العودة   منتديات الوليد بن طلال > صور رومنسيه - صور مضحكه - العاب كتابيه - صور × صور - صور مشاهير - صور حب - صور قلوب - صور حروف > منتدى المواضيع المكررة


منتدى المواضيع المكررة ينقل هنا كل المواضيع المكررة أو عديمة الفائدة


 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم منذ /21/01/2008, 06:07 PM   #1

شخصية فاهمة
إرسال رسالة عبر MSN إلى apoapdalla إرسال رسالة عبر Yahoo إلى apoapdalla إرسال رسالة عبر Skype إلى apoapdalla

apoapdalla غير متصل

افتراضي الحراك العثماني والإيراني ضد الاستبداد أنتج حكومات دستورية..
     

الحراك العثماني والإيراني ضد الاستبداد أنتج حكومات دستورية..

 




* يملأ كتاب الدكتور مهند مبيضين “ الفكر السياسي الإسلامي والإصلاح: التجربتان العثمانية والإيرانية” الصادر عن الدار العربية للعلوم بيروت/2008” فجوة في عملية التأريخ التي تناولت العرب في الفترة الواقعة بين سيطرة العثمانيين على المنطقة العربية ومجيء نابليون إلى مصر عام 1798.
ويركز بشكل أدق على المقولات والأطروحات التي تعالج المشكلة الأساسية التي عانى منها الشرق طويلا وهي مسألة الاستبداد. ويقدم الكتاب شخصيات عربية إسلامية كان لها موقف واضح ومناقض للظلم والفساد والاستبداد العثماني. والكتابة عن هذه المسألة، حسب رأي الدكتور رضوان السيد الذي قدّم للكتاب هي: “مسألة خطيرة في التاريخ الحديث للعرب والمسلمين” حيث بدأها ألبرت حوراني في كتابه “الفكر العربي في العصر الليبرالي” وتوالت بعده الكتابات الكثيرة بشأن بدايات عصر النهضة فيما إذا كانت نتاج غزوة نابليون إلى مصر أم نتاجا لحركات الانبعاث ما بين مكة ونجد واليمن والهند في القرن الثامن عشر، أم هي بسبب الإصلاحات في الدولة العثمانية. وكتب المفكر فهمي جدعان كتابه “أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العصر الحديث” ليشكل تاريخا فكريا مستعصيا للفكر الإصلاحي لدى شعوب منطقتنا في القرنين الأخيرين.
ويبدو أن الكتاب المعروض هو أميل لمقاربة فهمي جدعان منه إلى ألبرت حوراني. أما مؤلف الكتاب فهو الدكتور مهند مبيضين الذي يعمل أستاذا للتاريخ العربي الحديث والمعاصر في جامعة فيلادلفيا في عمان وسبق لمبيضين أن أرخ -بحسب رأي الدكتور رضوان السيد- للقرن الثامن عشر وفكرة التاريخ في العصر العثماني بشكل جاد، وهو يكتب في الصحافة العربية والمجلات الثقافية وهو حاليا كاتب وباحث في مجلة المجلة السعودية.
فرضية الكتاب الرئيسة هي “أن العرب لم يأنسوا الطاعة طيلة العصر العثماني، وأنهم حاولوا الحد من الاستبداد ومقاومته منذ عام 1517 (بداية حكم العثمانيين للمنطقة) واستمروا في مقاومته ورفضه طيلة القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين مع الإشارة إلى وجود بداية تشكل تنامي الوعي بالهوية العربية. ويجادل الدكتور مهند مبيضين على صفحات هذا الكتاب أن انفتاح العرب على الغرب بعد حملة نابليون لم يكن بداية الإفاقة بقدر ما مثل استجابة لتحدي المواجهة”. بطبيعة الحال، تغيّر هذه المقولة الرئيسية في الكتاب ما هو سائد بين الكثير من مثقفي العرب والكتاب وهو أن مقاومة الاستبداد العثماني إنما بدأت في فترة متأخرة جدا.
ولعل الباحث هنا يود أن يزيل اللبس من ذهن القارئ العربي الذي يربط بين نشوء القوميات في أوروبا وبداية الاستعمار وبين الصحوة والإحساس بالهوية العربية. وهنا يبتعد الدكتور مبيضين عن المستشرق المعروف برنارد لويس عندما يُنظر الأخير تجربة رفاعة الطهطاوي في فرنسا وعودته إلى مصر وتبنيه الفكرة الوطنية الحماسية بمعنى “حب الوطن”. ويستخلص برنارد لويس أن فكرة حب الوطن “patriotism” تختلف عن الوطنية “nationalism”. وهو من دون شك محق في توضيح الاختلاف المفاهيمي لهذين التعبيرين لكن نفي برنارد لويس لوجود فكر وطني في مصر لا يلامس الحقيقة المطلقة. وهذا ما يثبته الدكتور مبيضين عندما يؤسس لبداية إرهاصات الهوية العربية ذات المكونات المختلفة وإن كانت في جوهرها ذات طابع ديني.
ويشير هذا الكتاب إلى تزامن تاريخي بين تزايد الوعي والإحساس بالهوية العربية بسبب الاستبداد الذي عاشه العرب تحت الحكم العثماني وبين رفض الإيرانيين لاستبداد الحكم القاجاري. ففي مقاربته لموضوع الاستبداد، يلقي الكتاب الضوء على تجربتين تاريخيتين للإصلاح هما التجربة التركية والتجربة الإيرانية. فقد قامت التجربتان (دون تنسيق بطبيعة الحال) لتحقيق هدف مشترك وهو إنهاء حقبة التفرد في السلطة والاستئثار في الحكم. وهنا يتحدى الكتاب ما هو شائع بين الكثيرين بأن العرب تعوّدوا على الطاعة للحاكم لأسباب أبرزها عدم جواز الخروج على الوالي. فهل بالفعل أنس العرب الطاعة؟ يتساءل الدكتور مبيضين في مقدمة كتابه.
فنظرة ثاقبة لدور مفكري العرب في الفترة التي سبقت الثورة الفرنسية يكشف على أن هناك محاولات جادة لتقييد الاستبداد العثماني. ومع أن هناك ملامح إحساس بالهوية العربية، لم يتطور ذلك إلى مستوى الشعور بالوطنية إذ إن هذا المفهوم جاء بعد بروز مفهوم السيادة في مؤتمر وستفاليا 1648 وبعد ظهور القوميات في أوروبا في القرن الثامن عشر.
يحاكم الكتاب وبشيء من التفصيل المقولة الشائعة بأن مقاومة العرب للاستبداد ما هي إلا نتاج الأثر الغربي بعد أن جاء نابليون بحملته على مصر عام 1798. ويؤرخ الكتاب للمحاولات الجادة التي وقعت في الفترة الفاصلة بين مجيء نابليون وبداية الحكم العثماني للمنطقة الذي بدأ عام 1516. وجرى القفز عن هذه الحقبة التاريخية بسبب، كما يصر الدكتور مبيضين “سيادة مسلمات ثقافية جعلت العقل العربي في ثلاجة الحكم العثماني. وهي مسلمات وإن راجت، إلا أن بحثا جادا في التاريخ العربي الحديث يمكنه أن يكشف عن الجديد في مسألة الإدراك والوعي التاريخي العربي والقدرة على الرفض ونبذ الاستبداد، الذي قيل إن نبذه بدأ مع وصول جيش الحملة الفرنسية 1798”.
فتقديم الفترة العثمانية كموطن للاستبداد المطلق أو الإصرار على أن “استفاقة الشرق” ما هي إلا نتاج العنصر الخارجي (الغربي) وما هو إلا نتاج تجاهل معرفي لحقيقة ما كان يجري. والحقيقة يحتاج الباحث منا النظر إلى كتاب إدوارد سعيد عن الاستشراق لإلقاء الضوء على الطريقة التي تناول بها المستشرقون المجتمع الشرقي بشكل عام ليفهم السبب وراء طغيان المسلمات التي يدحضها كتاب الدكتور مبيضين.
أخذت محاولات تقييد الاستبداد في الفترة التي سبقت وصول نابليون أشكالا متعددة بحسب الكتاب، أبرزها جاء على شكل تقديم النصح للحاكم. وجاءت هذه النصائح مغلفة بنظرة نقدية مطالبة برفع الظلم وتحقيق المساواة. فتكشف المخطوطات عن دور العلماء في مناهضة الاستبداد العثماني. فهذا على سبيل المثال المخطوط الذي سلمه الشيخ علوان للسلطان سليم بن عثمان وجاء كتعبير عن موقف حاسم وواضح لرفع الظلم السلطاني. فيقول الشيخ ابن علوان: “ومن المنكرات بخس الناس حقوقهم وأكل أموالهم وأخذها بغير طريق شرعي فإن ذلك ظلم والله تعالى يقول في بعض كلامه: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا”. لم يسكت ابن علوان على الظلم وهاجم سلوك العسكر نحو المواطنين وكان يعتبر ذاك السلوك من المنكرات.
يظهر الكتاب أن العلماء لم يكتفوا بالدعوة إلى رفع الظلم وإنما تطور مع بداية القرن الثامن عشر وأخذ شكل الاحتجاج. والكتاب يشير إلى مستويين من العلاقات في هذا القرن: علاقة العلماء مع السلطة العثمانية وعلاقتهم مع العسكر. فانتقدوا سلوك العسكر ولم يرفعوا راية الخروج عن الحكم السلطاني. من هنا، لم تغب خيارات الرفض عن مواقف المثقفين في زمن وصف العرب فيه بأنهم أنسوا الاستبداد وقبلوا به. فقد عارض واحتج الشيخ خليل البكري عام 1706 على والي دمشق وسياسة فرض الضرائب.وقام العلماء بإنشاء ديوان خاص للاجتماع في دمشق للاحتجاج على الظلم في عهد أسعد باشا العظم. فما كان من الأخير إلا أن طلب منهم إدارة المدينة أثناء ذهابه للحج وهو ما قاموا به ولم يفلحوا. وبالتالي بعثوا إليه يطالبونه بالعودة للحكم لأنهم لا يعرفون كيف يسيّرون أمور المدينة. فهم علماء كتب وليسوا رجال سياسة كما قالوا. لكن علينا أيضا أن نتذكر أن المعارضة كانت فردية ولم تأخذ طابع التجمعات المدنية الحديثة إذ لم يكن هناك مجتمع مدني منظم يعبر عن مصالحه بآليات معروفة. فقراءة متأنية للجزء الأول من الكتاب تكشف أن العلماء أخفقوا (أو لم تكن لهم نية) في تطوير بدائل عملية للحكم.
لم يكن الاحتجاج على سياسات الاستبداد بلا ثمن. ففي كثير من الأحيان واجه الرافضون للاستبداد والظلم ممارسات من قبل النظام لنزع الشرعية عنهم. فكان أن يتهم البعض بالزندقة والتكفير. فهذا هو يحيى الكركي الذي أعدم لأن السلطات العثمانية اتهمته بالزندقة. فتهمة الزندقة أو الارتداد عن الدين ما هي إلا لنزع الشرعية عن المعارض الذي تقوى شوكته ويثبت أن باستطاعته حشد التأييد الشعبي. ولم يقتصر الاحتجاج على حاضرة الشام بل كان في مصر أيضا دور ريادي للأزهر في الاحتجاج على الظلم. كما يروي المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي لحالة عصيان حدثت في عام 1794 في القاهرة ضد أحد القادة المحليين وهو محمد بيك الألفي. فيقول هذا المؤرخ الذي عاصر الحملة الفرنسية: “وفي شهر ذو الحجة وقع فيه من الحوادث أن الشيخ الشرقاوي له حصة في قرية في شرقية بلبيس حضر إليه أهلها وشكوا من محمد بيك الألفي وذكروا له أن أتباعه حضروا إليهم وظلموهم وطلبوا منهم مالا قدرة لهم عليه، فاغتاظ وحضر إلى الأزهر وجمع المشايخ وقفلوا أبواب الجامع...وأمروا الناس بغلق الأسواق والحوانيت ثم ركبوا في ثاني يوم واجتمع عليهم خلق كثير من العامة وتبعوهم وذهبوا إلى بيت الشيخ السادات وازدحم الناس على بيت الشيخ واجتمع أهل الأطراف في المسجد...وانحط الأمر على أنهم تابوا والتزموا بما اشترط عليهم العلماء.” يتبين من هذه الحادثة أن العلماء كانوا بمثابة الملاذ الأخير للعامة في مواجهة الظلم والفساد.
ومن دون شك كانت هناك جرأة منقطعة النظير عند بعض العرب في التعبير عن الرفض التام للاستبداد ويقابل ذلك رغبة مماثلة لدى الحاكم في المسير في الاستبداد. فالحوار الذي بدأ به المؤلف الفصل الثاني في هذا الكتاب بين الخديوي إسماعيل وأحمد عرابي يدل على أن الحاكم كان يريد أن يستمر في استبداده دون الالتفات لمطالب الشعب والجيش. ويدل أيضا على أن العامة ممثلة بالجيش تريد إصلاحات حقيقية وأن يكون الحاكم مسؤولا. وثار بعدها أحمد عرابي ليس لتحقيق ما أراد أن يحققه الانقلابيون العرب في القرن العشرين بل للتعبير عن الرغبة في تقييد الاستبداد. ويركز الفصل الثاني على مسألة مهمة كيفية تقييد الاستبداد.
يتطرق الفصل لعدد من رواد التصدي للاستبداد أمثال عبد الرحمن الكواكبي في الشام، وابن أبي الضياف في تونس، ومحمد حسين النائيني في إيران، ومحمد بيرم التونسي في تونس وغيرهم، كما يتعرض الكتاب لمصادر موقفهم المناهض للاستبداد. فيقول ز.أ. لفيين في كتابه “التنوير والقومية” إن النهضة العربية تطورت باتجاهين متداخلين تبعا لمصادرها. فهناك مصادر لها علاقة بماضي العرب وتراثهم وهناك بالمقابل مصادر لها علاقة بالفكر الأوروبي. ويستمر هذا التداخل بين المصدرين ولكن بعد قرن من الزمان يتبلور قطع معرفي يتمحور حول اعتبار التقاليد والدين المصدر الرئيس للتخلف والانحطاط. وهذا هو موقف برهان غليون. الكواكبي بدوره ركز على الاستبداد الديني ورفض نسب ذلك للشريعة الإسلامية. لمؤلف الكتاب الدكتور مبيضين موقف من هذا الجدل كله. فيقول: “بالرغم من التنوع في تحديد مرجعيات خطاب النهضة، فإن القول إن الإصلاح والتجديد كان كله من خبرات الغرب المتحضر، أو جاء من أصل الإحياء الديني ومن داخل عالم الإسلام، يبدو فيه الكثير من التعميم”.
فمصادر التفكير الإصلاحي إذن متنوعة. المصدر الأول له علاقة بالتنشئة الدينية للعلماء من حيث الانتماء إلى أسرة متدينة. وبهذا المعنى تكون الثقافة الإسلامية هي المكوّن الأول. فالتكوين الديني بدا واضحا في فلسفة ومواقف ابن أبي الضياف والكواكبي. وبالإضافة للمكوّن الديني كانت هناك الخبرة والممارسة السياسية التي اكتسبها العلماء. ومن دون شك جاء هذا العامل ليصقل موقفهم من فهم طبيعة الاستبداد والتصدي لمظاهره المتعددة. والتصدي للاستبداد والظلم أخذ أشكال مختلفة. فقد نأى ابن أبي الضياف على سبيل المثال بنفسه جانبا عنه السلطة على الرغم من العروض التي انهالت عليه آنذاك. فكان جوهر موقفه هو أن تركز السلطة بيد شخص واحد مع غياب الحريات والعدالة الاجتماعية لا ينتج علاقة حميمة أو ودية مع السلطة. أما الكواكبي فقد كان نشطا مشاركا في الحياة العامة. فقد تولى رئاسة بلدية حلب وانخرط في التجارة ورأس غرفة تجارة حلب. هذا بالإضافة إلى كتابته الراقية في الصحافة التي نمت عن اطلاع على التجارب الأخرى للعالم ولا سيما التجربة الأوروبية، وناصر المظلومين في مواقفه العامة ووجه نقدا لاذعا للسلطان عبد الحميد ولم تفلح محاولات استرضائه أو احتوائه في السلطة. وواجه السجن وكتب عن معاناة السجناء التي تعتبر قمة الاستبداد. وحوكم بالإعدام في محكمة دمشق إلا أن محكمة بيروت برأته.
أما مصادر ابن أبي الضياف، فتشمل: مصادر عامة (القرآن الكريم، السنة النبوية والحديث، وأقوال الحكماء والخلفاء الراشدين). كما تشمل المصادر الرسمية مثل نص قانون السلطان سليمان القانوني إلخ. كما استند إلى مجموعة من كتب التراث الإسلامي مثل الإمام الغزالي وابن رشد وابن خلدون. كما شكل التقاء رفاعة الطهطاوي مع ابن أبي الضياف فرصة للأخير للاطلاع على القانون الفرنسي.
وأخذ الإصلاح مفاهيم مختلفة. فهو تعبير عن ما يمكن اعتباره إصلاح دولة السلطان القائمة. بمعنى تغيير أدوات الحكم والاعتماد على إدخال إصلاحات لتحسين الوضع العام بما يحقق تقييد الاستبداد. وهو يعني أيضا تغييرا في لباس الثورة. كما يعني محاكاة النماذج الأخرى وهنا تجدر الإشارة إلى الأثر الغربي الواضح. وللإصلاح مستويان: أولا، محاكاة وتقليد العالم الغربي. وهذا نتيجة الاطلاع على التجربة الأوروبية ولفهم أن التنظيمات التي جاءت بها الحداثة تحقق درجة معقولة من رفاهية الشعوب وتزيد من قدرتها على ممارسة الحريات العامة. المستوى الثاني يتحدي عن إعادة التفكير في الهوية العربية والمسلمة. ويبدو أن ثمة تداخل بين المستويين (التقدم على النمط والنموذج الغربي أو استعادة النموذج الإسلامي الأول) في موقف العلماء وبخاصة الكواكبي وابن أبي الضياف. وهذا، حسب المؤلف، جعل من المضمون الإصلاحي “إتباعي وإلحاقي”. فهو إتباعي بمعنى عدم إمكانية استعادة النموذج الإسلامي وإلحاقي فيما يتعلق بإمكانية إحلال النموذج الغربي.
وحدث انقلاب على الفكرة الإصلاحية من قبل محمد رشيد رضا. فيعتقد عبد الإله بلقزيز أن “ثمة انقلابا مورس على الفكرة الإصلاحية. وقد بدا الانقلاب في كتابة محمد رشيد رضا عن الخلافة العظمى أو الإمامة. فهو يعتبر بداية النهاية لما يعتبره بلقزيز السياسة الإصلاحية. فهو بهذا المعنى تعبير عن قطيعة معرفية مع الآداب السلطانية والسياسة الشرعية وهذه الكلام أدى إلى بروز خطاب من نوع آخر ابتعد عن التراث النهضوي.
الموضوع مختلف قليلا في المغرب العربي. فالأفكار الإصلاحية لابن أبي الضياف ومحمد حسين بيرم وخير الدين التونسي كما بينها الباحث جاءت على أرضية الاكتفاء بالنصح للسلاطين. ففي المغرب العربي كان مشروع الإصلاح نصائحي ونتيجة “استجابة لتحدي الاصطدام مع الحضارة الغربية الأقوى”. بينما الوضع في المشرق العربي مختلف لأنه نتاج التغير والتحديات الداخلية. وبالتالي فهذه التجربة التاريخية، حسب رأي محمد وقيدي، لم تكن توحي بالتقدم. من هنا يتبين أن مقاومة الاستبداد تبلورت بشكل واضح في القرنين السابع عشر والثامن عشر. إلا أنها وقعت في مرجعيات تنافرت وابتعدت بالتالي عن الهدف المشترك إلا وهو تقييد الاستبداد. فكان هناك رفض بين التجارب الفكرية لبعضها.
هذا التباين بين المغرب العربي والمشرق العربي في مضامين الإصلاح يتضح أكثر إذا ما نظرنا إلى التجربة الإيرانية في مجال تقييد الاستبداد. لم تكن التجربة مع مناهضة الاستبداد مقصورة على رعايا الدولة العثمانية من العرب. فثمة تشابه في أوضاع الدولة السلطانية الصفوية القاجارية في إيران وما كان يجري في الدولة العثمانية. فكانت هناك مطالب إصلاحية مماثلة لرفع الظلم وتقييد الاستبداد. وقد ظهرت القوى الدستورية في إيران بين الأعوام 1905- 1911. وجاءت هذه المطالبة بالدستور في إيران وتقييد الحكم الاستبدادي للشاه بعد أن انهارت الأوضاع الداخلية وسيطرة الأجانب وانتشار الفساد وطغيان الأسرة القاجارية الحاكمة والارتهان للهيمنة الأوروبية وبخاصة في المجال الاقتصادي.
وعندما منح الشاه ناصر الدين امتياز مادة التنباك لشركة بريطانية احتج الإيرانيون على هذا الارتهان للأجانب. فأصدر الميرزا حسين الشيرازي من سامراء فتوى مهمة قالت بتحريم التدخين على الشيعة طالما استمر الامتياز للشركة البريطانية. وبعد سنتين (أي في عام 1892) انسحبت الشركة من هذا الامتياز وشكل ذلك انتصارا لصالح القوة المناهضة للاستبداد. وكانت نتيجة هذا الانتصار بادية للعيان إذ زادت شعبية الفقهاء والمجتهدين ثم اغتيل الشاه عام 1896. وكان في المجتمع الإيراني آنذاك قوى ليبرالية تمثلت بمجموعة من النخب المثقفة وتجار البازار. وعلى الرغم من قوة هذا التحالف إلا أنهم لم يتمكنوا من تحريك الشارع دون المراجع الدينية التي كانت تعتبر بمثابة القوى القائمة في المجتمع. وقد نشطت فئة من صغار العلماء في تحضير الأرضية المناسبة للثورة الدستورية. وجمعت هذه الفئة بين الثقافة الدينية والثقافة الحديثة مما جعلهم يشكلون مجلسا للثورة عام 1902. وقد وقف علماء الدين المقربون من الشاه ضد هذا الحراك. أما علماء الحوزات العلمية فقد انقسموا ما بين مؤيد للمجلس وما بين معارض له.
وتزامنت دعوة حسين النائيني بالحل الدستوري في إيران مع ما حدث في الدولة العثمانية عام 1908 على شكل إعادة العمل بالدستور ثم عزل السلطان عبدالحميد، فقد طالبت إعادة العمل بالدستور العثماني المعطل منذ عام 1878 لوضع حد للاستبداد الذي مارسه السلطان عبد الحميد. ففي إيران أعلن العمل بالدستور “من أجل قيام نظام للحرية والتقدم والعدالة الاجتماعية”. لكن خابت آمال العلماء بعدما انقلب الشاه على الدستور فانتقل عدد من المجتهدين إلى مواقع المعارضة بزعامة الشيخ فضل الله نوري.
يعتبر كتاب النائيني “تنبيه الأمة وتنزيه الملة” الوثيقة الأبرز التي تحاول التوفيق بين الحاجة إلى نظام حكم لا يمس الدين ومسألة غيبة الإمام المنتظر. فيستهل في كتابة التعرف بواجبات الدولة وجاء فيه: “إن السلطة الوحيدة التي تحتاج إليها الدولة هي تلك اللازمة للوفاء بهذه الواجبات، وعندما ينحرف الحكام بالحكم لأغراض أنانية ويقيمون سلطة استبدادية مطلقة فإنهم يشذون عن قانون من القوانين المنزلة، ويميل رئيس الحكومة المنحرفة من هذا النوع إلى اغتصاب الخصائص الإلهية وإسباغ صفة الألوهية على الحاكم”. ويعيد النائيني جذور الاستبداد في الحالة الإسلامية إلى الأمويين الذين حكموا من عام 660 إلى 749. وهذه المرحلة التي أسست للحكم الوراثي عند المسلمين. فانتقلت الدولة من الدولة الولائية إلى الدولة التملكية. فيقارن بالتالي بين استبداد معاوية بن أبي سفيان وبين استبداد الشاه. وبالتالي نجد التقاء بين الكواكبي من ناحية والنائيني من ناحية أخرى حول العلاقة بين الاستبداد السياسي والاستبداد الديني. فيقول إن بعض العلماء أصبحوا علماء سوء. كما يبين في كتابه أيضا مبادئ الحكم المنشود. الحرية، والمساواة (بين المواطنين والحاكم)، والشورى على أن لا تكون شورى العوام وإنما نفر قليل من العلماء وأصحاب المشورة.
وقد حذر العلماء أمثال الشيخ رفاعة الطهطاوي من تعيين الولاة والحكام لمستشارين فاسدين. بينما حذر الكواكبي والنائيني من خطر الذين يدعون العلم. فهؤلاء هم علماء الاستبداد الديني. ويسميهم أعوان “الظلمة” أو كما جاء أيضا علماء السوء. ويوجه النائيني النقد لتحالفهم مع السلطة السياسية بقوله: “دفع الجهلة وطواغيت العصر وحاملو لواء الاستبداد الديني عقيرتهم ليعربوا عن تأييدهم للظلمة حتى النهاية.. وابتدعوا من وحي نزعتهم مذهبا جديدا سموه إسلاما”.
والحقيقة أن أفكار النائيني ما زالت مؤثرة عند الفقيه الشيعي محمد حسين فضل الله الذي يعتقد بوجوب توافر مجموعة أو هيئة أو مجلس من الخبراء لتشخيص المصلحة. ومع ثورة الإمام الخميني في إيران نشأ مجلس تشخيص مصلحة النظام. والحديث عن المصلحة العامة لتحقيق أغراض خمس هي: حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال. والحقيقة فإن نجاح الثورة الإيرانية عام 1979 التي جاءت وكأنها استفتاء على إقرار الحكم الإسلامي هو قمة الانتصار للكفاح الطويل والمتواصل ضد الاستئثار بالسلطة والاستبداد. لكن هل نجحت الثورة في تقييد الاستبداد حقا؟! هل النظام الإيراني القائم بعد الثورة (الذي يستند على مبدأ ولاية الفقيه ومنح علماء غير منتخبين قوة سياسية كبيرة) هو تعددي أم أحادي؟ ألم تدخل إيران في اختناق جديد نتيجة للحكم الإسلامي الحالي؟ دار وما زال جدل بين فقهاء الشيعة حول قضية ولاية الفقيه. والحقيقة أن الإمام الخميني الذي اعتنق مذهب ولاية الفقيه حتى يعود الإمام المختفي أضاف مساهمة فقهية تتعلق بتوسيع حدود هذه الولاية. فطالب بشمولية الولاية للحكومة. إذن انتهت التجربة الدستورية في إيران بولاية الفقيه. بيد أن المتابع للسياسة الإيرانية الحديثة يستنتج أن هناك تيارين داخل النخب الحاكمة في إيران. التيار المحافظ الذي يتمسك بولاية الفقيه وتيار الإصلاحيين الذي يحاول أتباعه الاجتهاد فيما يتعلق بموقعية والي الفقيه في العملية السياسية برمتها.
في الختام يمكن القول، أدى الحراك ضد الاستبداد في الحالتين الإيرانية والعثمانية إلى الإعلان عن حكومتين دستوريتين. لكن سرعان ما انقلب الوضع واختنقت إيران ولاسيما بعد فشل ثورة مصدق واستعادة الملكيين دورهم في إيران وتبنيهم مقاربة علمانية تتجاهل رجال الدين وتقيدهم (الثورة البيضاء) وتتدخل في المناهج وتغيرها. على أن إيران نجحت مرة أخرى في الإطاحة بالمستبد وإقامة حكومة إسلامية. تركيا نفذت بمعنى أن الخلاص من الحكم العثماني أدى إلى بلورة تقاليد لها علاقة بالديمقراطية. وها نحن أمام تجربة يحكم فيها الإسلاميون وتتداول فيها السلطة على الرغم من وجود العسكر كحام للقيمة الأعلى التي غرسها أتاتورك ألا وهي علمانية الدولة. العرب لم يستفيدوا كثيرا من هذه التجارب, فما زلنا ننتظر التخلص من الاستبداد في زمن هبت على العالم رياح الموجة الثالثة من الديمقراطية ولم تلمس منطقتنا إلا على الضفاف. فقابلية الطاعة “المتجذرة” في الثقافة العربية تتعزز بفعل تطوير الدولة الحديثة في المنطقة العربية لمؤسسات القمع بحيث أصبح الخروج عن الحكم عملا قد يؤدي إلى الهلاك.
يقدم الكتاب وجبة دسمة من الرؤى والتفسيرات لحقائق تاريخية تم تجاهلها لأسباب كثيرة. فكانت المحاولات لتقييد الاستبداد في عصر ظن الكثير أن العرب غابت عنهم ثقافة الثورة والخروج عن الحاكم. قيمة الكتاب أنه وفي الوقت الذي تفند فيه مقولات إن العامل الخارجي هو وحده المسؤول عن تولد ثقافة احتجاج عربية أو مشاعر قومية عربية، فهو لا يقلل من أهمية العامل الخارجي على الإقليم بشكل عام. بالتالي نجد أن موقف المؤلف هو في التأكيد على التفاعل ما بين ما هو خارجي وداخلي. في نهاية الكتاب يقدم المؤلف ملحقا بمن يعتبرهم لامعين في تقييد الاستبداد، وجاءت على شكل سيرة قصيرة لأبرز الكتاب والمساهمين في فكر مقاومة وتقييد الاستبداد .




ضع تعليق بحسابك فى الفيس بوك



 
قديم منذ /03/02/2008, 01:15 AM   #2

عضو جديد

زوةىلارؤءئ غير متصل

افتراضي رد: الحراك العثماني والإيراني ضد الاستبداد أنتج حكومات دستورية..

 

شكرااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا اااااااا



 
 

الكلمات الدلالية (Tags)
أنتي, الاستبداد, الحراك, العثماني, دستورية, حكومات, والإيراني

جديد منتدى منتدى المواضيع المكررة
الحراك العثماني والإيراني ضد الاستبداد أنتج حكومات دستورية..


أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
كشفتي سري الدفين وعلمتي الآن من أنتي !! الامبراطور1 عذب الكلام - خواطر - خواطر حب - خواطر رومنسيه - خواطر حزينه 5 07/12/2007 12:29 AM


الساعة الآن 07:22 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2012, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.6.0
تنويه هام : الموقع يحمل إسم سمو الأمير الوليد بن طلال حبا فى شخصه وفكره ولا ينتمى لا من قريب أو من بعيد بشخصه الكريم ولا توجد أى علاقة بنا سواء مباشرة أو غير مباشرة بين سموه وبين ادارة الموقع