة يُرَوِّجون لها من خلال تعريف المشاهد بها، وكيفية تعاطيها، وكيفية ترويجها، ولا غرابة في ذلك فبعض أهل الفن غارقون في المخدرات، وهاك بعضًا من قصصهم:
فهذا ممثل مشْهُور لقِدَمِ تاريخه الفني، فقد رآه كل الناس على شاشات التلفاز، وهو يؤدِّي دور (ابن البلد) النَّزِيه، ذات ليلة تعاطَى كمية كبيرة من المخدرات، فأردته صريعًا على الأرض.
وهذه ممثلة ومطربة مشهورة تؤدِّي أدوارها المسرحية، ثم ما أن تنتهي من ذلك حتى تسارع إلى تاجر المخدرات الذي تتعامل معه، وعندما تصل إلى منطقته يكفيها أن تمدَّ يدها مِنْ نافذة سيارتها ليتم حقنها بأي نوع تريده من المخدرات، إنها فنانة تؤدِّي دورها بأمانةٍ.
وقد يندهش القارئ عندما يعلم أن الموسيقار الكبير، ورائد النهضة الموسيقية في العالم العربي، (سيد درويش) كان مدمنًا للمخدرات، ظلَّ هذا الموسيقار يتعاطى المخدرات لعشرات السنين بدعوى طلب الإبداع، وهي خدعة خدع بها، ولقي مصرعه إثر تعاطيه جرعة زائدة منَ الكوكايين.
ومن المخرجين الذين تردوا في مستنقع المخدرات المخرج (أحمد يحيى)، الذي ضبطته شعبة مباحث مكافحة المخدرات في وكْرٍ لتعاطي الهيروين بمنطقة الساحل، وأثبتت الفحوص والتحاليل المخبرية تعاطيه الهيروين مع محاسب قانوني يتردَّد على شقته بصفةٍ دائمة.
وهناك الكثير من الممثلين الذين نشرت فضائحهم في الصحف والمجلات، واشتهروا بالاتجار في المخدرات، أو تعاطيها كالفنان؛ (مجدي وهبة)، والفنان (حاتم ذو الفقار)، والفنان (سعيد صالح)، والفنانة (ماجدة الخطيب)، وغيرهم كثير.
ثانيًا: الفن والشذوذ والرذيلة:
نجم فني استعراضي متعدِّد المواهب، أتقن موهبة الشذوذ، يستعرض أمام جمهوره كل ما يستطيع استعراضه؛ ليغري زبائنه، وفي أوكار الرذيلة يلبس قمصان النوم النسائية مع بعض الماكياج، لا حرج عليه، إنه فنان.
وإن تعجب فاعجب لحال مطرب عربي، سمع به كثير من الناس، وأعجبوا بأغنياته العاطفية، وعندما أراد تطليق زوجته طلبتْ منه مليون جنيه ليس مقابل الطلاق، وإنما من أجل إخفاء شذوذه الجنسي.
ثالثًا: حقائق مثيرة:

الفن رعاية صليبية لأهداف يهودية:
في البلاد العربية تُقام العديد من المهرجانات السينمائية، ومن الغريب حقًّا أن يكرم الكاثوليك - بصفتهم كاثوليك - أهل الفن، وأن يُقام مهرجان خاص لذلك تحت إشراف صليبي في مصر يحتضن أهل الفن، ويدفعهم إلى المزيد من الإفساد في الأرض، فالمطران "إيجيديو سامبيري" مطران اللاتين، والأب "صموئيل فايز" رئيس رهبنة الفرنسيسكان، هما اللذان يكرمان أهل الفن في (المهرجان الكاثوليكي المصري للسينما الـ 48).
والمهرجانات السينمائية كثيرة تعرض فيها الأفلام التي تتجاوز حدود العفَّة والفضيلة، وتوزع فيها جوائز قيمة على الممثلين والمخرجين، وذلك بحسب ما يُقدمه كل منهم من جُرأة في تحدِّيه للدين والقيم الفاضلة.
أسماء الفنانين المزيفة:

يلجأ كثير من الفنانين إلى تغيير أسمائهم الحقيقية إلى أسماء مزيفة، تكون أكثر رقة وشيوعًا بإملاء من بعض المنتجين أو المخرجين، لكن البعض الآخر يلجأ إلى تغيير الاسم لأهداف أخرى؛ منها: كسب التعاطف الجماهيري، والتغلغل في المجتمعات الإسلامية، وقد يكون هذا التغيير لبَثِّ أفكار مسمومة وآراء شيطانية في أوساط المجتمعات الإسلامية بأسماء إسلامية أكثر قبولاً، وقد يكون هذا ضمن خطة يهودية نصرانية للنَّيْل من الإسلام، وهذا ما يفعله الكثير من الفنانين اليهود والنصارى.
وإليك بعضَ الأسماء الحقيقية والمزيفة لبعض الفنانين والفنانات:

الممثلة (لبلبة) اسمها الحقيقي: نيوشكا مانوك كوبليان، وليلى طاهر: شرويت، وإيمان: إليزابيث طوروس سركيسيان، وسالي: ماريا إنترنيوس، ونادية لطفي: بولا شفيق، وشريفة فاضل: فوقية محمود، ونجوى فؤاد: عواطف محمد عجمي، ونور الشريف: محمد جابر، ومعالي زايد: معالي عبدالله المنياوي، وغسان مطر: عرفات داود، وحنان شوقي: سيدة أمين أحمد، وبوسي: صافيناز مصطفى قدري، وصباح اللبنانية: جانيت فغالي، وشويكار: شويكار طوب صقال.
رابعًا: التجسُّس في حياة أهل الفن:

كاميليا (ليليان كوهين):
فنانة يهودية شقتْ طريقها في المجتمع المصري بكل سهولة وإبداع، وصار لها علاقاتها الخاصة مع وجهاء القوم من سياسيين ورجال أعمال الذين أغرقوها بالمال وبالهدايا الثمينة لقاء ما تقدمه لهم من متعة وفتنة، وقد ذاع صيتها، حتى بلغ مسامع الملك فاروق الذي طلبها لنفسِه، وبدأت طريقها مع الملك، فقدمت له المتعة وبأحدث طرق الغواية، وسعت للزواج من الملك لتنجب منه ولي العهد الذي يتولى بعد أبيه ملك مصر ومقدراتها، لكن شاء الله ألا يتمَّ هذا الزواج، حيث تحطمت الطائرة التي تقلها إلى مكان عرسها في قبرص، وبعد موتها تتكشَّف الحقائق، وتبين أن كاميليا لم تأتِ إلى مصر ولم تدخل على عالم الفن إلا بأمر من الوكالة اليهودية، ولَم تكن كاميليا الفنانة اليهودية الوحيدة، بل كانت هناك ليلى مراد، وراقية إبراهيم، وأختها نجمة إبراهيم.
فنانات في خدمة إسرائيل:
نقلت جريدة الوفد المصرية عن برنامج تليفزيوني إسرائيلي أن الفنانات المصريات المشهورات: نادية لطفي، ومريم فخر الدين، وهند رستم، وبرلنتي عبدالحميد، كل منهن قد تعاونت مع جهاز المخابرات الإسرائيلي الموساد، وذلك في الخمسينيات والستينيات، فلقد ورد خلال هذا البرنامج حوار هاتفي بين مقدم البرنامج وأحد ضيوفه من الجمهور، وكان الضيف ضابطًا في الجيش الإسرائيلي يُدعى "ميشيل"، وقد تلقى مكالمة من مشاهدة قدمت نفسها بوصفها "نيللي يهودا"، مؤكدة أنها عملت معه خلال عملها في السينما، وأشارتْ في مكالمتها إلى تورُّط الفنانات المصريات مع جهاز الموساد.
خامسًا: مواقف معبّرة:
الفن حرام في رمضان فقط:
الفنانة الراقصة (فيفي عبده) تقوم خلال شهر رمضان بتجميد كل أنشطتها الفنية، وتقضي كل وقتها في العبادة والصلاة وتأدية الواجبات الدينية والعائلية، ولكن ماذا بعد رمضان؟!
إن هذا التناقض واقع عند كثير من أهل الفن؛ مما يدل على شعورهم الباطن باكتسابهم الآثام بفنهم، ومحاولة التخلُّص منها في موسم الخير رمضان.
صراخ بعد سهر:
مخرج تليفزيوني يكتب اسمه على شاشات التلفزة بأجمل الألوان والخطوط، وكأنه مِن أكابر القوم، فوجئ المحيطون به يصرخ: أين الفنانة فلانة لقد تأخرتْ كثيرًا؟! وصار يتوعَّد بالنقصان من مستحقاتها، و... و... ولما دخلت الفنانة القديرة بدَلَعِها لم يتفوه بكلمةٍ، بل قالت له: لا تتكلم حتى لا أكشف المستور، ألَم تكن ساهرًا معي حتى طلوع الفجر؟ فامتقع لونه وصار باهتًا جدًّا.
سادسًا: اعترافات واتهامات:

من الصعب أن يتكلم المرء عن هفواته، لكن في لحظة ضعف - بل تعقُّل - قد يتفوه بما يعبر عن مأساته النفسية التي يعاني منها، وهناك من الفنانين من تحدث في بعض الأحيان بإنصاف وتعقل، فجاءتْ أقوالهم شاهدًا على مساوئ أهل الفن ومخازيهم، فماذا قالوا:
- المخرج العالمي (مصطفى العقاد):
أؤكد أن بعض المخرجين العرب قد شاركوا اليهود في السخرية من الحضارة العربية، ويقول أيضًا متهمًا المخرج (يوسف شاهين): إن يوسف شاهين قد أساء للإسلام.
- المطربة نجاح سلام:
أصبح الفن اليوم تجارة وخلاعة، إن كثيرًا من المعروض في السوق يسمِّم أفكار الناس، وكأن أصحابه مأجورون لإفساد الناس.
- دلال عبدالعزيز:الوسط الفني مملوء بالانحراف والتسيُّب.
- كمال الشيخ:إن الأفلام التي أنتجتْ عن المخدرات لَم تسهم في حل المشكلة؛ بل على العكس من ذلك تمامًا، لقد أسهمتْ في انتشارها.

افتراضي رد: الفن.. الواقع والمأمول

الفصل السابع
توبة واعتراف ونَدَم

عندما خلَق الله البشَر خلقهم على الفطرة النقية، وركب في نفوسهم نازعًا من نوازع الخير (الضمير)، وجبلهم على محبته سبحانه، والاعتراف بألوهيته، لكنهم لا يلبثون أن يغيروا هذه الفطرة الصافية - إلا من رحم ربي - بدافع من الهوى والنفس الأمارة بالسوء، ونزغات شياطين الإنس والجن، فيسقط أكثرهم في مراتع الفسْق والضلال، ويصير فريسة للشهوات.
وحينما يتوبُ المسلم من ذنْبٍ ارتكبه أو معصية اقترفها، فإنه يعود بتوبتِه إلى الفطرة النقيَّة التي فطر عليها، ويصبح قويًّا على نفسه وشيطانه عندما يتحرَّر من قيودهما لينطلق بعدها في آفاق نورانية، وليحلق في معانٍ إيمانية متجددة.
وفي هذا الفصل نتناول مقتطفات من حياة بعض التائبين والتائبات من أهل الفن، هادفين من ذلك إلى تمثل العبرة، ومراجعة الذات، وكشْف النِّقاب عن ذلك الوسط الفني وهمومه، وذلك من خلال رحلة التائبات بعد صراعات مريرة متأرجحات بين صرخات الإيمان والضمير وبين ضلالات الشياطين.
1 - شمس البارودي:
أول من خرج من ظلمات المعاصي إلى نور الهداية، هي الشمس التي أشرقت على أهل الفن، وأنارت لهن طريق التوبة، وهي التي برهنت على أن باب التوبة مفتوح دائمًا مهما أسرف العبدُ على نفسه، لقد أبدتْ تحديًا للباطل، ذكّرنا بأصالة المسلم وصبره على المحن والبلايا.
أغراها التمثيل ببريقه اللامع حيث الشهرة والأضواء، ومع ذلك كانت تشعر بأنها قد دفعت إلى الفن دفعًا، فلم يكن الفن حلمها ولا أملها؛ لأنها شعرت بأن جمالها هو الشيء الوحيد الذي يستغل في عملها الفني، ولذلك أبتْ أن تستغل من أجل جمالها فقط، فرفضت الكثير من الأعمال التي تلح على إبراز جمالها الذي وهبه الله لها.
محطات على الطريق:
أخذت تواظب على أداء الصلوات الخمس، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فبدأت تشعر برغبة في ارتداء الحجاب، حاول المحيطون بها ثنيها عما عزمتْ عليه، تركتْ كل الكتب التي كانت تقرؤها من قبل لسارتر، وفرويد وغيرهما، واتجهت بقلبها إلى كتاب الله تتلوه، ثم رغبت بعد ذلك في أداء العمرة، وتحقَّق لها ذلك سنة 1982م، وأدتْ شمس العمرة عن نفسها، ثم عن أختها المتوفاة، وبعد الانتهاء من مناسك العمرة شعرت بضيق رهيب في صدرها، وكأنما روحها تصّعّد في السماء من ثقل الخطايا والأوزار التي كادتْ أن تخنقها.
طلبت من والدها أن يصحبها إلى الحرم، وبدأت الطواف، وقبلت الحجر الأسود ولسانها يلهج بالدعاء: اللهم قوِّ إيماني وثبتني على الحق، وراحتْ تبكي وتبكي لأنها كانت في لحظة وداع للغفلة واستقبال للهدى والنور.
ولم يحن أذان الفجر حتى أصبحت إنسانة جديدة استضاء قلبها بالإيمان، وتجسدت الحشمةُ لديها بكلِّ طهارتها، ومنذ تلك اللحظة الفارقة لازمتْ شمس طلب العلم، ومجالسة الداعيات الطاهرات، واتسعتْ دائرة ثقافتها الدينية والدعوية، فقامتْ بأعباء الدعوة إلى الله، وعقدت لقاءات دورية للفنانات التائبات في عدد من المساجد، وكتبت كتابًا عن قصة هدايتها بعنوان (رحلتي من الظلمات إلى النور).
2 - حسن يوسف:
رائد من رواد الفن، عرف بأدواره الشقية: حب، معاكسات، مطاردات شبابية، وكل هذه الأدوار لا تنم عن شخصيته المتزنة الوديعة، دعي إلى أداء العمرة ممن أراد له الخير، وفي حرم المجلس النبوي الشريف جلس حسن إلى جوار شيخ مهيب ذي لحية بيضاء يشتغل بذكر الله ويتضرَّع إليه، وبعد صلاة العشاء التفت الشيخ إلى حسن، فعرفه فانطلق يستعيذ بالله ويقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
هنالك أمسك حسن بالشيخ وقال: هل أنا شيطان؟ هل تعرفني؟ فقال له الشيخ: رأيتك في بعض أعمالك تعلم الشباب الشقاوة، أنت تأكل من حرام، وتشرب من حرام، وتلبس من حرام.
عاد حسن بعد العمرة إلى العمل الفني ثانية؛ لأن اتخاذ القرار بالتوقُّف ليس أمرًا هينًا، لكن زوجته التائبة شمس البارودي نصحته بترك هذا المجال، وحينئذ بدأ يشعر بكراهية العمل في مجال الفن، جلس بعدئذٍ إلى الشيخ الشعراوي - رحمه الله - ينهل من علمه، فقال له الشيخ: عليك يا حسن بأن تستغل موهبتك فيما يرضي الله، وينفع الناس، فاتخذ حسن قرار التوبة والخروج من متاهة الفن وضلالاته.
أخذ حسن على عاتقه خدمة الدعوة الإسلامية فصار يلقي محاضرات لتوعية الشباب من مخاطر الأفلام والمسلسلات، وأخذ يقدم أعمالاً متميزة ملتزمة للأطفال وللشباب فقدم مسلسل (مشرق النور)، و(جند الخير)، و (قطار المستغفرين).
3 - شادية (فاطمة):
هي فاطمة كمال شاكر من مواليد مصر 1931م، لم تكمل تعليمها لكنها تتقن اللغتين التركية والإنجليزية إلى جانب العربية، قدمت خلال مشوارها الفني الذي دام أربعين عامًا (180) فيلمًا، و(900) أغنية، ومسرحية واحدة.
رحلة التوبة:

حينما انتهى اليوم الأول من عرض مسرحية (ريا وسكينة) عادت إلى منزلها ثم دخلت حجرتها مسرعة، استيقظت أمها على صوت أنين ونحيب، واستمر الأنين والنحيب حتى أعلن المؤذن (الصلاة خير من النوم)، تكرر هذا الأنين مع كل أذان فجر، وذات ليلة استحلفتها أمها عن سبب بكائها، فقالت لها: (عايزة أحج)، فضمتها أمها إلى صدرها، وهي تدعو (يا رب أحج).
قررت بعدها الاعتزال، والذهاب فورًا إلى بيت الله الحرام بمكة المكرمة لأداء العمرة، شعرت بعدها بحلاوة التوبة، وروعة الإيمان بالله، وجدتْ نفسها تحفظ آيات القرآن بسهولة ويُسر في الوقت الذي نسيتْ فيه كل أغانيها حتى عناوين أعمالها الفنية نسيتها.
توالت العروض الفنية على شادية بعد عودتها من رحلة العمرة؛ لكنها قد اتخذت القرار بالاعتزال، قال لها الشيخ الشعراوي - رحمه الله -: "اسمعي يا ابنتي، سيقابلك الناس بوجوه مختلفة، سيغيظونك بالكلمات تصريحًا وتلميحًا، وبعضهم سيحاول تذكيرك بعملك وجذبك إليه مرة أخرى، كل هؤلاء أصدقاء الشيطان لا تلتفتي إليهم، ولكن هناك آخرون سيفرحون بتوبتك".
وتحققت نصائح الشيخ، وظلت شادية متمسكة بقرارها، والتحقت بركب التائبات، غفر الله لها.
انطلقت فاطمة تشق طريقها في العمل الصالح فقامت بمساعدة الفقراء، والتبرع لبناء مسجد ومستوصف ومجمع خيري، وإقامة مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم، وعمل مونتاج لأشرطة (كاسيت) تحتوي على تلاوة مرتلة للقرآن مع تفسيره باللغة الإنجليزية وتوزيعه على المراكز الإسلامية.
4 - مديحة كامل:
علم من أعلام الفن، عملت في مجال الفن مدة خمسة وعشرين عامًا، تتسم حياتها بالتقلب وعدم الاستقرار، مرت خلالها بمراحل إحباط في بعض الأحيان، لكنها رغم هذا لم تتزوج إلا مرة واحدة من مساعد مخرج يدعى "شريف حمودة".
عرف عنها جرأتها في الفن وتصوير المشاهد الساخنة التي جعلت الناس يتحدثون عنها، حتى وصلت تعليقاتهم إلى مسامع ابنتها المحببة (ميرهان)، تلك الفتاة المثقفة المحجبة التي انطلقتْ إلى أمها غاضبة معاتبة في بعض الأحيان، ومتوددة إليها أحيانًا كثيرة؛ كي تنبذ والدتها تلك الجاهلية العمياء التي ترزح تحت وطأتها، مما جعلها تدخل في مرحلة التفكير ومراجعة الذات.
وشاء القدر أن ينتقل أخوها الذي لم يتجاوز العشرين من عمره إلى الدار الآخرة، وكان موته هو الهزة العنيفة التي جعلتها تفكر بعمق في كنه الحياة وسبب وجودنا، لانتْ شكيمتها، وظلت ابنتها تحثها على التوبة، وتدعوها إلى الذهاب إلى مسجد الدكتور مصطفى محمود حيث التائبات من أهل الفن، وحيث نور الهداية، ومجالس الإيمان، وكانت المفاجأة للحاضرات "مديحة كامل"، صاحبة الأدوار الساخنة تدخل عليهن تريد التوبة، فكبَّرت الحاضرات، وفرحن فرحًا شديدًا بتوبة أخت لهن في الله، أقبلت تريد النجاة.
حاول أهل الفن إغراءها من جديد، وإقصاءها عن باب التوبة، لكنها أعلنتها للجميع بأنها تعتذر وتندم على الأعمال الفنية التي قدمتها، وعكفت على تلاوة القرآن، والتفقه في دينها، وحجت إلى البيت الحرام ثلاث مرات، ومع حلول شهر الرحمة والغفران قامت فنوت الصيام وصلت الفجر وقرأت ما تيسر لها من القرآن ونامتْ لتَصْعد روحها إلى بارئها وهي صائمة تائبة، رحمها الله وغفر لها.
5- نورا:

اسمها الحقيقي (شاهيناز قدري)، أدتْ أدوارًا متعددة في السينما المصرية، لكنها عرفت طريق الإيمان وطريق الهداية بعد أن ذهبت ذات مرة مع صديقة لها لمقابلة عالم جليل، اهتز كيانها وارتعدتْ فرائصها عندما سمعت هذا العالم وهو يتحدث عن الإسلام والمعصية والتوبة، عادت إلى بيتها على أثر هذه المقابلة وهي تشعر بالخوف والرهبة كأنما يهزها زلزال عنيف.
توجهت في اليوم التالي إلى مسجد الدكتور مصطفى محمود حيث الداعية الكبيرة (شمس البارودي) والفنانة التائبة، والأخت الملتزمة (هناء ثروت)، استمعت (شاهيناز) إلى أحاديثهما بشوق ولهفة، وترددت على هذه الجلسات الإيمانية الطاهرة حتى قررتْ في لحظة روحانية نبذ العادات الجاهلية، والسفور والتبرُّج، وودعتْ حياة المعاصي لتنعمَ بحياة جديدة، حياة ملؤها الطاعة والقناعة والرضا، وتابت إلى ربها، وقطعت كل صلة لها بمجال الفن والتمثيل.
وحينما سئلت عن الفن هل هو بما عليه الآن حرام؟
أجابت بأن الفن بالنسبة للنساء حرام؛ لأن المرأة عورة، وفن هذه الأيام فن مبتذل، مليء بالإسفاف ومخالفة مبادئ الإسلام، ولن يكون رسالة مطلقًا إذا ظلَّ على ما هو عليه الآن.
6 - هالة الصافي:
اسمها الحقيقي (سهير حسن عابدين)، كانت من ألمع نجوم الرقص الشرقي في مصر، فصارت من ألمع نجوم العفة والتوبة والاحتشام في العالم الإسلامي.
عادت من عملها قبيل الفجر ذات ليلة، وهي تشعر بقشعريرة تسري في بدنها، توضأت وصلت ركعتين ثم نامت لترى نفسها في المنام، وهي تجري في شارع شبه عارية حتى وصلت إلى مسجد كبير ثم رأت الكعبة، أرادت أن تصل إليها، ولكن كيف وهي بهذه الملابس العارية، فرأت رجلاً ذا هيبة ووقار أشار إليها بالدخول فدخلت، لكنها لم تستطع الصلاة بملابسها الخليعة، فخلع بردته وسترها بها حتى صلت، أرادت أن تعيد إليه بردته، لكنه رفض أن يأخذها وأمرها ألا تخلعها، فسألت من هذا الرجل فقيل لها: هذا رسول الله، فاستيقظتْ من نومها وهي تبكي، وجدت المؤذن يؤذن لصلاة الفجر، فقامت وتوضأت وصلت الفجر، وقررت من هذه اللحظة أن تتوبَ إلى ربها وتلقي بسنوات الفن وراء ظهرها، لبست حجابها وملابسها المحتشمة ونزلت في اليوم التالي لتصلي الجمعة في مسجد المغفرة، وهو مسجد قريب من مسكنها وسط فرحة عارمة من الجماهير التي رأتها وهي في ثياب العفة والوقار.
واظبت بعد ذلك على حضور مجالس العلم، وأنشأت مدرسة لتعليم مبادئ الإسلام، كان لها الأثر البالغ في نفوس الناشئة.
نخبة من أقوال التائبين والتائبات:

هالة الصافي:
"الرقص كله فجور، وأما تسميته بالمشاعر فكذب رخيص، أحسست بالفارق الهائل بين حياتي سابقًا ولاحقًا، فقد صار لحياتي الآن قيمة ومعنى".
ياسمين الخيام (أفراح الحصري):

"قول لكل فتاة تقف على باب الفن: أنت داخلة إلى حفرة من حفر جهنم لن تخرجي منها بسهولة".
سهير البابلي:

"إن الفنان حين يدعو الله أن يوفقه في عمله هو مثل الحرامي الذي يدعو الله بالتوفيق حين يتوجه إلى السرقة".

حسن يوسف:
"حين ابتعدت عن الوسط الفني، وبدأتُ أدرس الحركة الفنيَّة التي تقدم هذه النوعية (الهابطة) من الأفلام، أيقنتُ تمامًا أن وراءَها مُخططًا مرسومًا لتخريب عقول الشباب وإبعادهم عن الدين ودفعهم إلى الانحراف".
وبعد توالي إعلان بعض الفنانين توبتهم رأينا أصحاب المصالح الشيطانية والأفكار الإجرامية يأخذون المبادرة للتشنيع على الظاهرة ومهاجمتها، واعتبار أن التوبة عن الفن المبتذل والأعمال الهابطة رجعية وتخلُّف وردة عن ركب الحضارة والتقدُّم.
الخاتمة


إذا كان الفن بكل صوره وأشكاله منحةً وموهبة من عند الله، فلا ينبغي أن يعصى به الله، ينبغي على القائمين على هذا المجال أن يضعوا نصب أعينهم أن كل إنسان مسلم يريد أن يسمع ويشاهد ويطالع فنًّا جميلاً ومبدعًا يتناسب مع قيمه وأخلاقياته، ينبغي أن يبرزَ هذا الفن ما يدعو إليه ديننا الحنيف، وما نتمتع به من إرث حضاري وتاريخ مشرف ضارب في أعماق الزمن، ذلك هو الفن المأمول الذي نتمنى أن يتحقق على أرض الواقع، وأن يسود في كل وسائل الإعلام حتى يقصي من طريقه هذا الفن الهابط الداعي إلى كل رذيلة والذي جاء مستوردًا من الغرب بكل أخلاقياته المنحطة، وأفكاره المسمومة، ودعوته للانحلال والانفلات الأخلاقي.
لقد أصبح الفن الواقع حرفة منظمة تُدار بعناية فائقة، لا همَّ لصانعيها سوى تثبيط الهمم، وإفساد الأمم، فضلاً عن تكديس الثروات، وقد حقَّق أهله كثيرًا مما سعوا إليه، ولكي يرقى هذا الفن ويُحَقِّق الأمل المنشود، ينبغي على القائمين عليه في المجتمعات الإسلامية أن يوفروا حيِّزًا كافيًا لقيم هذا الدين ومبادئه، وأن يقدموا للأمة صناعة فن راقٍ هادف يحافظ على إرثها الحضاري، ويؤكد تميز قدراتها.
ينبغي على رجال الأعمال أن يتبنوا مشاريع ذات جدوى اقتصادية، وتكون - في الوقت ذاته - مؤطرة بإطار القيم الإسلامية لتحويل هذا الفن الغث إلى فنٍّ راقٍ هادف، ولتضييق السبُل على أولئك المتربصين بهذه الأمة الذين يريدون دكَّ حُصُونها الدينية والفكرية.
ينبغي على الأسرة المسلمة أن تمارس دوْرًا فاعِلاً في حُسن الرعاية لأبنائها، وألا تدعهم فريسة سهلة للأفكار الهدامة الغريبة على مجتمعاتنا، بل تكون عونًا على فهم الواقع من حولهم على أساس من هدي الإسلام القويم.
وأخيرًا: نسأل الله - سبحانه وتعالى - أن يكون هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن يثيبَ عليه صاحبه ومن تصدَّى لتلخيصه وكل العاملين الذين كانوا سببًا من قريبٍ أو بعيدٍ في خروج هذا العمل إلى النور، والحمد لله أولاً وآخرًا.



أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع





الساعة الآن 10:27 PM.
معجبوا منتديات الوليد بن طلال