العودة   منتديات الوليد بن طلال > الساحات الدينيه حياة الانبياء والرسل اناشيد اسلاميه قرآن كريم > سلامٌ عليك يارسول الله ( أشهد أنك قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة )


سلامٌ عليك يارسول الله ( أشهد أنك قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة ) قسم الرسول صلى الله عليه وسلم واصحابه الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم - أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.



إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم منذ /07/04/2008, 10:15 PM   #1

(( سيد الشخصيات ))

خالد سفنجه غير متصل

اتباع السنن المحمدية واجتناب البدع
     

اتباع السنن المحمدية واجتناب البدع

 

بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
جزء من اتباع السنن واجتناب البدع
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس فيحمد الله ويثني عليه بما هو أهله ثم يقول: )من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة( .
عن العرباض بن سارية السلمي رضي الله عنه قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، قلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: )أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن كان عبداً حبشياً، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين فتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواخذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة( .
حديث صحيح أخرجه الإمام أحمد.
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: )إياكم ومحدثات الأمور،فإن شر الأمور محدثاتها، وإن كل محدثة بدعة، وإن كل بدعة ضلالة( .
رواه ابن ماجة.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: )من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد( .
رواه البخاري ومسلم.
وعنده: )في أمرنا ما ليس منه فهو رد(.
عن عوف بن مالك الأشجعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:) افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقةً، فرقة واحدة في الجنة، وسبعون فرقة في النار، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة إحدى وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، والذي نفسي بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة، وثنتان وسبعون في النار، قيل: يا رسول الله من هم? قال: الجماعة(.
رواه ابن ماجة.
عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال) لتتبعن سنن من قبلكم، شبراً بشبر، وذرعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم( قلنا يا رسول الله: اليهود والنصارى? قال: )فمن?(.
رواه البخاري.
عن جابر بن عبد الله قال: كنا جلوساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فخط خطاً هكذا أمامه فقال: )هذا سبيل الله( وخط خطاً عن يمينه وخطاً عن شماله، وقال: )هذا سبل الشيطان( ثم وضع يده على الخط الأوسط، ثم تلا هذه الآية: )وَأن هَذَا صِرَاطِي مُسَتقِيمَاً فَاتَبِعُوه وَلا تَتَبِعُوا السُبلَ فَتُفرِقُ بِكُم عَن سَبِيلِه ذَلكُم وصَاكُم بِه لعَلكُم تَتَقُون(.
عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: )لكل عمل شرة ولك شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك(.
عن ابن عباس قال: ما أتى على الناس عام إلا أحدثوا فيه بدعة وأماتوا فيه سنة، حتى تحيا البدع وتموت السنن.
عن أبى عبد الرحمن السلمي قال: كان عمرو بن عتبة السلمي ومعضد في أناس من أصحابها اتخذوا مسجداً يسبحون فيه بين المغرب والعشاء كذا ويحمدون كذا، فأخبر بذلك عبد الله بن مسعود فقال للذي أخبره: إذا جلسوا فأتني، فلما جلسوا أتاه فجاء عبد الله عليه برنسه، حتى دخل عليهم فكشف البرنس عن رأسه ثم قال: أنا ابن أم عبدٍ، والله لقد جئتم ببدعة ظلماً، أو قد فضلتم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم علماً، فقال معضد:- وكان رجلاً مفوهاً-والله ما جئنا ببدعةٍ ظلماً، ولا فضلنا أصحاب محمدٍ علماً. فقال عبد الله: لئن اتبعتم القوم لقد سبقوكم سبقاً مبيناً، ولئن جزتم يميناً أو شمالاً لقد ضللتم ضلالاً بعيداً.
عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: جئت أبي فقال: أين كنت? فقلت: وجدت قوماً ما رأيت مثلهم، يذكرون الله عز وجل فيرعد أحدهم حتى يغشى عليه من خشية الله فقعدت معهم. قال: لا تقعد معهم بعدها. فرآني كأنه لم يأخذ ذلك فيّ، فقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن، ورأيت أبا بكر وعمر رضي الله عنهما يتلوان القرآن فلا يصيبهم هذا، أفتراهم أخشع لله من أبي بكر وعمر، فرأيت أن ذلك كذلك فتركتهم.
عن خلف بن حوشب أن جوّاباً التيمي كان يرتعد عند الذكر فقال له إبراهيم النخعي: إن كنت تملكه فلا أبالي أن لا أعتد بك، وإن كنت لا تملكه فقد خالفت من هو خير منك.
عن عمرو بن مالك قال: بينما نحن يوماً عند أبي الجوزاء يحدثنا إذ خر رجل فاضطرب، فوثب أبو الجوزاء فسعى قبله، فقيل له: يا أبو الجوزاء إنه رجل به الموتة، فقال: إنما كنت أراه من هؤلاء القفازين ولو كان منهم لأمرت به وأخرجته من المسجد إنما ذكرهم الله تعالى فقال: تفيض أعينهم وتقشعر جلودهم.
أبو الجوزاء اسمه أوس بن عبد الله صاحب ابن عباس.
عن عبد الأعلى قال: سمعت الشافعي يقول: تركت بالعراق شيئاً يسمونه: التغبير وصنعته الزنادقة يشغلون به عن القرآن.
قال حسن الجردي قال: سمعت الشافعي محمد بن إدريس يقول: تركت بالعراق شيئاً يقال له التغبير، أحدثته الزنادقة، يصدون الناس به عن القرآن.
عن الحارث قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل سئل: ما ترى في التغبير إنه يرق عليه القلب? قال: بدعة.
عن يعقوب بن سفيان: أنه سأل أبا عبد الله عن السماع، فكرهه ونهى عن استماعه.
قال أبو القاسم: سئل أبو علي الروذباري عن من يسمع الملاهي ويقول: هي لي حلال، أني قد وصلت إلى درجة لا تؤثر في اختلاف الأحوال، فقال: نعم قد وصل لعمري ولكن إلى سقر.
عن أبي الحارث الأولاسي أنه قال: رأيت إبليس في النوم بأولاس، وهو جالس وعن يمينه جماعة، عن شماله جماعة فقال إبليس لطائفة منهم: قولوا شيئاً- وكانوا على شيء من المساع- فأخذوا في القول، قال أبو الحارث: فاستغرقتني الطيبة حتى لعله كدت أطوح نفسي من السطح، ثم التفت إلى طائفة أخرى فقال لهم: ارقصوا، فرأيتهم يرقصون ويشيرون في الرقص إلى إشارات حسنة ويزعقون ويصيحون حتى تحيرت، ثم قال لي إبليس: يا أبا الحارث أليس هذا حسناً? قلت: بلى. قال. ما أصبت شيئاً أدخل عليكم به ليكون لي عليكم سلطان إلا بهذا، فخرج شهوة السماع من قلبي، فما سمعت بعدها.
عن أبي سعيد الخراز أنه قال: رأيت أبا القاسم الجوعي في المنام بعد وفاته

فقلت له: ما فعل الله بك فقال: وبخني وأقامني ثم غفر لي، فقلت: بماذا? قال: تفعل وتسمع، وتتواجد، وتقيسني بليلى وسلمى.
أخبرنا العدل أبو الفضل عبد الواحد ببغداد أن الإمام العالم أبا محمد عبد الله بن عبد الله بن علي بن أحمد بن عبد الله المقرىء النحوي، أجاز لهم وأنشد لنفسه:
تَركُ التَكلُف فِي التَصَوفِ وَاجَبُ ومِن المُحَالِ تَكَلُفُ الـفُـقَـرَاءِ
قَومُ إِذا اِمتَدَ الـظَـلامُ رَأيتُـهـم يَتَرَكَعُـون تَـرَكُـعُ الـقَـرَاءِ
والوَجدُ مِنهُم فِي الوِجُوهِ مَحَـلـه ثُمّ السَماعُ يَحِلُ فِي الإغـضَـاءِ
لا يَرفَعُون بِذاَكَ صَوتاً مُجَـهَـراً يَتجَنَـبُـون مُـوَاقِـع الأَهـوَاءِ
ويَواصِلون بِذاَك صوتاً مُجـهَـراً فِي الَبَأسِ إن يأتِي وفِي السَـراءِ
وتَـراهُـم بَـينَ الأَنَـامِ إذا أتـوا مِثلَ النِجُومِ الغرّ فِي الظَلـمـاءِ
صَدقت عزَائمهُم وعَزم مَرامهِـم وعَلت منَازِلُهُم عَلى الـجَـوزاءِ
خَدَمُوا الإله حَـقـيقَة وعَـزيمة ورَعوا حِقُوقَ الِلهِ فِـي الآنـاءِ
وَالَرقصُ نَقصَ عِندهم فِي عِقُولِهم ثُمّ القَضِيب بِغـيرِ مـا إخـفَـاءِ
هَذا شِعارُ الصَالِحين ومن مَضَـى مِن سَادةِ الزُهاَدِ والـعُـلـمَـاءِ
فإذَا رَأيت مُخَالفاً لِـفـعَـالِـهـم فاحكُم عَليه بـعَـظـمِ الإغـواءِ
وأنشدنا لنفسه وأخبر به عن العدل أبو الفضل إجازة:
حُرمَةُ اَلمـرءِ تَـسـتَـقـيمُ إذا مَـا كان فِي دِينِـه عَـلـى تَـحـقـيقِِ
لا يَرَى الـرَقـصُ واَلـقَـضَــيبُ وَلا الدَفّ طَريقاً إلِى صَوابِ الطَريقِِ
وكذَا الشِـيزَ والـتَـهـافُـت فِـيه بِانكشَافِ الرؤوسِ والَـتـصَـفـيقِ
هَذه سِـيرةُ الـزَنـوجِ ذَوي الـنـقَ ص إذا مَا هَبُوا لِفعلِ الَـفـسُـوقِ
قال رحمه الله: أنشدني أخي الفقيه الإمام أبو العباس أحمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن المقدسي من لفظه قال: أنشدني أبو العباس أحمد بن الجاجة- بذلك كان يعرف- وكان رجلاً صالحاً إن شاء الله لنفسه:
يَا سَائِلِي مِن طَرِيقِ الَفَضلِ واَلأَدبِ عَن مَعَشرِ فِعلهم أدَى إلِى العَطبِ
قَوُمُ إلى رَاحَةٍ اِستأنَـسُـوا وَنـأوُا عَن الَتكَسُبِ بَينَ الَنَاسِ والتَـعـبِ
قَالُوا بَلا سَبَـبِ الـلـهُ رَازقُـنَـا واللهُ راَزِقُنَا بِالَسعِي والـسَـبـبِ
ألَيس مَريَم رَبُ العَرشِ قَالَ لَهـا: هُزِي إلِيكِ بِجـذَعِ يَانَـع رَطَـبِ
وَلو يَشاَء أتَاهَا رَزقَـهـا رَغَـداً مِن غَيرِ مَا تَعبِ مِنها وَلا نصَـبِ
وكَان رزِقُ رَسَولَ اللهِ جَاعِـلـه رَبُ الَبرَيةِ تحَت القَصرِ واَلقصبِ

وباكرُوا اللهوَ والـلـذاتِ واتـخـذوا لهُوَ الحَدِيثِ لهُم دِيناً مـع الـطـربِ
إذَا أتُوا مَنزَلاً قَـالُـوا َلِـصَـاحِـبِـه قَبّل يدَ الشـيَخِ ذِي الإكـرَام والأدَبِ
هَذا لـهُ نَـظَـرُ هَـذا لـهُ هِـمَـمُ لهُ الكرامَاتُ بَين العُجـم والـعَـرَبِ
يَمشي عَلى الماءِ يطَوي الأَرضَ قاَطبَةً وَفاتحُ كـلّ بَـابِ مُـغـلَـقٍ أَشِـبِ
اطلب رِضا الشَيخِ وانَظر أين مَذهَبـه وَليَس مَذهـبـه إلا إلِـى الـذَهَـبِ
هَذا وقد جَاءَ بِالمَعلـومِ فَـابـتَـدرُوا مُحسَرين عَن الأيدِي عَلى الَـركـبِ
كُل امرِىء مُنهم فِي الأكلِ مُعضَـلـه ومُرجِف الأرَضِ يَوم الرَوع بالهَربِ
إذا تَغَنى مُغنيهُـم سَـمِـعـت لـهُـم صُراخ قُومٍ رُموا بالويلِ والـحَـربِ
ما زَال ليلهُم رقَصاً فـإن تِـعـبـوا تطَارحُوا فِي زوَايا البيتِ كالخَـشَـبِ
ضَربُ الَقضَيبِ مَدى الأيَامِ شُغلُـهـم والرقصُ دأبهُم والضرب فِي الضَربِ
قَالوا لنا مَذهُب وهـو الـحـقـيقةُ لا نَقُول بِالشَرعِ ثُم الدَرسِ فِي الكُـتـبِ
ولا نُريد مِن الـرَحَـمـنِ جَـنـتَّـهُ ولا نَخافُ لظى جَاءت عَلى غضـبِ
وما بِهذا كِـتـابُ الـلـهِ أخـبـرنـا وجَاءت الرُسلُ بِالتَرغِيبِ والـرَهـبِ
َزارُوا النِساءَ وآخوهُنّ هل عُصِـمُـوا مِنهن أم أمنُوا مِن طَـارقِ الـنّـوَبِ
نَسُوا قضـيةَ هـاروتٍ وصَـاحِـبـه ماروت إذ شَرِبا كَأساً مِن العَـطـبِ
وَهَمّ يوسُفَ لـولا أن رأى عَـجَـبَـاً بُرهَان خَالِقِه فاعجب مِن العَـجـبِ
ونَـظَـرةً تَـركَـت داودَ ذا حَـرَق عَلى خَطـيئَتِـه بـاكٍ أخـا كُـرَبِ
أبرا إلى اللهِ مِـن قَـومِ فِـعـالُـهـم هذا وعَن ذَمّهم ما عشـت لـم أتُـبِ



قال: وأخبرنا أخي رحمه الله أن أحمد المذكور أنشدهم ولم يعزها، والظاهر- والله- أنها له:

يا سالِكي سُبُلَ الـعُـدوانِ وَالـتُـهَـمِ وَتابِعي نِعَمِ الرَحـمَـنِ بِـالـنِـقَـمِ
وَتارِكي سُبلَ الَمـعـرَوُفِ عَـافِـيةً وآخِذِي طُـرَق الـخـذلانِ والـنـدَمِ
أَلبَستُمُ الدينَ عاراً مِـن فِـعـالِـكُـم ما ليسَ يَحسُنُ مِن عُربِ ولا عَـجَـمِ
سَمّيتُمُ الدِينَ مِن لهـوٍ ومِـن لَـعـبٍ دِيناً وقُربى إلى الرَحمَنِ ذِي الـكَـرمِ
يا مُشبهي حُمُرَ الصَـحـراءِ رامِـحةً لمّا تَمَلّت مِن الـخـضـراءِ والـدّيمِ
هل كَان فِيما مَضَى مِن فِعلِ سيَدكُـم ضَربُ القَضِيب ورفسُ الأرض بِالقَدمِ
نسأل الله تعالى أن يعيذنا من جميع البدع ما ظهر منها وما بطون وأن يحيينا على سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يميتنا على ملته وأن يوفقنا لما يحب ويرضى من القول والنية والعمل والهدى وأن يوزعنا شكر نعمه، ويزيدنا من عطائه وقسمه، إنه على كل شيء قدير، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
أما بعد: فقد ذكر النبيُ صلى الله عليه وسلم في هذه الأحاديث ما فيه كفاية لمن أراد الله رشده وهداه لاتباع سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وقد أعلم النبيُ صلى الله عليه وسلم: أن كل محدثة بدعة، وأن أمته ستفترق على ثلاثٍ من قبلها وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وإن هذه الأمة تتبع سنن من قبلها شبراً بشبر وذراعاً بذراع. وقد كثر في زماننا هذا البدع فظهرت، وعمل بها خلق كثير من الناس، وزاولها طريقاً إلى الله تعالى، فمن ذلك: حضور الغناء والمزامير، والرقص، ومؤاخاة النسوان، والحضور مع المردان، حتى إن بعضهم ليرى ذلك أفضل من الصلاة وقراءة القرآن، فنعوذ بالله من الخذلان، ونستعينه
على أداء الشكر وكثرة الذكر في جميع الأحيان، ونسأله بكرمه أن لا يجعل للشيطان علينا سلطاناً، وقد قال تعالى: )فَمَن يُرِد اللهُ فِتنَتهُ فَلَن تَمِلكَ لَهُ مِن اللهِ شَيئَاً، أولئك الذينَ لَم يُرِدِ اللهُ أن يُطَهّرَ قلوبَهُم(.
باب ذكر فتنة النساء
عن أسامة بن زيد وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: )ما تركت بعدي فتنةً أضر على الرجال من النساء( . وفي رواية أبي خالد: )ما تركت على أمتي بعدي فتنةً( . هذا حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم.
عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: )إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر ما تعملون فاتقوا الدنيا،واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت من النساء( .
صحيح أخرجه مسلم.
باب تعظيم مس امرأة غير محرم
عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع النساء بالكلام بهذه الآية: )عَلى أن لا يُشرِكن بِاللهِ شَيئاً( وما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط إلا امرأة يملكها.
عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: )لأن يطعن في رأس رجل بمخيط من حديد خير له من أن تمسه امرأة لا تحل له( .
هذا الحديث على رسم مسلم، والله تعالى أعلم.
باب في تحريم الدخول على النساء
والخلوة بهن والسفر إلا مع ذي محرم
عن عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: )إياكم والدخول على النساء( . قال رجل: أفرأيت الحمو? قال: الحمو الموت.
رواه البخاري ومسلم.
وقد روي عن الليث أنه قال: الحمو مثل أخي الزوج ونحوه.
عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: )لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم( فقال رجل يا رسول الله: إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا. قال: )فانقلب فحج مع امرأتك( .
رواه البخاري ومسلم.
عن جابر بن سمرة السوائي قال: خطبنا عمر بن الخطاب بالجابية فقال: يا أيها الناس قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقامي فيكم فقال: )أحسنوا إلى أصحابي، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب، حتى يشهد الرجل على الشهادة لا يسألها، ويحلف على اليمين لا يسألها، فمن أراد منكم بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو مع الاثنين أبعد، ولا يخلون أحد بامرأة فإن الشيطان ثالثهما، من سرته حسنته، وساءته سيئته فهو مؤمن(.
أخرجه النسائي.
عن عبادة بن الصامت أنه قال: ألا تروني لا أقوم رفداً ولا آكل إلا ما لوّق لي?. قال يحيى: يعني ليّن وسخن وقد مات صاحبي منذ زمان، قال يحيى يعني: ذكره، ولا يسرني أني خلوت بامرأة لا تحل لي، وإن لي ما تطلع عليه الشمس مخافة أن ياتي الشيطان فيحركه، إنه لا سمع له ولا بصر.
باب الأمر بغض البصر
قال الله تعالى: )قُل لِلمُؤمِنين يَغُضُوا مِن أبصَارِهِم( .
عن جرير قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة، فأمرني أن أصرف بصري.
رواه مسلم في صحيحه.
عن عبد الله بن عباس قال: كان الفضل بن عباس رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه فجعل الفضل ينظر إليها، وتنظر إليه فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، فقالت يا رسول الله: إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً، لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه? قال: )نعم( . وذلك في حجة الوداع.
رواه البخاري ومسلم.
عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف بعرفة وهو مردف أسامة بن زيد فقال: )هذا الموقف، وكل عرفة موقف( ثم دفع يسير العنق، وجعل الناس يسيرون يميناً وشمالاً، وهو يلتفت ويقول: )السكينة السكنية أيها الناس!( حتى جاء محسر، فقرع راحلته فخبت حتى خرج ثم عاد لسيره الأول حتى رمى الجمرة ثم جاؤ المنحر فقال: )هذا المنحر، وكل منى منحر( ثم جاءته امرأة شابة من خثعم فقالت: إن أبي كبير وقد أفند،وأدركته فريضة الله في الحج، فلا يستطيع أداءها، فيجزي عنه أن أأديها? فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: )نعم( وجعل يصرف وجه الفضل بن عباس عنها، ثم أتاه رجل فقال: إني رميت الجمرة وأفضت ولبست ولم أحلق. قال: )لا حرج فاحلق( . ثم أتاه رجل فقال: إني رميت وحلقت ونسيت ولم أنحر. قال: )لا حرج فانحر(. ثم أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بسجل من ماء زمزم فشرب منه، وتوضأ، ثم قال: )انزعوا يا بني عبد المطلب، فلولا أن تغلبوا لنزعت(.
قال العباس: يا رسول الله رأيتك تصرف وجه ابن أخيك قال: )إني أريت غلاماً شاباً، وجارية شابةً، فخشيت عليهما الشيطان(.
رواه عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل هكذا.
عن ابن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: )لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة(.
رواه أبو داود.
باب ذكر أن زنا العينين النظر
عن ابن عباس قال: ما رأيت شيئاً باللمم من قول أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: )إن الله عز وجل كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، وزنا العينين النظر، وزنا اللسان النطق والنفس تمنى، وتشتهى، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه(.
صحيح رواه البخاري ومسلم.
باب في كراهية النظر إلى الأحداث
عن بعض أصحاب أحمد بن إبراهيم قال: أتينا معروف الكرخي ومعنا فضل بن أخت أسود بن سالم، وكان غلاماً جميلاً، قال: عدنا إلى معروف مرة أخرى، ولم يكن معنا الغلام، قال: فجاء حتى وقف على باب المسجد وقال: أليس كانوا يكرهون أن يمشوا مع الغلام الجميل?!.
عن أبي علي الروذباري أنه سمع جنيداً يقول: جاء رجل إلى أبي عبد الله بن محمد بن حنبل ومعه غلام حسن الوجه، فقال له: من هذا? فقال: ابني. فقال أحمد: لا تجيء به معك مرة أخرى، فلما قام قيل له: أيد الله الشيخ إنه رجل مستور وابنه أفضل منه. فقال أحمد: الذي قصدنا إليه من هذا الباب ليس يمنع من سترهما، على هذا رأينا أشياخنا وبه أخبرونا عن أسلافهم.
وعنه قال: قال لي أبو العباس أحمد المؤدب: يا أبا علي من أين أخذ صوفية عصرنا هذا الأنس بالأحداث. فقلت له: يا سيدي أنت بهم أعرف، وقد تصحبه م السلامة في كثير من الأمور فقال: هيهات يا أبا علي! قد رأينا من كان أقوى إيماناً منهم إذا رأى الحدث قد أقبل يفر منه كفراره من الزحف، فإنما ذلك على حسب الأوقات التي تغلب الأحوال على أهلها، فيأخذها على تصرف الطباع، ما أكثر الخطر، ما أكثر الغلط!!.
عن أبي سعيد الخراز قال: رأيت إبليس في النوم على وسط منطقة حلوية وهو يفر من حلقتنا فقلت: تعال، فقال: أيش أعمل عندكم إنما أخدع الناس بالدنيا، وأنتم قد تركتم الدنيا، فمر قليلاً ثم رجع فقال لي: فيكم لطيفة، فقلت: أيش هو? قال: صحبة الأحداث، ثم قال أبو سعيد: ما أقل من سلم منهم.
عن منصور بن إبراهيم قال: كانوا يكرهون مجالسة بني الملوك لأن لهم شهوة كشهوة النساء.
عن فتح الموصلي أنه قال: صحبت ثلاثين شيخاً كانوا يعتقدون م الأبدال، كلهم أوصوني عند فراقي إياهم وقالوا: إتق معاشرة الأحداث.
عن محمد بن إبراهيم الصوفي قال: كان أخوص الجرمي من أفضل صوفي رأيته بالرملة، قال: حدثني أبي قال: كان أبو الأسود محمد بن رضوان من بقايا الصوفية المتقدمين، وكان من أحسن الناس كلاماً، وأحضرهم جواباً، فنظر يوماً إلى رجل في مسجد بصور يقرىء غلاماً جميلاً وهو يضحك إليه، فقام إليه مبادراً وجلس إلى جانبه فقال له: يا أخي أما سمعت الله تعالى يقول: )ألم يأنِ لِلذين آمنُوا أن تخشَع قُلوبُهم لِذكرِ اللهِ وما نَزَلَ مِن الحَقِِّ( قال: بلى، أفما سمعته تعالى ذكره يحذر من فعل قوم اغتروا بحمله، وأنسوا إلى كرمه فقال:)ولا يكُونُوا كالذِين أوتُوا الكِتابِ مِن قبل فَطال عليهم الأمد فَقَسَت قُلوبُهم وكثير مِنهُم فاسِقُون(. قال: بلى، قال: فما بالك لا تخشع عند قوله، ولا ترجع عند تحذيره، وما نزل من كتابه، إني رأيتك مغرقاً في الضحك إلى هذا الذي يقرأ عليك، كأنك لا تسأل عن ضحكك، ولا توقف على فعلك.وبالله الذي لا يحلف المؤمنون بمثله، لئن أخذك على ريب يكرهه ليجعلنك عبرةً للعاقل، ومثلةً للجاهل فنكس الرجل رأسه،وأقبل يبكي فقام وتركه.
عن أبي زهرة الرعيني، أنه نظر إلى رجل يضاحك غلاماً في مجلس عبد الله بن وهب المصري، فألقى كتابه وقصده، وقال: يا أخي، أما لو علمت من أسخطت، ولعقوبة من تعرضت بفعلك هذا لغلت يدك إلى عنقك. كم من ملكٍ كريم قد شهد عليك بما فعلت، وغظته بما صنعت، أتتمرد على من خلقك، وخلق الخلق، وبسط عليك وعليهم الرزق، أما إنه لا يحتاج مع نظره إليك إلى شاهد عليك، فإن أنكرت شيئاً مما حفظه وجحدت فعلاً قد علمه، قال ليديك: انطقى ولرجليك تكلمي، ولعينيك اشهدي فليت شعري ما تكون حجتك عليه وقد نطقت أعضاؤك،وشهدت عيناك نطقت يداك، وتكلمت رجلاك?، الم تسمع إلى قوله عز وجل: )يوم تَشهدُ عَلِيهم ألسِنتُهم... الآية( أقام والله عليك خصماً منك وشهوداً عليك، فأين الاعتذار وقد تقدم الإقرار وخرست فلم تجد سبيلاً إلى الإنكار، فبكى الرجل حتى أبكى أبا زهرة ومن حضره.
باب ما كره من الغناء
عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: )لا يحل شراء المغنيات ولا بيعهن، ولا تعليمهن، ولا تجارة فيهن، وثمن هن حرام، وتلا هذه الآية: )ومِن النَاسِ مَن يشتري لهو الحَدِيثِ ليضُل عن سَبيلِ اللهِ بِغيرِ عِلم... الآية( .
رواه الترمذي وابن ماجة.
عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في الغناء )ومِن النَاسِ مَن يشتري لهُوَ الحَديثِ ليضُل عن سَبيلِ اللهِ(. قال: هو الغناء.
عن سعيد بن جبير عن أبي الصهباء أنه سأل ابن مسعود عن هذه الآية: )ومِن الناسِ مَن يشتري لهُوَ الحَديثِ ليضُل عن سَبيلِ اللهِ( قال عبد الله: هو- والذي لا إله غيره-: الغناء.
عن مجاهد، عن ابن معمر، عن ابن مسعود قال: إذا ركب الرجل الدابة فلم يذكر الله ردفه الشيطان فقال له: تغن فإن لم يحسن قال له: تمن.
عن صفوان بن أمية، قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه عمرو بن قرة قال با رسول الله: قد كتبت علي الشقوة فلا أراني أرزق إلا من دفي بكفي أفتأذن لي في الغناء من غير فاحشة? فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: )لا إذن لك، ولا كرامة ولا نعمة عين كذبت- أي عدو الله- لقد رزقك الله حلالاً طيباً فاخترت ما حرم الله من رزقه مكان ما أحل الله عز وجل من حلاله ولو كنت تقدمت إليك لفعلت بك وفعلت قم عني، وتب إلى الله أما إنك إن فعلت بعد التقدمة شيئاً ضربتك ضرباً وجيعاً، وحلقت رأسك مثلةً، ونفيتك من اهلك، وأحللت سلبك نهبةً لفتيان أهل المدينة(. فقام عمرو، وبه من الخزي والشر ما لا يعلمه إلا الله، فلما ولى قال النبي صلى الله عليه وسلم: )هؤلاء العصاة من مات منهم بغير توبة حشره الله عز وجل يوم القيامة كما كان في الدنيا مخنثاً عرياناً لا يستتر من الناس بهدبة كلما قام صرع(.
عن ابي برزة قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فسمع صوت رجلين يغنيان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: )من هذان?( فقيل له: فلان وفلان، فقال: )اللهم اركسهما في الفتنة ركسا ودعهما إلى النار دعا(.
عن أبي عامر أو أبي مالك الأشعري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: )ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحرير، والخمر، والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علمٍ تروح عليهم سارحة لهم فيأتيهم رجل لحاجته، فيقولون له: ارجع إلينا غداً، فيبيتهم الله عز وجل فيضع العلم عليهم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة(.
رواه البخاري بمعناه.
عن عبد الله بن مسعود أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: )الغناء ينبت النفاق في القلب(.
عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثني أبي قال: حدثنا إسحاق بن عيسى الطباع، قال: سألت مالك بن أنس عن ما يترخص فيه أهل المدينة من الغناء. قال مالك: إنما يفعله عندنا الفساق.
وعنه قال: سألت أبي عن الغناء، فقال: الغناء ينبت النفاق في القلب لا يعجبني.
باب ما كره من المزمار والطبل
عن عبيد بن عمير عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: )قال إبليس لربه: يا رب قد أهبط آدم، وقد علمت أنه سيكون كتاب ورسل، فما كتابهم ورسلهم? قال: رسلهم الملائكة والنبيون منهم، وكتبهم التوراة والزبور، والإنجيل،والفرقان، قال: فما كتابي? قال: كتابك: الوشم، وقرآنك: الشعر، ورسلك: الكهنة، وطعامك: ما لم يذكر اسم الله عليه. وشرابك: كل مسكرٍ، وصدقك: الكذب وبيتك: الحمام، ومصائدك: النساء، ومؤذنك: المزمار ومسجدك: الأسواق.
عن نافع قال: كنا مع ابن عمر في سفر، فسمع صوت زامر، فوضع أصبعيه في أذنيه، وعدل عن الطريق ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل.
عن المطعم بن المقدام الصنعاني عن نافع قال: كنت ردف ابن عمر إذ مر براعٍ يزمر، فضرب وجه الناقة وصرفها عن الطريق، ووضع أصبعيه في أذنيه وهو يقول: أتسمع، حتى انقطع الصوت، فقلت: لا أسمع،فردها إلى الطريق، فقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل.
ورواه سليمان بن موسى عن نافع بنحوه.
ورواه الإمام أحمد من طريقه.
عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: )صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة: صوت مزمارٍ عند النغمة، وصوت اللعن عند المصيبة(.
عن عكرمة عن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: )بعثت بهدم المزمار والطبل(.
عن جعفر بن محمد عن أبيه، عن جده، عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: )جئت بكسر المزامير، وأقسم ربي: لا يشرب عبد في الدنيا خمراً إلا سقاه الله يوم القيامة حميماً معذباً بعد، أو مغفوراً له(، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: )كسب المغنية والمغني حرام وكسب الزانية سحت، وحق على الله أن لا يدخل الجنة بدناً نبت من السحت(.
عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه سلم قال: )يمسخ الله من أمتي في آخر الزمان قردةً وخنازير. قال يا رسول الله: أمسلمون هم. قال: )نعم، يشهدون أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويتصدقون ويصلون(، قالوا: فما بالهم يا رسول الله?! قال: )اتخذوا المعازف والقينات والدفوف، وشربوا هذه الأشربة، فباتوا على شرابهم ولهوهم، فأصبحوا قد مسخوا(.
عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: )إن الله تعالى حرم عليكم الخمر والميسر والكوبة( وقال: )كل مسكر حرامٍ(.
كذا رواه الإمام أحمد.
باب ما كره من الرقص ونحوه
عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: )كل شيءٍ يلهو به المؤمن باطل إلا ثلاثةً: تأديبه فرسه، ورميه كبد قوسه، وملاعبته امرأته،فإنهن حق(.
رواه أبو داود عن معاوية، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: )لست من ددٍ ولا ددُ مني(.
الدد: اللهو واللعب.
كَلا ومن نظَر الأشياءَ مُقـتـدِراً إلا الصّيَامَ وحجَ البيتِ ذي الحَرمِ
ثُم الصلاةَ وإتياءَ الزكاةِ مـعـاً ثُم القيامَ لربِ العَرشِ فِي الظُلَمِ
ثُم الجِهادَ وتعليمَ الفروض ومـا يحتاجُه الناسُ مٍن فعلٍ ومٍن كلِمِ
جعلتُم قصةَ الحُبشَان حِجّتـكُـم ولم تعُوجُوا على الأحكامِ والحِكَمِ
هَلا اعتبرتُم بِما سَمعتُه أمـكـم أن كُنتُم مِن بنيها يا أولي التُهَـمِ
ولم يُكن فِعلُهم شبهاً لِفعـلِـكُـم لكنكُم زِدتُم بالأكـلِ والـبَـشـمِ
جعلتُمُوه لأكل الخُبـزِ مـصـيدة وللفَسادِ مع الأحرارِ والـخـدمِ
جعلتُم الشيخَ هاديكُـم فـقـادَكُـمُ إلى الضّلالِ وكُنتُم مِن أولي البَكَمِ

آخر الجزء المبارك والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه.
وهي المرة الأولى التي رأى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيها جبريل في الأرض عَلَى خلقته التي خلقه الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عليها في الأرض، ولو استمرينا في الآيات لوجدنا أن هذا واضح وجلي يقول سبحانه: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى [النجم:13] أي: نزلة ثانية كما في الصحيحين ، فالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأى جبريل عَلَى خلقته التي خلقها الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عليها له ستمائة جناح قد سد الأفق، ينزل من السماء فدنى من النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهذه هي النزلة الأولى، ثُمَّ رأى مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جبريل عَلَيْهِ السَّلام مرة أخرى عند سدرة المنتهى وليس هناك دنو ولا تدلي فزال هذا الإشكال.
ثُمَّ يقول في صفحة 43: والقائلون بالرؤية يقولون: إن الرؤية ثابتة والكيفية مجهولة كما يرون أن رؤية الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- لا تكون عَلَى حقيقته جل شأنه، بل تكون عَلَى صورة تتناسب مع قوة احتمال المشاهد وإيمانه.
وفي ذلك يقول الدكتور عبد الحليم محمود : " أنا أقول برؤيته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لربه -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- وبدنوه منه سبحانه عَلَى الوجه اللائق، ويقول: إن كلمة عَلَى الوجه اللائق تفض كل نزاع، والله أعلم" نقل المؤلف عن الدكتورعبد الحليم محمود وهو معروف بالتصوف وأكثر كتبه في ذلك، فَيَقُولُ: "أنا أقول برؤيته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لربه سبحانه" وقبل هذا يقول المؤلف: إن رؤية الله -تعالى- لا تكون عَلَى حقيقته، فهي تقع ولكن تكون عَلَى كيفية أو عَلَى هيئة تتناسب مع قوة إدراك المشاهد، وهذا الكلام فيه إجمال، ما المقصود بهذه الرؤية؟ إن كانت الرؤية في الدنيا فلها كلام، وإن كانت في الآخرة فلها كلام، فإذا قلنا: إن المقصود هو رؤية الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- في الدنيا فإن الأولياء والأقطاب -كما هو في كثير من كتب الصوفية -يزعمون أنهم يرون الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- في هذه الدنيا فبماذا نجيب هَؤُلاءِ الناس؟
نقول: إن أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ من عهد الصحابة -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم- إِلَى اليوم مجمعون عَلَى أنه لن يرى أحدٌ ربَّه -عَزَّ وَجَلَّ- في هذه الحياة الدنيا بالإطلاق، إلا أن الخلاف قد وقع في حق الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقط، ولم ينقل عن أحد من الصحابة أنه رأى ربه - عَزَّ وَجَلَّ - حتى في المنام، إذاً كلامهم هذا باطل، ولا شك في ضلال من زعم ذلك، وإنما قد يكون الشيطان لبسَّ عليه فأراه أشياء أو ظهرت له أنوار أو خيالات، فَقَالَ له: إني أنا الله أو أنا ربك أو زعم أن هذا هو ربه.
بل حتى رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يرَ ربه بعينه كما في حديث أبي ذر لما سأله (هل رأيت ربك يا رَسُول الله؟ فقَالَ: نور أنَّى أراه) وفي الحديث الآخر يقول: (حجابه النور) فهو محتجب بالنور -سُب ْحَانَهُ وَتَعَالَى- فلم يره النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالعين، وإن من قَالَ: إنه رآه كـابن عباس -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما- مقصوده: أنه رآه بفؤاده أي: رآه بقلبه.
ومن ذلك حديث: (رأيت ربي في أحسن صورة) فالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم ير ربه - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - بعينه في الحقيقة، وإنما كَانَ يقول في ليلة الإسراء (رأيتُ نوراً)
والمقصود أن ابن عباس -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- يقول رؤيا عين ، أي: ليست رؤيا منام في قوله تعالى: وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [الإسراء:60] أي: ما حصل ليلة الإسراء والمعراج كَانَ رؤيا عين بالحقيقة وليس مناماً للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والكلام هنا ليس في رؤية الله، وإنما رؤية ما حدث في ليلة الإسراء والمعراج من المرائي التي رآها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الدنيا، وفي كل سماء إِلَى أن وصل إِلَى سدرة المنتهى.
وإن كَانَ المقصود رؤية الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- في الآخرة، فهذا أمر خارج عن موضوع السياق هنا والله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- إنما يتجلى الله لعباده وينعم عليهم بلذة النظر إِلَى وجهه الكريم في الآخرة، وبلا شك أن حال الآخرة غير حال الدنيا، فأهل الجنة يعطون من القوة عَلَى الإدراك -والقوة عامة- غير هذا الضعف الذي يعيشونه في هذه الحياة الدنيا، ثُمَّ نقل أن الدكتور عبد الحليم يقول: "أنا أقول برؤيته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لربه -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- وبدنوه منه سبحانه عَلَى الوجه اللائق" أيضاً يقول: إن الله تَعَالَى دنى من النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهذا الكلام أيضاً موافق لما سبق أن بينا خطأه، ثُمَّ يقول: " إن كلمة عَلَى الوجه اللائق تفض كل نزاع" والصحيح أننا نستخدم كلمة عَلَى "الوجه اللائق" في الشيء الثابت نقله، كصفة تثبت لله تعالى، نقول في ذلك عَلَى الوجه الذي يليق بجلاله بلا تكييف، لكن هذا لم يثبت، فإن ما ورد في تلك الرواية المضطربة لا يصلح به الاستدلال عَلَى مثل هذا القول، وأصل الخطأ في مثل هذه الأمور، هو الرجوع إِلَى غير هدي السلف الصالح الذين يأخذون كلامهم من كتاب الله وسنة رسوله وإجماع سلف الأمة .
فهذا كلام أئمة التصوف ويدلنا عَلَى ذلك ما نقرأ في صفحة 78 يقول في فقرة عنوانها: "الوصول إِلَى الله" أي: أن من حِكَم الإسراء والمعراج موضوع الوصول إِلَى الله، يقول: عبد الحليم محمود : "بعد وصول الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى ربه تعالى، أصبح هدف السالكين إِلَى الله الوصول إِلَى جنابه، والوصول إِلَى الله يعني زوال القلق والاضطراب النفسي، وزوال همَّ الرزق والخوف من الموت، وزوال كل ما يصرف الإِنسَان عن الله تعالى، وزوال كل ما يشغل بؤرة تفكيره عنه، كما يعني من جانب آخر الرقي الروحي الدائم، والفيوضات الإلهية المستمرة، والمعرفة اللدنية المتتالية، والرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصل إِلَى هذا المنتهى وأمر أن يقول: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [طـه:114] وزيادة العلم في عرف أولياء الله إنما هو زيادة السعادة، من أجل ذلك قال أحد العارفين: نَحْنُ في سعادة لو عرفها الملوك لجالدونا عليها بسيوفهم".
فهذه جملة من الأخطاء المركبة التي ينبغي أن توضح، وأمثال هذه العبارات الأدبية المجملة الموهمة تدخل تحتها منافذ البدع المؤدية إليها، فأول شيء يفهم من قوله: "بعد وصول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى ربه أصبح هدف السالكين إِلَى الله الوصول إِلَى جنابه" معنى ذلك: أن الصحابة -رضوان الله تَعَالَى عليهم- قبل حادثة الإسراء والمعراج كَانَ هدفهم أن يعبدوا الله من أجل أن يدخلوا الجنة ويفوزوا برضوان الله، فلما جاءت هذه الحادثة وبلَّغهم إياها -النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -قالوا من الآن- يصبح هدفنا أننا نصل إِلَى جناب الله وهذا الكلام غير صحيح، لأن الصحابة -رضوان الله تَعَالَى عليهم- لم يكونوا يعتقدون ذلك.
فالسالكون أناس غير الصحابة، فالصوفية في القرن الثالث وما بعده سموا أنفسهم "السالكين" ويقولون: إن أهم شيء هو الوصول، فأول ما يبتدأ الإِنسَان به في طريق التصوف يسمى مريداً ثُمَّ سالكاً ثُمَّ واصلاً، فيكون هدف السالكين الوصول، والوصول له معنى آخر لا علاقة له بقضية الإسراء والمعراج، ولا بما حصل للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ بين الوصول بكلام آخر يقول: "والوصول إِلَى الله يعني زوال القلق والاضطراب النفسي وزوال هم الرزق والخوف من الموت، وزوال كل ما يصرف الإِنسَان عن الله تعالى، وزوال كل ما يشغل بؤرة تفكيره عنه".
وهنا انتقل إِلَى موضوع آخر هو: زوال القلق والهم والاضطراب وكل ما يصرف الإِنسَان عن الله تَعَالَى -مع التجاوز عن العبارات التي تحتمل معانٍ مجملة- هذا الذي ذكره يمكن أن يقع لكل إنسان يعبد الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- ويؤمن به ويطمئن بقدره -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- راضياً بما كتبه الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- كما قال تعالى: " أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28] وهذا أمر يحصل لكل من آمن بالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؛ بل يحصل ذلك للإنسان بقدر ما يزداد إيمانه ، لكنه يريد أن يربط القضية بشيء آخر.
يقول: "كما يعني من جانب آخر" أي: ليس هذا هو الجانب الذي كل المؤمنين يشعرون به، وإنما هناك جانب آخر للمسألة "الرقي الروحي الدائم، والفيوضات الإلهية المستمرة، والمعرفة اللدنية المتتالية" التي يسمونها أحياناً التجليات والفيوضات والمشاهدات والكشوفات، ألفاظ مترادفة، تعني ما يقع في قلوب هَؤُلاءِ العباد الزهاد، أو في خيالاتهم عندما يظنون أنهم في تلك الحالة يبلغون درجة عالية من الإيمان بالله سبحانه، ومن هذا المدخل تدخل قضايا خطيرة جداً، كما مر معنا في مسألة التوحيد أنهم يقسمون التوحيد إِلَى ثلاثة أنواع: توحيد العامة، وتوحيد الخاصة، وتوحيد خاصة الخاصة، وهذا هو الوصول.
فالواصلون: هم الذين بلغوا توحيد خاصة الخاصة. يعني: أصبح الأمر عندهم كما يذكر هنا "أمر رقي روحي" فأصبحت هناك فيوضات، وكشوفات، وتجليات، ومشاهدات، ينقطعون بها عن الدنيا والخلق، حتى يصل الأمر من بعضهم - نسأل الله العفو والعافية - إِلَى أن يترك الجمعة والجماعة ويقول: "الذي قلبه مع الله دائماً: كيف يشتغل بهذه العبادات؟!" وهذا غاية الضلال.
وجعلوا توحيد الأَنْبِيَاء من نوع توحيد العامة، وإن ترقَّوا: قالوا من توحيد الخاصة، أما خاصة الخاصة: فهم الذين يتلقون من الله مباشرة، ويبلغ بهم الكفر إِلَى أن يقول أحدهم: ذات الحق سبحانه تجلت فيه، أو أنه هو الله، تَعَالَى الله عما يقول المبطلون والظالمون علواً كبيراً.
فأمثال هذه العبارات المجملة الموهمة: هي التي يدخل منها هَؤُلاءِ، ليقرروا عند النَّاس تلك الضلالات الخطيرة، التي لو اعتقدها الإِنسَان ووقرت في قلبه لكان خارجاً من دين الإسلام!!
ثُمَّ يقول الكاتب: والرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصل إِلَى هذا المنتهى، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى [النجم:14] فكأن المسألة فيها تأويل لقضية المعراج من أصلها فالمعراج رقي روحي، والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ترقى في الوصول إِلَى الله بالفيوضات، وبالمعرفة اللدنية حتى وصل إِلَى المنتهى .
ثُمَّ يقول: وأُمر أن يقول: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [طـه:114] والذي يدل عَلَى أن المسألة تأويل قوله: "وزيادة العلم في عرف أولياء الله إنما هو زيادة السعادة" أين العلم من السعادة؟ يعني: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً أي: ربي زدني سعادة من فيوضاتك وتجلياتك ومعرفتي اللدنية بك والأمر ليس كذلك، فقوله تَعَالَى لرسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: : وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً كما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث الصحيح: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) .
وليس الأمر مجرد السعادة أو النشوة الروحية التي تحصل للإنسان، إنما هو العلم الذي هو علم بالله وبأحكامه من الحلال والحرام، فلا شك أن معرفة الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- هي رأس العلم، كما أن الفقه في ذلك هو الفقه الأكبر، المتلقى عن طريق الوحي والأدلة، والإيمان به إيماناً صحيحاً كما أخبر سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وليس مجرد تأملات ولا نشوات، يُقَالَ: إنها فيوضات وتجليات ترد عَلَى القلب، ولذلك يدعي كل قطب أو ولي أنه تجلى له مالم يتجلى للآخر، وكلامهم في هذا يختلف، فكل منهم يدعي أن ربه تجلى له وقال له شيئاً لم يقله لغيره، وهذا الاختلاف يدل عَلَى أنها تصورات ذاتية خيالية، بحسب ما يفكر الواحد منهم وما يهتم به، تأتيه هذه الأمور، أما العلم بالله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- العلم الحقيقي، فإنه يأتي في القُرْآن وفي السنة، ويفهمه الصحابة والسلف الصالح فهماً صحيحاً فلا يختلف أبداً .
• كلمات نورانية لشيخ الإسلام ابن تيمية
وأما قول الكاتب: من أجل ذلك قال أحد العارفين: نَحْنُ في سعادة لوعرفها الملوك لجالدونا عليها بسيوفهم، هذه العبارة منقوله عن بعض السلف الصالح .
يوضح ذلك.قول شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ كما نقل عنه ذلك ابن القيم - رَحِمَهُ اللَّهُ - في المدارج يقول: "إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة"، والمقصود أن السلف الصالح يذكرون الله ويناجونه بالمشروع من العبادات، كقيام الليل، وذكراً بما ورد، فتحصل لهم الطمأنينة التي ذكرها الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28] وتحصل هذه السعادة لمن يتبع الذكر فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى [طـه:123-124].
تكفل الله تَعَالَى للمتقين أن لا يضلوا عن الطريق المستقيم ولا يشقوا لا في الدنيا ولا في الآخرة، كما قال شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: "ما يصنع أعدائي بي". ينتقمون مني بأي طريقة: ثُمَّ بين ذلك فقَالَ: "سجني خلوة" أي: إذا سجنه أعداؤه، فهذه خلوة يتمناها العلماء، ولا سيما العارفين العباد، الذين يعرفون حقيقة العلم وحقيقة العبادة وحقيقة التقوى، فهم يتمنون أن تحصل لهم الخلوة من مشاكل الدنيا، ومشاغلهم من هموم الأبناء والزوجة والناس، فيخلون في مكان يذكرون الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
"ونفيي سياحة" أي أنه لو نفي ربما يكون انتقلت أعماله وأعباؤه فلا يستطيع أن يرى ما هو خارج بيته، لأن النَّاس يفدون عليه ويأتون إِلَى بيته، وفي مسجده، فلا يرى شيئاً. فإذا نفي إِلَى جزيرة نائية، قد يرى من عجائب خلق الله -عَزَّ وَجَلَّ- ما يكون فيه راحة ومتعة وسعادة.
قَالَ: "وقتلي شهادة" أي: وإذا قتل فالْحَمْدُ لِلَّهِ هذه الشهادة، وماذا يريد المؤمن أعظم من أن ينال الشهادة نسأل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يجعلنا من أهلها.
فهذه هي السعادة التي يتكلم عنها علماء السلف فيقولون: "لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نَحْنُ فيه من السعادة لجالدونا عليها بالسيوف" يعني: لو يعلم أصحاب الدنيا والمال والملك والجاه والسلطان لقاتلونا عليها، لأن السعادة في نظرهم هي التمتع بملاذ الدنيا من أكل وشرب ونساء، وهذه هي الغاية التي يريدونها من السعادة.
وأكثر النَّاس يبحثون عن السعادة، لكن طريقهم ليس هو طريق السعادة؛ لأن الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- جعل الحياة الدنيا طريق الشقاوة، "شقاوة المعيشة والضنك" عَلَى أرجح التفسيرين: ومعايش: جمع معيشة وهي الحياة، وبعدها وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى [طـه:124].
الحياة الدنيا معيشة ضنكا، وهذا أرجح من أن نقول: إنها في القبر، ثُمَّ يَوْمَ القِيَامَةِ يحشر أعمى، فأين السعادة وأين الطمأنينة!! يبحثون عنها فلا يجدونها ولو أن أحداً من هَؤُلاءِ النَّاس في أثناء بحثه عن السعادة قيل له: صلِّ في جوف الليل، واحضر مجالس الذكر والعلم، وحافظ عَلَى صلاتك في الجماعة، وغير ذلك من الطاعات، فإن الشيطان يخيل له أن هذا هو غاية الشقاوة.
فهو فار من الشقاوة، ويريد الرفاهية والطمأنينة والسعادة،ووالله لو دخل في الطاعة لوجد ما يسعى إليه، ولو قيل لمن أقبل عَلَى الله يذكره ويطيعه: ما هي السعادة التي تشعر بها؟ لقَالَ: نَحْنُ في سعادة ولو علم الملوك وأبناء الملوك ما نَحْنُ فيه لجالدونا عليه بالسيوف.
وهذه السعادة ليست مرئية واضحة، لكن إذا كَانَ عندك عمارة ثلاثين دوراً فإن كل النَّاس - التجار والأغنياء والملوك - يقولون: ليت عندنا مثله؛ لأنهم يرونها، لكن طمأنينة القلب لا يراها أحد، فيتصورون أنك تعيش في ضيق، وفي ألم، ولا يعلمون أنك تجد الراحة العظيمة في ترفعك عن هذه الشهوات التي لو عرضت عليك عرضاً لأبيتها، ولو عرضت عليك وأعطيت معها ملايين الدنيا لأبيت.
ولو وجدتم مَنْ مَنَّ الله عليه بالهداية لتعجبتم منه، يخبركم: كيف كَانَ في حالة المعصية! وكيف كَانَ يبحث عن اللذة والشهوة في كل مكان! فلا يجد إلا الشقاء والخسارة والنكد والضيق في الحياة، والهم الذي لا يفارقه، فلما آمن واطمأن بالله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- أصبح يرى السعادة الحقيقية، ولو فقد هذا المؤمن التقي ابنه أو زوجه فإنه يطمئن إِلَى قول الله تعالى: الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:156-157] ويفرح لأنه موعود بصلوات من الله، ورحمة، وهداية، ويقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، إن لله ما أخذ وله ما أعطى، فيجد الطمأنينة والراحة في موقف ألم وبكاء وحزن ، لكن الذي لا يؤمن بالله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- لا يشعر بهذه السعادة، فإذا غيرته المعشوقة وعشقت أو هويت غيره انتحر.
وهذه الصفقة التجارية التي كَانَ يؤمل فيها حصلت فيها الخسارة فانتحر والعياذ بالله، فكل شخص غير مؤمن قابل أن يبيع نفسه بأرخص الأثمان؛ لأنه كما قال الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ [الحشر:19]، لما نسي الله أنساه نفسه، فيعيش في قلق واضطراب وتخبط، يعمل لكل شيء إلا لنفسه، فلما نسي ربه، أنساه الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- نفسه، فهو يجمع المال للورثة يقول ابن آدم: مالي مالي -هكذا يقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هكذا حال النَّاس والحقيقة: ليس لك يا ابن آدم إلا ما قدمت فأبقيت، أو أكلت فأفنيت، والباقي للورثة، لا يهنأ بلذة في ماله وملكه.
• كيف كانت رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه؟
لم ير النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ربه -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- إلا مناماً بفؤاده، والرؤية بالفؤاد: هي التي تفسر لنا أنه رآه مرة في المنام في الدنيا، ومرة عند سدرة المنتهى وإذا قلنا: إن موسى -كليم الله- قد سأل ربه -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- أن يراه، ومع ذلك قَالَ: لَنْ تَرَانِي [الأعراف:143].
ويقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إن أحدكم لن يرى ربه -عَزَّ وَجَلَّ- حتى يموت) فهذا مما يدل عَلَى أنه لا يرى أحد الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- في الدنيا ولو كانت الرؤيا ممكنة فلماذا نقول: لم يره موسى عَلَيْهِ السَّلام؟ فهو لما منع من الرؤية، قال الله تَعَالَى له: لَنْ تَرَانِي وكان من الممكن أن يعوض عنها في المنام؛ لأن رؤيا الأَنْبِيَاء عليهم السلام حق ووحي.
فإذا جَاءَ في آخر الزمان رجل وقَالَ: أنا أرى الله -عَزَّ وَجَلَّ- وصدقناه فقد قلنا: إنه يحصل له مالم يحصل للأنبياء، وكذلك نفهم من إطلاق حديث: (إن أحدكم لن يرى ربه عزوجل حتى يموت) أنه لن يراه في الدنيا أحد، ويدل عَلَى هذا أيضاً اختصاص المؤمنين برؤية الله في الجنة.
وهناك كتاب اسمه الرؤى والأحلام تأليف الشيخ أحمد عز الدين يقول فيه: "اتفق العلماء عَلَى أن الصالحين يرون الله تَعَالَى في المنام" فقوله: "اتفق العلماء" هذه كلمة عظيمة وخطأ كبير فاحش، لا يجوز أن يقَالَ: وقع الاتفاق، وإنما وقع في كلام بعض العلماء ما قد يشعر بذلك، ولكن لو عرضنا ذلك عَلَى الأدلة الصحيحة -كما سبق- لما ثبت من ذلك شيء، ونقول: يكفينا أنه لم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين أنه رأى ربه -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- في المنام، ولو أن أحداً حصلت له وكانت رؤيا حقيقة أي: مناماً حقيقياً وليست تلبسيات شيطانيه لشارك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ذلك.
فنقول: إنه لا يصح أن أحداً رأى ربه - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - في المنام، وما قاله بعض العلماء فإنه عَلَى سبيل التنزل مع أصحاب التصوف وأمثالهم، ولعله يأتي لها موضع آخر نبسط الكلام فيه -إن شاء الله- أما قوله تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكا [طـه:124] فالإعراض عن ذكر الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- يقع من الكفار: وهو الإعراض الكلي، ويقع من الْمُسْلِمِينَ: وهم العصاة، وهو إعراض جزئي، فبقدر الإعراض عن ذكر الله تكون الشقاوة، والإعراض الكلي يسبب الشقاوة الكلية، كما هو حال أهل الكفر اليوم، والإعراض الجزئي يسبب الشقاوة الجزئية كما قال بعضالسلف : "إني لأرى أثر معصيتي في خُلق خادمي ودابتي".
فالإعراض عن ذكر الله، والمعصية بصفة عامة يظهر أثرها عَلَى الإِنسَان في الدنيا بقدر ما يكون إعراضه، ولا ينافي ذلك أن الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- يستدرج بعض النَّاس ويمدهم بأموال وبنين، ويظنون أنهم يسارع لهم في الخيرات، وليس هو بمسارعة في الخيرات وإنما هو استدراج.
ثُمَّ يقول: "لعل النَّاس لم يختلفوا في شيء كما اختلفوا في شأن الإسراء والمعراج" وهذا كلام غير صحيح! أين الخلاف الذي وقع؟ فالذين خالفوا في الإسراء والمعراج -كما أوضحنا- هم أهل ضلال، وإذا قامت عليهم الحجة، وكذبوا بالإسراء والمعراج، فإنهم كفار مرتدون؛ لتكذيبهم لما ثبت في الكتاب والسنة وهذه العبارة ليست في محلها.
ومن المهم في ذلك ما قال في صفحة (84، 85) ومعناه: "إن الأمر يشكل عَلَى بعض النَّاس فيقولون: وهل لله -عَزَّ وَجَلَّ- مكان يعرج إليه الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" انظروا إِلَى العقول القاصرة!!
إذا أراد أن يتكلم عن الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- وكأنما يتكلم عن أي مخلوق، أو عن أي أحد منَّا، فَيَقُولُ: "هل لله مكان يعرج إليه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟! ثُمَّ يجيب، فَيَقُولُ: إن الله تَعَالَى ليس بعيداً عن رسوله حتى يقطع للقاءه هذه الأبعاد الشاسعة في السماوات العلى، بل هو معه حيث ما كَانَ وهو أقرب إليه من حبل الوريد؛ بل قريب من عباده جميعاً" وإذا كَانَ قريباً منهم جميعاً فلماذا الإسراء والمعراج؟ وما فَضْل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وما هو اختصاصه، انظروا إِلَى الاضطراب كيف يقع!!
ثُمَّ جَاءَ بالآيات وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ [البقرة:186] ثُمَّ أخذ يبين المجموعة الشمسية والسماء وما إِلَى ذلك من كلام لا ضرورة له أصلاً.
والمقصود أن هذا الكاتب خلط بين المعيتين: المعية العامة، والمعية الخاصة، وخلط في العلو، فلم يستطع عقله أن يوفق بين إثبات علو الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- كما أخبر وبين معيته، ولذلك فالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما عرج به، بلغ تلك المنزلة التي لم يبلغها أحد أبداً فلو كَانَ الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- قريب من جميع الخلق بذاته فما وجه الاختصاص للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فعندما عُرج به إِلَى السماء كَانَ قريباً من ذات الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
والمعية الخاصة هي بمعنى: النصر والتأييد والتوفيق، وهذه ثابتة للمؤمنين، وأخصهم في ذلك الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُم [الحديد:4] وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيب [البقرة:186] هذه المقصود بها: قرب النصر والتأييد والإجابة -إجابة الداعي إذا دعاه- فهو قريب من المؤمنين بهذه الحال، وبعيد عن الكفار أي أنه لا يسمعهم ولا يستجيب لهم أبداً سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، لأنه قَالَ: وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ [الرعد:14] هذا بالنسبة لمعيته ولقربه، أما ذاته -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- فهو كما أخبر أنه فوق العرش -فوق المخلوقات- في السماء.
الحوض 1
استفتح الشيخ -رعاه الله- درسه بالكلام على الحوض وذكر أنه من الإيمان بالغيب، وذكر خلاف العلماء في مسألة: هل الحوض خاص بنبينا عليه الصلاة والسلام أم أنه ثابت له ولغيره من الأنبياء؟ وبيَّن حكم من أنكر الحوض، ثم شرح أحاديث الحوض .
1 - أهمية موضوع الحوض
قال أبو جعفر الطّّحاويّ :
[والحوض الذي أكرمه الله تَعَالَى به غِيَاثاً لأمته حق ]
قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
[الأحاديث الواردة في ذكر الحوض تَبْلُغُ حَدَّ التواتُرِ، رواها من الصحابة بِضْعٌ وثلاثونَ صحابياً، رضي الله عنهم، ولقد استقصى طرقها شيخنا الشيخ عِمَادُ الدين ابن كثير -تغمده الله برحمته- في آخر تاريخه الكبير المسمى بـالبداية والنهاية .
فمنها: ما رواه البُخَارِيّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى عن أنس بن مالك رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أن رَسُول الله صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال (إن قدر حوضي كما بينأيلة إِلَى صنعاء من اليمن وإن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء) .
وعنه أيضاً عن النبي صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (ليردن علي ناس من أصحابي الحوض حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني فأقول: أصيحابي، فَيَقُولُ: لا تدري ما أحدثوا بعدك) ورواه مسلم .
وروى الإمامُ أَحْمَد عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قَالَ: (أغفى رَسُول الله صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إغفاءةً فرفع رأسه متبسماً إما قال لهم وإما قالوا له:لم ضحكت؟ فَقَالَ رَسُول الله صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنه نزلت عليّ آنفاً سورة فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1] حتى ختمها، ثُمَّ قَالَ: هل تدرون ما الكوثر؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قَالَ: هو نهر أعطانيه ربي -عَزَّ وَجَلَّ- في الجنة، عليه خير كثير، ترد عليه أمتي يَوْمَ القِيَامَةِ، آنيته عدد الكواكب يُخْتَلجُ العبد منهم، فأقول: يارب إنه من أمتي، فيُقَالُ: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) .
ورواه مسلم ، ولفظه (فإنه نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يَوْمَ القِيَامَةِ) والباقي مثله. ومعنى ذلك أنه يَشْخُبُ فيه مِيزَابَانِ من ذلك الكوثر إِلَى الحوض] اهـ.
الشرح:
هذا الموضوع هو أحد أمور الغيب التي صح بها الخبر وثبتت عن النبي صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأحاديث كثيرة، وهذا مما يجب الإيمان به، فيجب أن نؤمن بالحوض، وبالصراط وبالميزان، وبجميع ما أخبر الله به ورسوله صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أمور الغيب، والمراد إثبات هذه العقيدة، والرد عَلَى من خالف فيها وإبطال شبههم، وقوله: (والحوض الذي أكرمه الله تَعَالَى به غياثاً لأمته حق)، والضمير في (أكرمه) يعود إِلَى النبي صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وابتدأ المُصنِّفُ ببيان الأحاديث الواردة في الحوض وأنها تبلغ حد التواتر.
2 - خلاف العلماء في اختصاص النبي صلى الله عليه وسلم بالحوض
اختلف العلماء في الحوض: هل هو مختص بالنبي صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أم أن غيره من الأَنْبِيَاء لهم حوض؟
وسبب الاختلاف: يرجع إِلَى الحكم في تصحيح النقل في ذلك، لأن علماءأهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ كما علمنا في باب المغيبات وغيرها إنما يتبعون النقل الصحيح عن النبي صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فهذا النقل ورد فيه حديث وراه التِّرْمِذِيّ (إن لكل نبي حوضا) وهذا الحديث قال التِّرْمِذِيّ بعد أن ذكره، اختلف في وصله وإرساله، والمرسل أصح، وهذا القول هو الصحيح.
وقال الحافظابن حجر -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- المرسل أخرجه ابن أبي الدنيا بسند صحيح عن الحسن فالحديث مرسل، فمن يعمل بالمرسل -من الفقهاء- فقد رأى أن هذا الحديث صحيح وثابت، والاستدلال به جائز، ومن كَانَ لا يقبل المرسل أو لا يعمل به أولم يثبت لديه هذا الحديث -وهو مذهب المحدثين- فلا يثبت، وعليه فلا نثبت لغير النبي صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حوضاً، إلا أن يصح النقل من غير هذه الطريق .
ولهذا عقب الحافظ ابن حجر -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- عَلَى هذا فقَالَ: "فإن ثبت فالمختص بنبينا صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الكوثر الذي يصب ماؤه في حوضه، فإنه لم ينقل نظيره لغيره فوقع الامتنان عليه به في السورة المذكورة)، وهذا الكوثر كما مر معنا في طرق حديث الإسراء: نهر في الجنة، وهذا النهر الذي في الجنة -كما سيأتي في الحديث الذي رواه الإمام أَحْمَد هنا- هو يصب في الحوض، وبهذا يجمع بين الروايات في الحوض وفي الكوثر.
وروى الإمام أَحْمَد - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - وهو من ثلاثياته عن أنس ، قَالَ: أغفى رَسُول الله صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إغفاءةً فرفع رأسه متبسماً إما قال لهم وإما قالوا له: لم ضحكت؟ فَقَالَ رَسُول الله صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنه أُنزلت علي آنفاً سورة فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [الكوثر] حتى ختمها ثُمَّ قال لهم: هل تدرون ما الكوثر؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قَالَ: هو نهر أعطانيه ربي -عَزَّ وَجَلَّ- في الجنة عليه خير كثير ترد عليه أمتي يَوْمَ القِيَامَةِ آنيته عدد الكواكب يختلج العبد منهم، فأقول: يا رب! إنه من أمتي، فيُقَالُ: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك .
ورواه مسلم ولفظه: ( إنه نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير هو حوض ترد عليه أمتي يَوْمَ القِيَامَةِ )، فيلاحظ أنه سمى النهرُ حوضاً، والحوضُ نهراً، وذلك ثابت في طرق كثيرة غير هذه .
3 - إنكار بعض الطوائف للحوض
الذين أنكروا الحوض: هم طائفة قليلة من أهل البدع والضلال، وبعض فرق الخوارج ، وبعض المعتزلة وتأولوه وَقَالُوا: لا يثبت للنبي صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حوض، وإنما هذا كناية عن الكرم والعطاء.
• حكم من أنكر الحوض
وهذا المذهب لا دليل عليه، لا من النقل ولا من العقل والنظر، فما الذي يمنع أن الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- يجعل كرمه وعطاءه إكراماً للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في صفة هذا الحوض،ولا سيما في ذلك اليوم الذي هو يوم العطش الأكبر "يَوْمَ القِيَامَةِ" حين تدنو الشمس من النَّاس عَلَى مسافة ميل فمنهم من يلجمه العرق إلجاماً، ومنهم من يبلغ العرق إِلَى منكبيه، ومنهم يبلغ إِلَى سرته، ومنهم من يبلغ إِلَى ركبتيه، ففي ذلك اليوم تكون المنة، ويكون التكريم العظيم من الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- عَلَى نبيه مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع الشَّفَاعَة العظمى.
فليس هناك أدنى شبهة لا نقلية ولا عقلية لمن ينكر الحوض ، وقد ثبت بالتواتر ومعنى ذلك: أن منكره بعد قيام الحجة عليه كافر، فمن أنكره فقد أنكر أمراً معلوماً بالتواتر.
• متى ظهر منكري الحوض
نقل إنكار الحوض في أواخر عصر الصحابة، حتى أن أنس بن مالك وهو من أواخر الصحابة -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم جميعاً- وفاةً، قَالَ: "ما ظننت أني أعيش حتى أسمع من ينكر الحوض".
وكما ظهرت البدع الأخرى حين ظهرت القدرية والمرجئة في أواخر عصر الصحابة، بخلاف الرافضة والشيعة والخوارج فإنها ظهرت في زمن أمير المؤمنين عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِب رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ وعن أصحاب نبيه أجمعين.
• هل عبيد الله بن زياد أنكر ثبوت الحوض؟
وممن نُقل عنه إنكار الحوض كما ذكر ذلك الحافظابن حجر وجمع طرفاً فيه: هو عبيد الله بن زياد أميرالعراق ؛ لكن الذي يظهر لمن تأمل ما ورد عن عبيد الله بن زياد أنه لم ينكر الحوض.
• وجوب تعليم الناس العلم
لهذا وجب عَلَى الْمُسْلِمِينَ أن ينشروا العلم، لأن العلم لا يموت حتى يكون سراً كما قال ذلك أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- فالعلم يجب أن يظهر وينشر ولا يقَالَ: هذا الموضوع لا يجوز التحدث عنه ولا يهم الكلام فيه فما كَانَ من أمور ديننا -من أمور الغيب- نظهره للناس ونبينه لهم فيزداد العالم علماً ويعلم الجاهل، وتقوم الحجة عَلَى المنكر والمعاند.
4 - أحاديث الحوض
هذه الروايات التي وردت في الحوض ذكر المُصنِّفُ -رَحِمَهُ اللهُ- أنها بلغت حدًّ التواتر فقد رواها من الصحابة -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم- بضع وثلاثون صحابياً، ثُمَّ قَالَ: ولقد استقصى طرقها شيخنا الشيخ عماد الدين ابن كثير -تغمده الله برحمته- في آخر تاريخه الكبير المسمى البداية والنهاية في الجزء الأخير الذي هو النهاية في الفتن والملاحم، وذكر فيه أشراط الساعة وعلاماتها وأهوالها، ولقد ذكر الحافظ ابن حجر - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - في الفتح من نقل هذه الطرق وعددها.
ويقول عن نفسه: "فزدت عليهم أجمعين قدر ما ذكروه سواء، فزادت العدة عَلَى الخمسين"، ويقول: "بلغني أن بعض المتأخرين وصلها إِلَى رواية ثمانين صحابياً" وهَؤُلاءِ الصحابة الحديث عن بعضهم فيه ضعف ولا يعني أن الثمانين قد صحت الرواية عنهم كلهم لكنها وردت عنهم، والإمام البُخَارِيّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- ذكر في آخر كتاب الرقاق من صحيحه أحاديث الحوض من تسعة عشر طريقاً، وأشهر هَؤُلاءِ الصحابة الذين يروون عنهم هذا الأحاديث هم:
أنس بن مالك ، وحذيفة ، وعبدالله بن مسعود ، وأبو بكرة ، وسهل بن سعد ، وجندب بن عبد الله ، وابْنُ عُمَرَ ، وابن عباس ، وابن عمرو ، وأَبُو هُرَيْرَةَ ، وأم المؤمنينعَائِِِشَةَ ، وأم المؤمنين أم سلمة ، وأبو ذر ، وعقبة بن عامر ، وحارثة بن وهب ، والمستورد ، وثوبان ، وجابر بن سمرة وهَؤُلاءِ هم أشهر من صحت الطرق عنهم في الصحيحين وغيرها، وورد عن غيرهم، كـأبي بكر الصديق ، وأسماء بنت أبي بكر .
فالمقصود أن ثبوت هذا الحديث مثل الشمس، لا يماري ولا يجادل فيه أحد، وأنه كرامة للنبي صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنه يكون يَوْمَ القِيَامَةِ، وأن أمته ترده، وورد أحاديث كثيرة في وصفه عَلَى اختلاف الروايات، منها ما ورد في عرضه، وما ورد في آنيته، وما ورد في بياضه وحلاوته، وما ورد أيضاً من ذود النَّاس عنه، وقد ذكر المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ رواية أنس يقول: [منها: ما رواه البُخَارِيّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- عنأنس بن مالك رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- أن رَسُول الله صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (إن قدر حوضي كما بين أيلة إِلَى صنعاء من اليمن وإن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء )] هذا الحديث ذكره البُخَارِيّ في نفس باب الحوض من كتاب الرقاق في آخره، وأيضاً أخرجه الإمام أَحْمَد .
وله حتى إن حديث أنس له طرق أخرى، فالمصنف اختار الرواية التي فيها أن قدره كما بين أيلة إِلَى صنعاء ؛ وكأنه تعمد أن يختار هذه الرواية التي ذكر فيها قدر الحوض.
وأيلة هي المعروفة باسم إيلات وهي كما وصفها الحافظابن حجر يقول: إنها في زمانه مدينة خربة عَلَى الخليج بجوار العقبة، وهي الآن معمورة ومعروفة وتسمى إيلات وهي ميناء لليهودقبحهم الله تَعَالَى ونسأل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يذلهم ويخذلهم وأن يردها أرضاً للمسلمين كما كانت وهي عَلَى الخليج المسمى بخليج إيلات ، والذي يسميه العرب خليج العقبة وكأن هذه كما يظهر من أطول المسافات.
• اختلاف الروايات في تحديد عرض الحوض لا يعني أن الحديث مضطرب:
والذي ينبغي أن يُعلم أن اختيار المُصْنِّف لهذه الرواية لا يعني أن غيرها لم يصح، فالروايات الصحيحة كثيرة ومختلفة في تحديد المسافة في عرض الحوض، حتى أن بعض النَّاس توهم أنها من قبيل الاضطراب في الحديث؛ لأن فيها ما بين أيلة إِلَى مكة وما بينصنعاء إلى مكة .
وفي بعضها ما بين أذرح إِلَى جرباء .
وفي بعضها ما بين عمان إلىأيلة .
وبعضها بين عمَّان .
وبعضها بصرى .
وبعضها ما بين صنعاء وعدن ، فذكرت عدة مناطق وعدة مدن؛ نظراً لكثرة الروايات.
• العلة من تعدد الروايات من قبل الرواة
لا شك أن كثرة الروايات، وكثرة الرواة والطرق، قد يكون الخلاف يعود إِلَى عدم ضبط بعض الرواة، وقد يعود إِلَى أن المسافات تختلف بحسب السرعة والإبطاء، فقد تكون مسافة ما بين بلد وبلد بحسب سرعة الإبل السريعة مثلاً، أو الخيل السريعة، وبين بلد وآخر، ولكن بحسب سرعة أخرى.
وقد يكون بحسب المقامات التي ذكرها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد تكون بحسب القبائل، فإذا جاءته قبيلة من جهة ما وصف لهم عرض الحوض أو طوله بحسب ما يعرفون من المدن إن كانوا من اليمن بيَّن لهم بمدن من اليمن ، وإن كانوا من أهل الشام بين لهم بمدن منالشام والله أعلم.
والمسألة ليست -ولله الحمد- مما يقتضي الإشكال، وإنما المراد من المثال أن هذا الحوض طويل وعريض، وأنه بهذه السعة، وبهذا العرض وبهذا الطول، هذا هو غاية ما ينبغي أن يفهم، ثُمَّ يقول: (وعدد ما فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء) وهذا أيضاً دليل عَلَى كثرته، فهو طويل وعريض، وهو أيضاً كثير الأباريق وكثير الكيزان، كما وردت في روايات أخرى، والكيزان: جمع كوز.
5 - ذود أناس من أمته صلى الله عليه وسلم عن الحوض
وعن أنس -رضي الله عنه- أن النبي صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (ليردن عليّ أناس من أصيحابي حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني، فأقول أصيحابي، فيُقَالُ:: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) وكأن المُصنِّفُ اختار الحديث الأول ليدلنا عَلَى المسافة.
واختار الحديث الثاني لشيء آخر هو شأن الذين يُردَّون ويذادون عن الحوض، ولو نظرنا إِلَى حديث سهل بن سعد وهو أيضاً مما رواه البُخَارِيّ وفي رواية أبي سعيد يقول النبي صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إنهم مني، فيُقَالُ: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً لمن بدل بعدي).
والأحاديث غير هذين الحديثين أيضاً كثيرة في خصوص هذه القضية، وهي أنه يذاد عن حوضه صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعض هذه الأمة وأنه صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يستغرب ذلك، ويقول: أمتي أمتي، أو أصحابي أصحابي، وأن الجواب يكون إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، أو إنهم غيروا وبدَّلوا، فهَؤُلاءِ قوم كانوا يستحقون الرد بما ارتكبوا، وبدلوا، وبما حرفوا، وابتدعوا في دين الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، حجبوا ومنعوا من ورود الحوض، وصحت الرواية أنه (من شرب منه لم يظمأ بعدها أبداً)
• هل الصحابة ارتدوا كما زعمت الرافضة
ولورود الآحاديث السابقة برز قرن فرقة خبيثة وطائفة من أعظم طوائف هذه الأمة نفاقاً -كما وصفهم بذلك العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم- وهم: الروافض عليهم من الله ما يستحقون.
فقالوا: إن هذا الحديث دليل لمذهبهم الخبيث بأن أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد ارتدوا من بعده إلا أربعة نفر، وعلى أكثر أقوالهم: إنهم اثني عشر فقط، وأما البقية فإنهم قد ارتدوا عَلَى أعقابهم وأنهم يطردون عن الحوض.
فيقولون: إن سبب ذلك أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في منصرفه من حجة الوداع، وبعد أن أراد أن يكمل الدين وأن يودع الْمُسْلِمِينَ ويبين لهم أحكام الدين جميعاً، أخذ يجدد عليهم العهد في إمامة عَلِيّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- من بعده لأنهم يقولون: العهد قديم، ونزلت فيه آيات، وقرأها الصحابة، وبلغهم إياها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهذه الآيات تدل عَلَى إمامة عَلِيّ من بعده وأنه الوصي.
وَقَالُوا: إن معرفة الإِنسَان لإمامته ركن من أركان الدين وأصل من أصوله، ولا بد منه، فالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يُخِفي شيئاً من الدين، فقد بلغ هذا الركن وهذا الأصل، ومن ذلك: أنه في غدير خم -كما يسمونه- أشهد الصحابة جميعاً وجمعهم -وكانوا آلاف مؤلفة- وبلغهم هذا وأخذ عليهم العهد والميثاق أن الخليفة من بعده هو عَلِيّ ولكن الذي حصل: أنهم ما كاد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يموت، حتى اتفقوا جميعاً وتواطئوا وكتموا الآيات والأحاديث، وكتموا هذه الوصية، وحولوا الخلافة إِلَى أبِي بَكْرٍ ثُمَّ عُمَر ثُمَّ عثمان وغمطوا علياً وأهل البيت حقهم؛ وأنكروا أصلاً من أصول الدين وركناً من أركان الإيمان والإسلام.
ويقولون: هَؤُلاءِ هم من الصحابة الذين كانوا في عهد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولكن يَوْمَ القِيَامَةِ يأتون والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يدري ما أحدثوا من بعده، فيطردهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويقول لهم: سحقاً وبعداً ولذا طردوا؛ لأنهم غيروا ونقضوا وصيته لابن عمه عَلِيّ ، هذا هو قول الرافضة .
• مقتضى كلام الرافضة في الصحابة
كلام الرافضة في الصحابة يقتضي أموراً كثيرة منها:
أولاً: أن الصحابة الكرام -رضوان الله تَعَالَى عليهم- كفار مرتدون متواطئون عَلَى ترك أمر من ضرورات الدين وأصل من أصوله وركن من أركانه.
ثانياً: أن هذا طعن في جميع أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى في الأربعة الخلفاء ومنهم عَلِيّ ! ومن معه؛ لأن هذا ركن من أركان الدين فترك هذه الألوف المؤلفة هذا الأصل وسكوت الأربعة عنه، ومنهم عَلِيّ -لأنه لم يقم بأي عمل، ولم يقل للناس أخرجوا عليهم، ولم يثأر من أجل أصل من أصول الدين- إذاً: كل الصحابة متهمون بموجب هذه الدعوى، فليس فيهم مؤمن بل كلهم كفار، والأربعة منافقون.
ثالثاً: وهذا القول فيه اتهام للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نفسه لأنه هو الذي زكاهم ورباهم، وهو الذي مدحهم، وأثنى عليهم، وجاهد بهم الكفار، وعاش بينهم، وأخذوا منه أخلاقهم ومعاملاتهم، وكل ما يتصفون به من الصفات النبيلة والحميدة أخذوها من النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإذا كانوا أخذوا منه هذا ويصلون إِلَى حد أنهم وهم ألوف مؤلفة يتواصون ويتواطئون ويتفقون عَلَى ترك ركن من أركان الدين وأصل من أصوله؛ ليجحدوا ابن عمه فضله وحقه، فإذاً هو الذي رباهم عَلَى الغش والخداع والتواطؤ والنفاق والكذب كيف يصحبونه ويكونون من خاصته ومن أصفيائه وحواريه، وهم خونة وكذبة وفجرة، يتواطئون عَلَى أمر من أمور الدين العظيمة ويكتمونه، ويتواطئون عَلَى رجل عظيم فيغمطونه حقه؟!
ولو اتفقوا عَلَى دينار من الحرام لكان هذا طعن فيهم، فكيف وهذه قضية من أمور الدين ومن أصوله الكبرى، مثلاً: لو أنك وجدت مجموعة من الطلاب يدَّعون الإسلام والدين الصحيح، وَقَالُوا: الذي ربانا عَلَى هذا الدين شيخنا فلان، وكانوا يعظمونه ويتبعونه، فلما جالستهم وخبرتهم وعرفت أفعالهم، وجدتهم عَلَى بدعة وعلى كذب وزور وفجور؛ كيف يكون ظنك بشيخهم؟! بطبيعة الحال نقول: هذه تربيته، وهذه طائفته.
إذاً: هذا طعن بلا ريب في رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأكبر من ذلك وهو جلي أيضاً أن يقَالَ: إن هذا الطعن في أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو أيضاً اتهام وسب لله عَزَّ وَجَلَّ؛ لأنه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أثنى عليهم ومدحهم وزكاهم في كتابه العزيز وبين أحوالهم وصفاتهم الجليلة ولم ينزل هذا الدين إلا عليهم، فاصطفاهم واختارهم ليكونوا حواريين وأصحاباً لرَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ نصرهم الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- عَلَى اليهود والنَّصَارَى والمجوس وعلى أهل مكة الذين كانوا يدعون أنهم عَلَى دين إسماعيل، ويظهرهم عَلَى الدين كله ويمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، ويبدلهم بعد الخوف، والذل عزاً وأمناً وأصبحت الدنيا كلها تلهج بذكرهم وبثنائهم ويشتهر عنهم العلم في آفاق الدنيا.
فكل هذا يحصل من الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- وحياً منزلاً ونصراً وتأييداً بالواقع المشاهد، ويكون هذا العمل ويقع لأناس مرتدين منافقين كاذبين متواطئين ومتآمرين، وهذا يتنافى مع حكمة الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- وهو تكذيب لكتاب الله، فإنه قد جرت السنن الربانية الموصوفة في التاريخ أن الله يذل الكاذب الفاجر الظالم الغادر ولو بعد حين، وأن الله يفضحه ويخزيه ويعرف النَّاس حقيقته.
أما وهو بهذا الشكل، يشهد أبناء الدنيا جميعاً مؤمنها وكافرها بإجماع التاريخ البشري الموجود أنه لا يوجد أمة أطهر ولا أزكى من هذه الأمة ويكونون في الحقيقة والواقع خونة متآمرين إِلَى آخره، هذا اتهام لله - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- وسبٌ له، وطعن فيه وفي دينه وفي كتابه بلا ريب.
6 - تفسير روايات حديث الحوض
قد يقول قائل: كيف نفسر الحديث، وكيف نستشهد به في موضوعه الصحيح؟ وفي بعض روايات الحديث: أصحابي وفي بعضها: أمتي والجواب عَلَى التفصيل الآتي:
• تفسير رواية ( أمتي أمتي )
الروايات التي فيها " أمتي أمتي " لا إشكال أن في هذه الأمة من يذاد عن الحوض؛ لأن فيهم من أهل البدع والنفاق والضلال أو ليس المنافقون يَوْمَ القِيَامَةِ يطمعون أن يحشروا مع المؤمنين لأنهم منهم، ولكن يضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، ويظنون أنهم من هذه الأمة ويحاولون السجود ولكن تتصلب ظهورهم، وهَؤُلاءِ ممن يحسب في الدنيا أنهم من هذه الأمة، ويتبين لهم يَوْمَ القِيَامَةِ أنهم ليسوا من هذه الأمة وإن انتسبوا إليها.
ومن أولى النَّاس بهذا الطرد الرافضة : لأننا إذا أثبتنا أن أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يشربون من الحوض، وأنهم كذلك بلا ريب، فإن من أبعد النَّاس عن مشاركتهم فيه من يكفرهم ويلعنهم ويعد ذلك ديناً له، فـالخوارج والروافض وأهل الضلالات ينطبق عليهم هذا الحديث: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) فإن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يعلم الغيب.
وقد أَحدث بعده الطوائف من الضلالات والبدع ما هو كفر وخروج من الدين، فمن كَانَ ينتمي إِلَى هذه الأمة، ولكنه في الحقيقة ليس منها، فإنه لا يَرِدَ الحوض ولا يشرب منه، وبالتالي لا يدخل الجنة لأنه مرتد منافق -نسأل الله العفو والعافية- وهذا حال بعض أهل الفرق وأهل البدع، فهذا تفسير رواية: (أمتي أمتي).
• تفسير راوية: ( أصحابي أصحابي )
الرواية الثانية قوله: (أصحابي أو أصيحابي) لا إشكال فيها، لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آمن به في حياته جمع كثير بل كل العرب أرسلت إليه الوفود فمثلاً من الوفود التي جاءت إِلَى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفد بني حنيفة ومنهم مسيلمة فرأوا رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأظهروا الإسلام، فدخلوا في حكم الصحبة في حياته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلما توفي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو قبيل ذلك بعد أن فارقوه -وهو لا يعلم- أحدثوا الردة عن الإسلام، وكذلك قبائل بني تميم وقبائل غطفان وبعض أهل اليمن اتبعوا الأسود العنسي و حصلت الردة من أناس جاءوا ووصلوا إليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وانتسبوا إِلَى أمته.
فهو يظن صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو لا يعلم الغيب - أنهم من أصحابه، فيأتون يَوْمَ القِيَامَةِ فيذادون، لأنهم ليسوا من أصحابه، فيقال له: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فكان هذا حالهم فهَؤُلاءِ الذين ينطبق عليهم الحديث: (ولفظه: أصيحابي) تدل عَلَى لفظ التصغير الذي يدل عَلَى القلة ولا يعني هذا أن أصحابه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يذادون وإنما هَؤُلاءِ أصيحاب جزء منهم ويكون أصيحاب كما قال أبو فراس الحمداني مثلاً:
وقال أصيحابي الفرار أو الردي فقلت هما أمران أحلاهما مر
لو قَالَ: إن أصحابه كثير وقعوا في أسر الروم لكان هذا كالذي يريد أن يذم نفسه ويقول: نَحْنُ كثيرون، ولكننا نفكر، هل نهرب أو نقع في الأسر أو في الموت؟ لا، وإنما يقول: نَحْنُ قلة قليلة، وأحاط بنا من الروم وهم جمع كبير فصار الأمران أحدهما مر: إما أن نموت وإما أن نفر، وفعلاً وقعوا في الأسر.
والذين ثبت وصح أنهم مبشرون بالجنة عن رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هم أول من ينطبق عليهم ثناء الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- في القُرْآن فهَؤُلاءِ لا يمكن أن يدخلوا في المطرودين والمبعودين عن الحوض.
• غرض الرافضة من الطعن في الصحابة
هَؤُلاءِ الروافض إنما يقصدون بالدرجة الأولى أبُو بَكْرٍ وعُمَر وعثمان ، ومن كَانَ معهم من العشرة المبشرين بالجنة وأصل عداوتهم منصبه ومحصورة بالذات في هَؤُلاءِ، وموقف الرافضة منمسيلمة كما يقول هذا الذي يسمي نفسه ابن المطهر الحلي صاحب منهاج الكرامة يقول: ومن الأدلة عَلَى عدم انعقاد بيعة أبِي بَكْرٍ أن بعض الْمُسْلِمِينَ لم يبايعه مثل بني حنيفة، فاعتبر مسيلمة وبني حنيفة من الأمة ومن الْمُسْلِمِينَ وهَؤُلاءِ رفضوا بيعة أبِي بَكْرٍ ، واجتمعوا وولوا عليهم مسيلمة .
إذاً هذا يدل عَلَى أن الإجماع لم ينعقد عَلَى بيعة أبِي بَكْرٍ والعياذ بالله فانظر كيف يجعلون أبا بكر وعُمَر وعثمان رؤساء الكفر والردة، ويجعلون مسيلمة من الْمُسْلِمِينَ!!
وكان يجب أن يأخذ رأيه في الإمارة والخلافة ولما لم يوافق، فالبيعة لم تنعقد والإجماع لم يصح، وإنما أوردتُ هذا لتعرفوا أن غرضهم هو -كما قال من أدركهم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم-: إنهم قوم منافقون، ما قصدوا إلا الطعن في الدين، ولكن لما عجزوا أن يقولوا للمسلمين: إن القُرْآن باطل، وإن محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كذاب -وهو الصادق الأمين- وحاشاه من ذلك، فَقَالُوا: نكذب أصحابه، فإن الكتاب والسنة إنما يؤخذ عنهم، فإذا كُذِّبَ الشهود بطلت القضية (إذا كُذِّبَ النقلة بطل الخبر) هذا هو المقصود والمراد منهم ، فإذاً تبين لنا أن هذا الحديث حق، وأن قوماً يذادون عن الحوض؛ لأنهم من المرتدين أو من أصحاب البدع والضلالات التي تجعلهم جديرين وأهلاً لأن يطردوا عن حوضه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يعلم الغيب، وهذا من الأدلة الكثيرة عَلَى ذلك، ولهذا يقال له: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك.
7 - شرح حديث ( أغفى النبي صلى الله عليه وسلم إغفاءة .. )
الحديث الثالث من أدلة الحوض: هو حديث الإمام أَحْمَد -الذي قلنا: إنه من ثلاثيات المسند- عنأنس بن مالك رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: (أغفى رَسُول الله صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إغفاءة فرفع رأسه متبسماً إما قال لهم وإما قالوا له: لم ضحكت؟ فَقَالَ رَسُول الله صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنه نزلت علي آنفاً سورة فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [الكوثر] وقام متبسماً بهذه البشرى العظيمة وهذا الاختصاص وهذا الفضل الجزيل الذي امتن الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - به عليه صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو أيضاً مِنِّة عَلَى الأمة جميعاً، لأن هذا الحوض تشرب منه هذه الأمة المصطفاة المختارة من بين الأمم.
• خلاف الفقهاء في البسملة
بعض الفقهاء استدلوا بهذا عَلَى أن (بسم الله الرحمن الرحيم) هي آية من كل سورة؛ لأنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قرأ فقَالَ: بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ هذه قضية فقهية فرعية، لكن لا بأس أن نقول: إن هذا الاستدلال ليس راجحاً، لأن الإِنسَان يمكن أن يقرأ البسملة قبل أي سورة، يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ثُمَّ يقرأ بالبسملة فتكون قراءته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بـ(بسم الله الرحمن الرحيم) ليست لأنها نزلت عليه مع السورة.
ولكن لأن الإِنسَان إذا أراد أن يقرأ فإنه يقول: (بسم الله الرحمن الرحيم) ولأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فعل ذلك كالعادة المتبعة في القرآن، وليس لخصوص أن الله أنزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فالمهم أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قرأها هكذا (بسم الله الرحمن الرحيم) ثُمَّ قَالَ: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ .
• معنى الكوثر
سأل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أصحابه هل تدرون ما الكوثر؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فهم لا يعلمون الغيب ولا يعرفون شيئاً حتى يخبرهم ويطلعهم الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عن طريق الوحي الذي يأتي به رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (هو نهر أعطانيه ربي - عَزَّ وَجَلَّ - في الجنة).
وهذا ينطبق عَلَى ما جَاءَ في حديث الإسراء أنه رأى ذلك النهر العظيم في الجنة (عليه خير كثير، ترد عليه أمتي يَوْمَ القِيَامَةِ، آنيته عدد الكواكب) والآنية والأباريق والكيزان -كلها جاءت في الروايات- عدد الكواكب: أي: عدد نجوم السماء، وذلك لكثرتها، فالله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أعطى رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا الحوض عريضاً واسعاً وعذباً شهياً أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، وهذا النهر ترابه المسك وحصباؤه الدر والياقوت، وهذا شيء عظيم لا يمكن أن يتخيل.
• هل الكوثر مشقوق في الأرض
والكوثر ليس مشقوقاً في الأرض كما جَاءَ في بعض الروايات وإنما يجري فوق الأرض، حتى يكون الأخذ منه أسهل، ويكون الامتنان به أعظم، وهو أغرب للعقل البشري بأن يرى الإِنسَان نهراً يجري هكذا فوق الأرض وليس مشقوقاً، نسأل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يجعلنا ممن يَرِدُه إنه عَلَى كل شيء قدير.
يقول: (يُخْتَلجُ العبدُ مِنْهُم) ، والاختلاج يشبه الانتهاب أو الاختلاس، يأتي أناس يردون فيتقدمون ليشربوا من الحوض فيختلجون ويجذبون من بين الذين يردون عَلَى الحوض.
فالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: (يا رب! إنه من أمتي) فانظر إِلَى شفقته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورحمته بأمته! يرجوا أن لا يختلج ولا يذاد ولا يطرد أحد عن الحوض.
فيقال لي: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) العلة في طردهم أنهم أحدثوا بعدك أموراً تقتضي أن يطردوا وأن يذادوا.
ثُمَّ ذكر لفظ مسلم : (إنه نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير هو حوض ترد عليه أمتي يَوْمَ القِيَامَةِ) والحوض في العرصات يشخب فيه ميزابان يصب من النهر الذي ورد كما في حديث الإسراء أنه في الجنة في السماء السابعة، فهو نهر غريب بصفته، وكذلك في أرضه كما يذكر القرطبي -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أن الأرض التي يكون عليها هذا النهر ليس في هذه الأرض وإنما هي الأرض المبدلة يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ [إبراهيم:48] فهو في السماوات المبدلة التي تكون يَوْمَ القِيَامَةِ.
الحوض 2
لا يزال الشيخ -حفظه الله- يواصل الكلام عن ذكر صفة الحوض وذكر أقوال أهل العلم في أيهما أقدم من الآخر الحوض أم الصراط أم الميزان ثم ذكر أنه موعظة للمتقين في الدنيا، وذكر ذود أناس من أمته عن الحوض وطرق تخريج الأحاديث في هذا، ثم استطرد في الرد على من يزعم أنه صلى الله عليه وسلم حي في قبره، وبين أنه لا يعلم الغيب لا في حياته ولا بعد موته إلا ما أطلعه الله عليه في حياته، ثم ذكر خلاف العلماء في الحوض وهل هو ثابت لنبينا خاصة أم له ولغيره؟ وذكر سبب اختلاف العلماء في هذا، وهل الحوض يكون في هذه الأرض الموجودة الآن أم لا.
1 - مقدمة في الكلام على الحوض
قال المصنف رحمه الله تعالى:
[ والحوض في العرصات قبل الصراط؛ لأنه يختلج عنه، ويمنع منه أقوام قد ارتدوا على أعقابهم، ومثل هؤلاء لا يجاوزون الصراط، وروى البخاري ومسلم عن جندب بن عبدالله البجلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( أنا فرطكم على الحوض ) والفرط الذي يسبق إلى الماء، وروى البخاري عنسهل بن سعد الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إني فرطكم على الحوض، من مر علي شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً ليردن على أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم ) قال أبو حازم فسمعني النعمان بن أبي عياش وأنا أحدث هذا، فقال: هكذا سمعت منسهل ؟ فقلت: نعم فقال: ( أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته وهو يزيد فيها فأقول: ( إنهم من أمتي، فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن غير بعدي ) سحقاً: أي بعداً، والذي يتلخص من الأحاديث الواردة في صفة الحوض: أنه حوض عظيم، ومورد كريم، يمد من شراب الجنة، من نهر الكوثر، الذي هو أشد بياضاً من اللبن، وأبرد من الثلج، وأحلى من العسل، وأطيب ريحاً من المسك، وهو في غاية الاتساع، عرضه وطوله سواء، كل زاوية من زواياه مسيرة شهر، وفي بعض الأحاديث: ( أنه كلما شُرب منه وهو في زيادة واتساع، وأنه ينبت في حالٍ من المسك والرضراض من اللؤلؤ وقضبان الذهب ويثمر ألوان الجواهر ) فسبحان الخالق الذي لا يعجزه شيء وقد ورد في أحاديث: ( إن لكل نبي حوضا وأن حوض نبينا صلى الله عليه وسلم، أعظمها وأجلها وأكثرها واردا ) جعلنا الله منهم بفضله وكرمه .
قال العلامة أبو عبدالله القرطبي -رحمه الله تعالى- في التذكرة : واختلف في الميزان والحوض: أيهما يكون قبل الآخر؟
فقيل: الميزان وقيل: الحوض.
قال أبو الحسن القابسي : والصحيح أن الحوض قبل . قال: القرطبي : والمعنى يقتضيه فإن الناس يخرجون عطاشاً من قبورهم كما تقدم، فيقدم قبل الميزان والصراط قال أبو حامد الغزالي رحمه الله في كتاب كشف علم الآخره : حكى بعض السلف من أهل التصنيف أن الحوض يورد بعد الصراط، وهو غلط من قائله قال القرطبي : هو كما قال، ثم قال القرطبي : ولا يخطر ببالك أنه في هذه الأرض، بل في الأرض المبدلة، أرض بيضاء كالفضة لم يسفك فيها دم، ولم يظلم على ظهرها أحد قط، تظهر لنزول الجبار جل جلاله، لفصل القضاء . انتهى، فقاتل الله المنكرين، لوجود الحوض، وأَخْلِقْ بهم أن يُحال بينهم وبين وروده يوم العطش الأكبر ] اهـ.
الشرح :
قد سبق الحديث عن الحوض لما ذكره المصنف رحمه الله تعالى، وذكرنا بعض من خالف فيه، وهل الحوض خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، أم أنَّ لغيره من الأنبياء حوضاً؟
وتعرضنا للقول في كثرة الطرق التي ورد منها، والروايات التي كثر فيها إثبات الحوض ، فهو متواتر من حيث كثرة من رواه من الصحابة فمن بعدهم، وكذلك شرحنا الأحاديث التي ذكرها المصنف هنا.
ومنها: حديث أنس الذي رواه البخاري ، والإمام أحمد رحمه الله تعالى.
والرواية الأخرى التي أخرجها مسلم من حديث أنس في تفسير قوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1] .
ثم بعد ذلك يبين المصنف رحمه الله تعالى، معنى [ يشخب فيه ميزابان من ذلك الكوثر إلى الحوض]، وقد بينا أن المراد بذلك أن الكوثر نهر عظيم في السماء السابعة كما في حديث الإسراء والمعراج في الرواية الصحيحة، وليس في السماء الدنيا كما ورد في رواية شريك بن عبد الله ، وهذا النهر من أعظم أنهار الجنة، ومعنى يشخب: أي يصب منه ميزابان فينزل ذلك الماء من الجنة إلى أرض المحشر، ويتكون من الميزابين الحوض الذي ترده هذه الأمة، وأول من يرده منها نبيها محمد صلى الله عليه وسلم، فهو أول الواردين على الحوض، وتأتي أمته تباعاً له لتشرب وترد منه، ثم يذاد عنه من يذاد كما سبق.
والصراط : هو جسر منصوب على متن جهنم، ويعبر الناس عليه بحسب أعمالهم، وفيه كلاليب تختطف من يعبر عليه ممن كتب الله تبارك وتعالى عليه الشقاوة والعذاب، ودعوى الأنبياء في ذلك اليوم حين عبور الناس للصراط {اللهم سلم سلم } فمن نجى منه فقد زحزح عن النار وأدخل الجنة، ومن اختطفته تلك الكلاليب وقع في النار، هذا أحد الأهوال والمواقف التي لا بد منها يوم القيامة للناس جميعاً .
2 - خلاف العلماء في أيهما أقدم الحوض أم الصراط
اختلف العلماء هل الحوض يكون بعد الصراط أم قبله؟
• القول الأول
من المعلوم أنه قد جَاءَ في أحاديث الحوض الثابته أنَّ قوماً يذادون ويردون، فإن كَانَ هَؤُلاءِ الذين يذادون عن الحوض من أهل النار، فكيف نجو من الصراط ولم تختطفهم الكلاليب، ثُمَّ بعد ذلك يذادون ويطردون من الحوض ويُقال لهم سحقاً سحقاً، أو بعداً بعداً؟
فهذا يقتضي أن يُقَالَ: إن الحوض قبل الصراط، والذين يذادون عن الحوض يردون بعطشهم، ثُمَّ أثناء اجتياز الصراط تخطفهم الكلاليب، فيكونون من أصحاب النار، هذا هو ما قاله بعض العلماء لمقتضى الأحاديث.
• القول الثاني
وذهب بعض أهل العلم إِلَى عدم ذلك، ولم يثبت في ذلك حديث صريح ولا قولٌ لأحد من الصحابة أو علماء الأمة المتقدمين، وإنما هذا اختلاف من العلماء، كـالقاضي عياض وأبي طالب المكي والقرطبي والغزالي والسيوطي والحافظ ابن حجر وأمثالهم رحمهم الله.
والعلماء الذين يرون أن الحوض بعد الصراط يقولون: إنه قد ثبت في الأحاديث أن الحوض يشخب فيه ميزابان من نهر الكوثر الذي في الجنة، فمعنى ذلك أن النَّاس بعد أن يجتازوا الصراط يقفون في أرض دون الجنة يشخب فيها هذان الميزابان، فالنهر الذي في الجنة هو الكوثر، والميزابان يصبان منه في أرض المحشر في الحوض، ويكون النَّاس قد اجتازوا الصراط ولكنهم لم يدخلوا الجنة بعد، وإنما بعد ما نالهم من النصب والتعب في الموقف وفي الحساب، وأثناء الأهوال العظيمة التي تقع لهم، واجتياز الصراط، فإنهم حينئذ يشربون ثُمَّ يدخلون الجنة ولم ينظروا إِلَى مصير الذين يذادون أول الأمر، بل يقولون: يقتضي الأمر أن تكون أرض الحوض قريبة من الجنة فيصب الميزابان من الكوثر الذي في الجنة إِلَى أرض الحوض، وهذا يقتضي أن الحوض بعد الصراط.
• القول الثالث
وقال بعض العلماء لما رأوا المسألة تحتمل هذا وذاك: نجمع بين الأحاديث بأن هذا الحوض كبير وعظيم، ومنه ما هو قبل الصراط، ومنه ما هو بعد الصراط، وأن ذلك بحسب أعمال الناس، فمن النَّاس السعيد من السابقين المقربين، فهَؤُلاءِ يشربون ويجتازون -أو العكس- ولا يتوقفون.
وأما الآخرون الذين لهم ذنوب فإنهم قد يشربون، ولكن تخطفهم بعد ذلك الكلاليب، فيعذبون في النار، أو أنه من شدة الحساب يحجزون بعد أن يطردوا من الحوض، ثُمَّ أثناء عبور الصراط تخطفهم الكلاليب، أو يعفوا الله عمن شاء منهم، وقد طُرِدَ من الحوض، لكنه يضل بعطشه، كأن ذلك من ضمن أهوال الموقف، وهو أن هَؤُلاءِ لا يشربون من الحوض؛ بل يذادون ويطردون، ولا يعني ذلك أنهم لا يغفر لهم، أو أنهم لا يجتازون الصراط.
• بيـان ا لراجح في هذه المسألة
الحقيقة أن هذه المسألة ليس فيها نص قاطع، وهي تحتمل هذا وذاك، وهي من أمور الغيب التي لا يجوز الخوض ولا القول فيها بالظن، ولا بمجرد الاستنباط الذي يبدو لصاحبه رجحانه، ولو دقق فيه لتبين خلافه، ولهذا لو قيل في هذه المسألة: إن الأرجح فيها هو التوقف، وأن يُرَّد علم ذلك إِلَى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فيُقال في ذلك: الله أعلم، فنسبة العلم إليه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أسلم، فهذا الذي نميل إليه ونختاره، والله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أعلم.
3 - أهمية ذكر الحوض
وما دام أنه لم يثبت في الحوض هل هو قبل الصراط أم بعده نص صريح ولا يترتب عليه كبير فائدة، فإن العبرة والموعظة قائمة سواء كَانَ ذلك قبله أو بعده، وسنكمل ما يتعلق بذلك عندما نتعرض لكلام العلامة القرطبي في الأخير، لأن المُصنِّفُ فصَل الكلام هنا، فذكر بعضه وأشار إليه في الأول، ثُمَّ أكمل في الآخر.
فقال رَحِمَهُ اللهُ: [والحوض في العرصات قبل الصراط؛ لأنه يُختلج عنه، ويُمنع منه أقوام قد ارتدَّوُا عَلَى أعقابهم، ومثل هَؤُلاءِ لا يجاوزون الصراط] هذا هو الرأي الذي اختاره المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى،
ثُمَّ قَالَ: [وروى البُخَارِيّ ومسلم عن جندب بن عبدالله البجلي قَالَ: سمعت رَسُول الله صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: أنا فَرَطُكُم عَلَى الحوض) .
قَالَ: والفَرَطُ الذي يسبق إِلَى الماء.].
هذا الحديث متفق عَلَى صحته، ورواه أيضاً الإمام أَحْمَد وغيره وفيه الدلالة عَلَى أن النبي صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو صاحب الحوض وهو أول من يرد عَلَى الحوض، فالفرط هو المقدمة أو الأول، وفي هذا دليل عَلَى ثبوت الحوض، وقَالَ: [وروى البُخَارِيّ عن سهل بن سعد قَالَ: قال رَسُول الله صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أنا فرطكم عَلَى الحوض) ثُمَّ قَالَ: (من وَرَدَهُ شرب منه) ] وهناك خلاف في الألفاظ حسب الروايات (ومن شرب منه لم يظمأ أبدا) فمن ورد الحوض سمح له بأن يشرب منه، فإذا شرب منه فإنه لا يظمأ بعد ذلك أبدا، والكيزان: جمع كوز، يعني: آنيته، كما ورد ذلك في الروايات، كعدد نجوم السماء، فهو عَلَى سعته وكبره وحجمه فيه من الآنية بعدد نجوم السماء، أعداد لا يعلمها إلا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
• هل يسقي النبي صلى الله عليه وسلم الناس بيده
وليس في هذه الروايات أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسقي النَّاس بيده الشريفة، كما يزعم بعضهم فيدعو ويقول: (اللهم اسقنا من يده الشريفة شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبدا) فهذا لم يرد في حدود ما اطلعت عليه من الروايات، هذا من جهة النص.
ومن جهة النظر، فكأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو وحده وبيده الشريفة يسقي هَؤُلاءِ الناس، وبهذا العدد الكبير وعلى هذه السعة العظيمة، ثُمَّ إن ذلك لا يتناسب مع مقام النبوة، فكأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنما هو سقاء يسقيهم الماء مع أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو أول من يرد، والحوض حوضه.
ولا يقتضي إعطاءه الحوض أنه يسقي النَّاس بيده، وإنما هو صاحبه الذي يتقدم أمته ثُمَّ يُسر برؤيتهم وهم يشربون مع كثرتهم، وهم يردون من هذا الخير العظيم الذي أعطاه الله إياه، وأكرمه به ويتألم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند ما يرى أن قوماً يذادون، إذاً هو لا يسقي لأن التصريح جَاءَ بأنهم يردون ويشربون، وهَؤُلاءِ يطردون؛ بل يذادون.
• ذود أناس من أمة النبي صلى الله عليه وسلم عن الحوض
قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما في حديث سهل (أنا فرطكم عَلَى الحوض من ورده شرب منه، ومن شرب منه لم يظمأ أبدا) ثُمَّ قَالَ: (ليردن عليّ أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثُمَّ يحال بيني وبينهم) وهذه الرواية تصريح بأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعرفهم وأنهم يعرفونه.
وقد سبق أن قلنا: إن الذين يذادون عن الحوض إن كانوا من عموم أمته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين يقول: (أمتي أمتي) فذلك محتمل أن يذاد أناس من عامة الأمة، وهو أمر واقع ممن ينتسبون إليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإلى أمته، ولو بعد وفاته بقرون، وهَؤُلاءِ ليسوا من أمته في الحقيقة بل هم مبدلون ويعرفهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالعلامات التي يعرف بها أمته، أو يكون هذا الحوض له ولأمته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فحينئذ يتعجب أو يستغرب، لماذا يذادون؟
وأيضاً كونهم ممن رآهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورؤه، فهذا الاحتمال أيضاً وارد، ولا تعارض بينهما، ولا ينفي ذلك كما سبق، أو لا يقتضي ما يقوله أهل البدع من الروافض وأشباههم من أن بعض الصحابة ارتدوا بعد وفاته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد عرف أقواماً، ثُمَّ ارتدوا بعد وفاته، وهَؤُلاءِ ليسوا من الصحابة ولا يشملهم اسم الصحبة، كما وقع ذلك من مسيلمة الكذاب وغيره من المرتدين، فينطبق عَلَى هَؤُلاءِ قول: النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أعرفهم ويعرفونني، ثُمَّ يُحال بيني وبينهم)، وظاهر الفاعل المجهول للفعل "يحال" أنهم ملائكة العذاب يذودون ويطردون أهل الشقاوة، الذين لم يكتب الله لهم ورود الحوض.
• ذكر طرق أحاديث الحوض
سبق ذكر كلام ابن حجر أنه قَالَ: "أحصيت نحو خمسين أو زدت عليها".
ومنهم من قَالَ: إنها ثمانين، والحديث روي عن عدد من الصحابة وبعض الرواة قد يزيد أو ينقص بحسب الرواية وبحسب المجالس، فقد يكون النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حدث بذلك في مجالس متعدده، فلما سمع أبو حازم هذا القدر من الحديث عنالنعمان بن أبي عياش قَالَ: هكذا سمعته منسهل قَالَ: نعم.
قالأبو حازم : وأنا أشهد عَلَى أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد فيه -أي: في موضوع الحوض- أنّ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: إنهم مني أي هَؤُلاءِ من أمتي، فلماذا يذادون عن الحوض قَالَ: فيقال: إنك لا تدري ما بدلوا بعدك، أي أنت تعرفهم ويعرفونك، وهم منك عَلَى عهدك عَلَى حد علمك، وأنت في الدنيا، ولكنك لا تدري ما أحدثوا بعدك • هل النبي صلى الله عليه وسلم حيٌّ في قبره ؟
وفي الحديث السابق دليل عَلَى أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يعلم الغيب، وليس كما يقول أهل البدع: إن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حي في قبره حياة حقيقية، وأنه بجسده وروحه يجوب الأرض ويطلع عَلَى أحوال الْمُسْلِمِينَ ويعرفها ويشفع ويفعل.. وغير ذلك مما يبتدعون، والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لو أنه يعلم بعد موته، لكان أول ما يعلم ما وقع من الردة، فإنها أمر عظيم وخطب جلل كبير، كيف يلتحق صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالرفيق الأعلى بعد أن جمع الله تعالىجزيرة العرب كلها تحت لواء الإيمان، وأطاعت وانقادت له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يموت وإذا بكثير منها من الشرق واليمن يرتدون حتى أنه لم يثبت الثبات الكامل إلا الطائف ومكة والمدينة وبنو عبد القيس، إذاً الموضوع مهم، فكان هذا من أول ما ينبغي أن يعلمه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولأنه قريب عهد به؛ لأن الردة كانت بعد وفاته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
إذاً فالقول بأنه يطلع عَلَى أحوال الأمة وهو حي في قبره حياته العادية من قول أهل الضلال الذين يريدون أن يجعلوا ذلك ذريعة إِلَى الشرك من دعائه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والاستغاثة به من دون الله فيوقعون الأمة في الشرك الأكبر الذي جَاءَ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجميع الرسل لمحاربته، وللدعوة إِلَى توحيد الله وحده سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
• النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب
وهو صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يعلم الغيب إلا ما أطلعه الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى عليه، وهذا في حياته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أما بعد وفاته فإنه لم يبق له في هذا العالم تأثير، وإنما بقيت رسالته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمانة في عنق الأمة يجب عليهم أن يتمسكوا ويقتدوا بها، فقد تركنا عَلَى المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، ولم يتركنا للأوهام والظنون والتخرصات والافتراءات، وإن كَانَ المقصود بها تعظيمه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإن أعظم تعظيم له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أن يطاع أمره، وتتبع سنته، ويحب حباً لا يقدم عليه حب شيء من المخلوقات.
4 - صفة الحوض
والأحاديث التي وردت في الحوض، رواها جمع غفير من الصحابة، ووردت بطرق كثيرة، وورد بعضها ضمن أحاديث القيامه والمحشر، فأراد المُصنِّفُ أن يجمع الكلام في الحوض، فقَالَ: [والذي يتلخص من الأحاديث الواردة في صفة الحوض، أنه حوض عظيم، ومورد كريم، يمد من شراب الجنة من نهر الكوثر الذي هو أشد بياضاً من اللبن، وأبرد من الثلج، وأحلى من العسل، وأطيب ريحاً من المسك].
ونهر الكوثر وردت فيه بذاته أحاديث منها الحديث الذي رواه الإمام أَحْمَد ، وكذلك رواه الشيخان: حديث أنس بن مالك الذي تقدم إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [الك وثر] ثُمَّ قال لأصحابه: أتدرون ما الكوثر؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قَالَ: هو نهر أعطانيه ربي عَزَّ وَجَلَّ في الجنة عليه خير كثير ترد عليه أمتي يَوْمَ القِيَامَةِ، آنيته عدد نجوم السماء، يختلج العبد منهم ... وفي حديث الإسراء المتقدم: نهر عظيم في الجنة، وفي أحاديث أخرى وصفت ماءه بأنه أشد بياضاً من اللبن، وأنه أبرد من الثلج، وأحلى من العسل؛ وأطيب ريحاً من المسك، وكما ورد في الحديث الذي تقدم أيضاً أنه يشخب أي يصب ميزابان من هذا النهر فيكونَّان الحوض. ثم قال المصنف: [ وهو في غاية الإتساع عرضه وطوله سواء كل زاوية من زواياه مسيرة شهر ] الكلام في طول الحوض وعرضه وسعته قد سبق أيضاً وذكر المصنف هنا أيضاً حديثاً صحيحاً عند البُخَارِيّ عن أنس قَالَ: (إن قدر حوضي كما بين أيلة إلى صنعاء ) ، وهذه من أرجح الروايات وأكثرها شهرة، وفي رواية ما بين جرباء وأذرح ، وهاتان الروايتان هما الأكثر والأشهر والله أعلم، وفي رواية أخرى ما بين أيلة إلىمكة ، وفي رواية بين عدن وفي بعضها عُمان وفي بعضها بصرى .
اختلفت تلك الروايات، فقيل: هو إما بحسب السرعة، أو بحسب الاتساع، أو بحسب اختلاف الصحابة في السماع، أو بحسب اختلاف من بعدهم أيضاً في النقل، وما أشبه ذلك، فمن هذه الروايات نفهم أن الحوض في غاية الاتساع.
يقول المصنف: [وفي بعض الأحاديث أنه كلما شرب منه وهو في زيادة واتساع] أي: لا ينقص ذلك منه شيئاً، وهكذا حال الجنة فإن نعيمها لا ينفذ أبداً كحال هذه الدنيا التي ينفد ما فيها من الخير وإن كَانَ كثيراً، أما الجنة فإن أكلها دائم وظلها، لا ينفد شيء من نعيمها ولا ينتهي، وأنه ينبت في حالٍ من المسك -أي ينبت المسك فيه- والرضراض في لغة العرب هي: الحصى الصغيرة، وهي من اللؤلؤ يجري هذا النهر فوقها، [وأنه يثمر ألوان الجواهر، فسبحان الخالق الذي لا يعجزه شيء، ولا تنفد خزائنه، إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يّـس:82].
5 - اختلاف العلماء ! هل الحوض ثابت لنبينا وحده أم له ولغيره
ثُمَّ قَالَ: [وقد ورد في أحاديث أن لكل نبي حوضاً وأن حوض نبينا مُحَمَّد صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أعظمها وأحلاها وأكثرها ].
وقد سبق أن ذكرنا أن الاختلاف واقع في الحوض هل هو خاص بالنبي صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أم ثابت لغيره؟
• سبب الخلاف
إن سبب الخلاف يرجع إِلَى الخلاف في ثبوت الأحاديث، وإن كَانَ الأظهر -على قاعدة المحدثين- أن الحوض خاص به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأن حديث (إن لكل نبي حوضاً) قال فيهالتِّرْمِذِيّ إن المرسل أصح، أي: أنه ورد مرسلاً صحيحاً، ورفع هذا الحديث لا يصح.
وأيضاً الرواية الأخرى فيها ضعف ذكر هذا الأرنؤوط فقَالَ: أخرجه التِّرْمِذِيّ : في صفة القيامة، باب ما جَاءَ في صفة الحوض من حديث سمرة بن جندب قَالَ: قال رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إن لكل نبي حوضاً وإنهم يتباهون أيهم أكثر وارده، وأني أرجو أن أكون أكثرهم وارداً) يقول: قا.ل التِّرْمِذِيّ ورد مرسلاً والمرسل أصح هذا الذي في التِّرْمِذِيّ ، ثُمَّ يقول: (وذكر الهيثمي في المجمع قَالَ: ورواه الطبراني وفيه مروان بن جعفر السُمري وثقهابن أبي حاتم ، وقالالأزدي : يتكلمون فيه، وبقية رجاله ثقات).
أما الشيخ الألباني فقَالَ: حديث حسن، أخرجه التِّرْمِذِيّ وقَالَ: غريب، ثُمَّ ذكر أنه ورد مرسلاً، وقَالَ: وهو أصح، ورواه الطبراني أيضاً كما في المجمع وقَالَ: (وفيه مروان بن جعفر السمري وثقه ابن أبي حاتم ، وقال الأزدي : يتكلمون فيه وبقية رجاله ثقات، ثُمَّ وجدت ما يقوي الحديث فخرجته في الصحيحة...) اهـ.
فلا بأس بالأخذ بأحد القولين: قول من يرى بأن هذه الطرق الضعيفة يجبر بعضها بعضاً، فيثبت بها أنَّ لكل نبي حوضاً، وقول من يرى بأن هذه الطرق ضعيفة جميعاً وبأن الاختصاص في قوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1] فيه إشعار بأنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فُضل أو خصص بذلك من دون الأَنْبِيَاء.
• الترجيح بأن الحوض خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم
وإن كنا قد نميل إِلَى القول بأن هذا اختصاص بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لكن لا نحرج عَلَى من يقول: إن الروايات تجبر بعضها بعضاً، وإن للأنبياء أحواضاً بناءاً عَلَى ذلك، فإن هذه من الأمور المحتملة التي لا ينبغي أن تكون مثار النزاع.
• اختيار الحافظ ابن حجر
أما الحافظ ابن حجر رَحِمَهُ اللَّهُ فكأنه توقف في المسألة، ولم يرجح أو لم يرَ أنها تستدعي أن يقف عندها، والله أعلم.
6 - هل الحوض قبل الميزان أم العكس
قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ: [قال العلامة أبو عبدالله القرطبي -رَحِمَهُ اللهُ- في التذكرة : واختلف في الميزان والحوض أيهما يكون قبل الآخر، فقيل: الميزان وقيل: الحوض] ثُمَّ انتقل المُصنِّفُ يتحدث عن الميزان، ثُمَّ عقبه بالصراط فقَالَ: [قالأبو الحسن القابسي : والصحيح أن الحوض قبل، قال القرطبي : والمعنى يقتضيه فإن النَّاس يخرجون عطاشاً من قبورهم -كما تقدم فيقدم- قبل الميزان والصراط] هذا كلام القرطبي .
ويريد أن يقول: إننا إذا نظرنا إِلَى المعنى بالعقل، فإنه يقتضي أن يكون الحوض قبل الميزان وقبل الصراط ووجه ذلك بأن النَّاس يخرجون عطاشاً من قبورهم، فيقتضي ذلك أن يشربوا أولاً ثُمَّ توزن أعمالهم، ثُمَّ بعد ذلك يكون الصراط، إذاً هذا بالنظر العقلي فقط، ولم يأت بدليل ينص عَلَى أن الحوض قبل الصراط وقبل الميزان، وهذا في الحقيقة ليس بالمستند القوي أو الحجة التي يثبت بها مثل هذا.
ثُمَّ يقول: [قالأبو حامد الغزالي رَحِمَهُ اللهُ في كتاب كشف علم الآخرة : حكى بعض السلف من أهل التصنيف أن الحوض يورد بعد الصراط، وهو غلط من قائله] هذا البعض الذي قال عنه: إنه بعض السلف هو أبو طالب المكي صاحب كتاب قوت القلوب ، فإن غالب كلام أبي حامد الغزالي في الرقاق كما في الإحياء وغيره منقول عنه، وهذا الكتاب قوت القلوب من أوائل الكتب التي صنفت في "التصوف" وقوله: قال بعض السلف ، وهو ليس من السلف لأنه في القرنالخامس تقريباً، فليس بينه وبين الغزالي كبير فرق.
وقد وافق صاحب القوت عَلَى ذلك، القاضي عياض -رَحِمَهُ اللهُ- فقَالَ: إن الحوض بعد الصراط، وقوله [وهو غلط من قائله] هذا من كلام الغزالي ، فهو يغلط أبا طالب ومن معه، وكذلك وافقه القرطبي فقَالَ: [هو كما قال] أي هو غلط فـالقرطبي والغزالي ، وكذلك السيوطي يرون أن الحوض قبل الصراط، إذاً أصبح عندنا القاضي عياض وصاحب كتاب قوت القلوب يقولون: الحوض بعد الصراط، ومال إِلَى ذلك أيضاً السيوطي .
أما القرطبي والغزالي فيميلون إِلَى غير ذلك.
7 - هل الحوض يكون في الأرض أم لا ؟
ثُمَّ قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ: [قالالقرطبي : ولا يَخْطُرْ ببالك أنه في هذه الأرض] يقول: إذا قلنا: إن الحوض هو في أرض المحشر، أو أنه قبل دخول الجنة -وهو كذلك- فهو ليس في هذه الأرض التي نراها اليوم: بل في الأرض المبدلة، والأرض المبدلة هي أرض المحشر كما قال الله تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَات [إبراهيم:48] فهي أرض مُبدَّلةٌ، ثُمَّ وصفها القرطبي فقَالَ: [أرض بيضاء كالفضة لم يسفك فيها دم، ولم يُظلم عَلَى ظهرها أحد قط تظهر لنزول الجبار جل جلاله لفصل القضاء] وهذه الأرض سوف يأتي بإذن الله تَعَالَى التفصيل في حقيقتها عند الحديث عن أهوال يَوْمَ القِيَامَةِ ومنها هذا التغيير.
يقول المُصنِّفُ -رَحِمَهُ اللهُ-: [فقاتل الله المنكرين لوجود الحوض، وأخلق بهم أن يُحال بينهم وبين وروده يوم العطش الأكبر] نعم، قاتل الله الذين ينكرون الحوض، وإنهم لجديرون أن يحال بينهم وبين وروده، لأنهم أنكروه وهو ثابت صحيح، نسأل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يجعلنا وإياكم ممن يرده ويشرب منه.
الشفاعة 1
ذكر الشيخ -حفظه الله- أهمية موضوع الشفاعة، وذلك لما حدث فيه من خلاف كبير بين فرق الأمة الإسلامية، فقد استطرد حفظه الله في الكلام عن الشفاعة وذكر أقسام الناس فيها، وأتى بأدلة كل مذهب، والرد عليها بإيجاز، وذكر المذهب الوسط في ذلك وهو مذهب أهل السنة والجماعة، ونصره بالحجج والبراهين الساطعة ورد أباطيل وشبه المبطلين، وفند أقوالهم، وتعرض لمسألة زيادة الإيمان ونقصانه .
1 - مقام الشفاعة وأقسام الناس فيها
قال أبو جعفر الطّّحاويّ رَحِمَهُ اللهُ:
[والشَّفَاعَةُ التي ادَّخرها لهم حقٌ، كما رُوي في الأخبار ].
الشرح:
يقصد الإمام الطّّحاويّ رَحِمَهُ اللهُ بالضمير في قوله: [ادَّخرها] أي: الرَّسُول صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكما في فقرة: [والحوض الذي أكرمه الله تَعَالَى به غِيَاثاً لأمته حق] فكل الضمائر تعود إِلَى النبي صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما في فقرة [وقد أُسري بالنبي صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعرج بشخصه في اليقظة] ثُمَّ قَالَ: [والشَّفَاعَةُ التي ادخرها لهم حق كما رُوي في الأخبار] وهذه الفقرة أطال المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى في شرحها وتعرض فيها لموضوعين أساسيين في الجملة:
الموضوع الأول: إثبات شفاعته صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبيان أنواعها.
والموضوع الآخر هو: ما يتعلق بالتوكل وهو الذي ذكره في آخر موضوع الشَّفَاعَةِ.
باب الشَّفَاعَةِ بابٌ مهمٌ وعظيم؛ لأن النَّاس نتيجة غلطهم وجهلهم وانحرافهم في موضوع الشَّفَاعَةِ، وقعوا في الشرك الأكبر، وخرجوا من التوحيد، والصراط المستقيم إِلَى السبل المنحرفة والضلالات. فالمُشْرِكُونَ الذين بُعِثَ فيهم الأَنْبِيَاء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم، كانوا يعبدون الأصنام بذريعة الشَّفَاعَة، والذين يعبدون الأولياء والصالحين، وينتسبون إِلَى هذه الأمة يتذرعون أيضاً بالشَّفَاعَة أو بالتوسل، فهذا أمر عظيم يجب أن نتفطن له .
وهناك أمور ينبغي أن نعلمها أولاً: أن النَّاس في الشَّفَاعَةِ عَلَى ثلاثة أقسام: طرفان ووسط.
• أهل الغلو في إثبات الشفاعة
أما الطرفان:
فأولهما: المثبتون للشفاعة في غير موضعها ولغير أهلها، سواء كَانَ ذلك في الشافع أو في المشفوع له، فهَؤُلاءِ غلوا في إثبات الشَّفَاعَةِ، وجعلوها في غير ما أنزل الله تَعَالَى إما أنهم جعلوا من ليس أهلاً في الشَّفَاعَةِ شافعاً، والله لم يجعله شافعاً، أو جعلوه مشفوعاً له، ولم يأذن الله تَعَالَى بأن يُشْفَع له، وغلوا في ذلك حتى آل بهم الأمر إِلَى الشرك الأكبر.
وهَؤُلاءِ: هم المُشْرِكُونَ قديماً وحديثاً، فأما المُشْرِكُونَ في الجاهلية وقبل بعثة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقد أخبر الله عنهم في آيات كثيرة من ذلك قوله سبحانه: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ [يونس:18] أي: يعبدون الأصنام والأحجار التي لا تضر ولا تنفع، كما خاطب إمام الموحدين إبراهيم عَلَيْهِ السَّلام قومه بقوله: قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ [الشعراء:72،73] لا ينفعون ولا يضرون ولكن العلة هي الشَّفَاعَة، ومن ناحية أخرى الوسيلة، ولهذا فموضوع الشَّفَاعَةِ والوسيلة له ارتباطات، فهَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ اتخذوا من غير الله آلهة وعبدوا من دون الله ما لا يضرهم، ولا ينفعهم من الأصنام الجامدة، أو من الصالحين، أو من الموتى الهالكين الغابرين، وكل ذلك بحجة أن هَؤُلاءِ شفعاؤنا عند الله.
وفي الآية الأخرى مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3] هي أيضاً بهذا المعنى، فإن الذي يقرب إِلَى الله هو الشافع الوسيط المتوسل به الذي يصل الإِنسَان إِلَى مراده وغايته، فهَؤُلاءِ جعلوهم شفعاء عند الله، وهذا شرك في حقيقته، وإن كانت هذه الأصنام لا تخلق وترزق، ولا تستحق العبادة وحدها؛ لكن يقولون: نعبد الله وهو إله واحد وهذه الآلهة تشفع لنا عند الله، وقد كانوا في الجاهلية يقولون: "لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك" فلا يجعلون هذا الشفيع واسطة فقط يقرب ويشفع عند الله؛ بل مع ذلك يجعلونه مملوكاً لله فقد قالوا: "تملكه، وما ملك" ومع ذلك فهذا بعينه هو الشرك الأكبر والشَّفَاعَةُ إذا نظرنا إليها من أصلها اللغوي وجدنا أن الشفع في اللغة هو: ضد الوتر، بمعنى: الاقتران أو الضم فمثلاً (2،4،6،...) هذه الأعداد تسمى الأعداد الشفعية فتقول: شفعت هذا بهذا، ضممت هذا إِلَى هذا، فالواحد وتراً لكن الاثنان شفعاً؛ لأنك ضممت واحد إِلَى واحداً فأصبحت شفعاً.
فالذي يحصل أن الْمُشْرِكِينَ يضمون مع الله تَعَالَى غيره، وذلك: بأن يدعو الله، ويدعو غير الله، ويقول قائلهم: هذا يشفع لي عند الله، فأنا عندما أدعو الله أنا ضعيف، ومذنب، ومقصر، كيف أدعو الله وأتقرب وأتوسل إليه بعملي أنا؟ فماذا أصنع؟! أشفع دعائي بدعاء رجل صالح! أو بدعاء الولي الفلاني، أو النبي الفلاني، أو بالأصنام أياً كانت، فأضم هذا إِلَى عملي، فيصبح الأمر أرجى للقبول عند الله تعالى، وهذا ما يفعله المتعلقون بالأموات والقبوريين في الجاهلية والإسلام.
فهَؤُلاءِ الذين أثبتوا الشَّفَاعَة، وغلوا في إثباتها، جعلوها في غير موضعها لأن هذه الأصنام لا تشفع، لأنها أحجار صماء بكماء، لكن الأنبياء والأولياء يشفعون لمن ارتضى كما قال الله عنهم: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء:28] وقوله: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِه [البقرة:255] فالشَّفَاعَةُ لمن ارتضى ولمن أذن الله تَعَالَى ولمن شهد بالحق وهم يعلمون، لأهل التوحيد والإيمان يشفع الله ما شاء له أن يشفع.
• أهل التفريط والإنكار
وهم الذين أنكروا الشَّفَاعَة بالكلية، وهَؤُلاءِ هم المعتزلة والخوارج ، فهم ينكرونها بناءاً عَلَى أصلهم الفاسد في حكم مرتكب الكبيرة.
فـأهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ والسلف الصالح رَضِيَ اللهُ عَنْهُم كلهم أجمعوا عَلَى أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، كما صرحت بذلك الآيات من كتاب الله، والأحاديث الثابته من كلام رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فهو قول وعمل واعتقاد أي: اعتقاد بالباطن وانقياد وإذعان بالظاهر، وقد نقل الإجماع عَلَى ذلك عدد من أئمة السلف منهم الإمام البُخَارِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ، كما روى عنه اللالكائي بسند صحيح قَالَ: "رويت عن أكثر من ألف من أهل العلم ولم أنقل إلا عمن يقول الدين قول وعمل". وهذا هو قول الأمة قبل أن تظهر بدعة المرجئة والخوارج فهذا معنى قولنا: إن السلف قالوا: إن الإيمان قول وعمل.
2 - زيادة الإيمان ونقصـانه
الإيمان يزيد وينقص: يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، فزيادة الإيمان وردت في كتاب الله مثل قوله تَعَالَى وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً [الأنفال:2] وكما حكى الله عن المنافقين فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة:125,124] كَانَ إيمانهم ناقص، ثُمَّ ازداد الرجس وذلك لنقص الإيمان.
فالإيمان يزيد وينقص عند النَّاس بالفطرة السليمة. فمن يصلي الفريضة، ويسمع الآيات ا لتي تقشعر لها الأبدان، فيخشع في صلاته، فيشعر أن إيمانه قد ازداد وقد يخرج إِلَى الحياة فيرى المتبرجات، ويرى أهل الدنيا، ويرى ما حرم الله، فيقسوا قلبه، فيحاول أن يعيد بعض الخشوع، فيقرأ نفس الآيات التي كَانَ قد تأثر بها فيما سبق، فلا يكاد يجد شيئاً من ذلك إذا كَانَ إيمانه زائداً ثُمَّ نقص.
وعكس ذلك فقد يكون الإِنسَان يصلي ويصوم ويحج، ولكنه غافل عن أمر دينه، وعما يجب أن يكون المؤمن عليه من مراقبة الله وتقواه، فيجلس فيسمع شيئاً من كتاب الله، أو يصلي فيخشع في صلاته، أو يجد من يعظه ويذكره بالله عَزَّ وَجَلَّ، وإذا به يشعر أنه ولد من جديد، تنورت بصيرته، فيخرج فينظر إِلَى الأمور بنظرة غير التي كانت قبل أن يسمع هذه الموعظة، وأحياناً تجد نفسك متشجعاً للطاعة في أمر من أوامر الله، وأحياناً تجد أنك تتثاقل عن واجب من الواجبات التي ترغم وتكره عليها إكراهاً.
إذاً زيادة الإيمان ونقصانه أمر معلوم.
والمسلمون ألا يرتكبون الكبائر ألا تقع منهم الأخطاء و (كل بني آدم خطاء وخير الخاطئين التوابون) هكذا خلق الله الإنسان؛ لأن الابتلاء والامتحان إنما مناطه هذه الأخطاء، ولو أن الإنسان لا يخطئ ولا يذنب لكان ملكاً، ولو أنه كان مذنباً مخطئاً بإطلاق لكان شيطاناً، لكن الإنسان هكذا وهكذا إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [الإِنسَان:3] فالإِنسَان يقبل هذا ويقبل هذا، وهكذا خلقه الله تعالى.
ولهذا يقول النبي صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأعلاها: قول لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان) فلو تأملنا هذا الحديث لوجدناه يدل عَلَى الواقع وعلى كلام السلف تماماً، وهو أن الإيمان يزيد وينقص، فهناك شعب لا يأت بها بعض الناس، وعدم إتيانه بها يجعله لا يعد من الْمُسْلِمِينَ أصلاً، مثال ذلك، الشعبة الأولى: لا إله إلا الله: فمن لم يأتِ بها فليس بمسلم أصلاً، مثل: اليهود والنَّصارَى والْمُشْرِكِينَ، الذين لم ينطقوا بهذه الشهادة، ولم يلتزموا بها، فأولئك ليسوا بمؤمنين أصلاً، فلا يوجد عندهم من الإيمان ولا مثقال ذرة، وهناك شعب أخرى قد يتركها الإِنسَان ولا يأتِ بها فتنقص من إيمانه، مثل إماطة الأذى عن الطريق، فإذا استكمل رجلٌ الشُعَبَ وترك هذه الشعبة، نقص من إيمانه هذا شيء، ولا يعلم قدره الله تعالى.
3 - مذاهب الناس في مرتكب الكبيرة وأدلة كلٍ منهم
اختلفت المذاهب والأنظار فيمن ترك شعبة من شعب الإيمان دون الشعبة العليا التي يكفر من تركها، وغير هذه التي ينقص إيمانه بها قليلاً؛ كأن يكون شرب خمراً ومات عَلَى ذلك فما حكمه؟
• مرتكب الكبيرة عند الخوارج والمعتزلة
الخوارج والمعتزلة جعلوا مرتكب الكبيرة، كمن ترك شهادة أن لا إله إلا الله، كافراً خارجاً عن الملة في الدنيا، وفي الآخرة خالداً مخلداً في النَّار أيضاً، وَقَالُوا: الشَّفَاعَة لا تنفع الكافر الخارج عن الملة، واختلفوا في اسمه في الدنيا -فقط- فالخوارج قالوا :كافر في الدنيا وفي الآخرة خالد مخلد في النار.
وقالت المعتزلة : لا نسميه في الدنيا كافراً ولا مؤمناً؛ بل هو في منزلة بين المنزلتين لأنه يوجد في نظرهم أدلة ترجح أنه كافر، وأدلة ترجح أنه مؤمن فعجزوا عن الترجيح بينهما، وهو في الآخرة خالد مخلد في النار، فحينئذ لا تنفعه الشَّفَاعَة، فشفاعته عمله فقط، يعمل الطاعات فيدخل الجنة، أما أن يشفع له شخص آخر وهو لم يعمل فلا شفاعة له، ولا يدخل الجنة، فأغلقوا الباب نهائياً.
• مذهب أهل السنة في مرتكب الكبيرة
أما أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ فَقَالُوا: هذا الذي فعل محرماً أو ترك واجباً، هو مؤمن ناقص الإيمان ينقص إيمانه بقدر نقصان شعب الإيمان وتركه لها، والنَّاس كلهم يتفاوتون في الإيمان، فبعضهم يرتفع إيمانه حتى يصل إِلَى درجة عليا ثُمَّ يفتر عن العبادة والطاعة فينقص إيمانه، ولذلك فالإِنسَان يحتاج دائماً إِلَى تذكير؛ لأنه كلما تذكر زادت شعب الإيمان وطاقة الإيمان عنده فيزيد إيمانه.
• مذهب المرجئة في مرتكب الكبيرة
وأما المرجئة فيقولون: الإيمان كامل في القلب، أما الأعمال فسواءً زادت أو نقصت، فلا تأثير لها عَلَى ما في القلب.
• أدلة أهل السنة والجماعة في حكم مرتكب الكبيرة
يستدل أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ بأحاديث كثيرة، منها: حديث الرجل الذي شرب الخمر فسبه الصحابة، ومع هذا شهد له النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي لا ينطق عن الهوى بأنه يحب الله ورسوله.
إذاً فقد تقع من المؤمن المعاصي كحالة استثنائية خارجة عن أصل المنهج الطريق الذي يمشي عليه، فتقع منه المعصية بالطبيعة البشرية لإغواء الشيطان له، أو لأي أمر من الأمور؛ لكنه لا يكفر صاحبها بمجرد أنه فعل المعصية، فهذا رجل يحب الله ورسوله، وقد وقع منه أن شرب الخمر.
ولقد وقع زنا من بعض الصحابة مثل ماعز والغامدية فلم يكفرهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولكن أقام عليهم الحد، وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ومن عوقب به في الدنيا، فهو كفارة له) كما في حديث البيعة الصحيح لما بايعهم، ولذا قال ماعز : طهرني يارَسُول الله! والمرأة تقول: طهرني يا رَسُول الله يرجون التطهير في الدنيا.
فهل التطهير ينفع في حق الكافر من غير أن يؤمن! ولو زنى الكافر هل نجلده أم لا؟
اختلف العلماء، والصحيح أنه يجلد كما في قصة اليهوديان اللذان نزلت فيهما الآيات العظيمة، واللذان بسببهما كانت القصة المشهورة لما وضعوا أيديهم عَلَى حد الرجم، وأقيم عليهم الحد، فأحكام الإسلام وحدوده تجري حتى عَلَى الكفار، وإلا فكيف يقَالَ: إذا زنى المسلم جلدناه، وإذا زنى الكافر قلنا له: أنت كافر لانقيم عليك الحد!! بل نقول: الإيمان بينه وبين ربه، لأن الله أمرنا أن نأخذ منهم الجزية عن يد وهم صاغرون، وأن يكون حالنا معهم مثل حال الرَّسُول مع اليهودحين حالفوه وكانوا مواطنين في حكم الدولة المسلمة، فما داموا تحت حكم الْمُسْلِمِينَ فعلى الْمُسْلِمِينَ أن يقيموا عليهم الحدود، ولا يسمحوا لهم بالزنا ولا بشرب الخمر.
فالمقص ود أن تقام حدود الإسلام حتى عَلَى الكافر، ومن عوقب في الدنيا فهو كفارة له، وإذا زنا المسلم أو شرب الخمر أو فعل معصية من المعاصي ثُمَّ مات عَلَى ذلك ولم يتب فحكمه عندأهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ في الآخرة أنه تحت مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.
ومغفرة الله تنال الإِنسَان يَوْمَ القِيَامَةِ بعدة أسباب منها: شفاعة الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إذ يشفع الشافعون لأهل الكبائر، ويشفع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وغير النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كما سيأتي تفصيل ذلك في قول المُصْنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ: [ويشفعون لأهل الكبائر].
ومنها: أن يكون عفو الله مقابل التوحيد وإن لم يتب، فإن تاب تاب الله عليه، وقد يغفر الله لمن شاء من أهل المعاصي جاهر بالمعاصي من غير الشَّفَاعَة، كما قال الله تعالى: غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ [غافر:3] لكن المعتزلة والخوارج قالت : غَافِرِ الذَّنْبِ لمن تاب، فنقول: إذا كَانَ غافر الذنب لمن تاب فقط فما معنى قوله: غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ فمعنى غَافِرِ الذَّنْبِ أي: أنه يتكرم ويتجاوز من عنده من غير توبة ولا شفاعة، مثل: صاحب البطاقة التي لا يوجد فيها غير التوحيد، وتسع وتسعون سجلاً من المعاصي، ويغفر الله له مقابل التوحيد بلا شفاعة (يا ابن آدم لو أنك لو لقيتني بقراب الأرض خطايا -أي: بملئ الأرض من الذنوب والخطايا- ثُمَّ لقيتني لا تشرك بي شيئاً، لقيتك بقرابها مغفرة) فإذا لقيه لا يشرك به شيئاً فإنه يغفر له بأنواع المغفرة، إما أن يغفر له برحمته وفضله، وإما أن يغفر له بشفاعة الشافعين، وهذا من كرمه وفضله، وهو من جملة تكريمه للشافع أن قبل شفاعته كقبول شفاعة الشهداء والصالحين.
وأيضاَ فيها مَنُ الله عَلَى المشفوع بأن جعله ممن تدركه هذه الشَّفَاعَة.
إذاً: فمذهبأهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ فيه التناسق والعمل بجميع النصوص الواردة، وفيه عدم رد آية أو حديث صحيح.
• شبهة المعتزلة والخوارج والرد عليها
يقول أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ في مرتكب الكبيرة: لا ننفي عنه اسم الإسلام بالكلية لكن تسلب عنه أسماء المدح، فشارب الخمر لا نقول: إنه من المحسنين ومن المقربين، ولكن يستحق أن يقَالَ: إنه فاسق وعاصي وفاجر وغيرها من أسماء الوعيد، فتسلب عنه أسماء المدح، ولا يطلق عليه اسم الكفر أبداً، والخوارج لهم شبهات لعل تفصيلها سيأتي إن شاء الله، ومن أهم ما خفي عَلَى الخوارج والمعتزلة أنهم جعلوا الفسق والضلال والفجور والكفر بمعنى واحد، وهل هو كذلك في ديننا؟!
الجواب: أن الكفر معناه واحد، ولكن الضلال قد يكون كفراً وقد يكون عصياناً، والفسق قد يكون كفراً مثل فسق إبليس كما قال الله عنه: فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الكهف:50] وقد يكون معصية وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور:4] أي: الذين يقذفون المحصنات.
وكذلك الظلم فتارة يطلق عَلَى الشرك، إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] وتارة يطلق عَلَى المعاصي التي دون الشرك: فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ [فاطر:32] أي من هذه الأمة، فيطلق عَلَى من ارتكب كبيرة أنه ظالم: لأنه وضع الشيء في غير موضعه، ويطلق عَلَى الكافر ظالم: لأنه صرف العبادة لغير الله، وحقها أن تكون لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
وإنما أنكرت المعتزلة والخوارج هذه الشَّفَاعَة لأنها تتناقض مع أصل مذهبهم في الإيمان وهو: أن صاحب الكبيرة كافر مخلد في النَّار ولا يقَالَ: إنه ناقص الإيمان بل ذهب إيمانه بالكلية، والذين أثبتوا الشَّفَاعَة وغلوا في إثباتها حتى خرجوا عن الصراط المستقيم: هم المُشْرِكُونَ الواقعون في الشرك الذين جعلوا عبادة غير الله شفاعة، فأخلوا بالشَّفَاعَة الشرعية الصحيحة التي سوف يأتي تفصيلها بإذن الله.
ومذهب أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ في مرتكب الكبيرة أنه في الدنيا لا يخرج من الملة وإنما يسلب عنه أسماء المدح فقط مثل التقوى والإيمان وغير ذلك، ومع ذلك يبقى له اسم الإيمان بمعنى الإسلام، ولا يخرج من الملة، وفي الآخرة يكون من أهل الشَّفَاعَة، ابتداءً من القوم الذين يغفر الله لهم أو يشفع فيهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أثناء الحساب، وانتهاءً بالجهنمين، وهم آخر من يخرج من النار، بعد أن يشفع الشفعاء كما سيأتي في حديث الشَّفَاعَة الطويل . فهذه هي الفرق والمذاهب في مسألة الشَّفَاعَة، وأما شفاعة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التي ذكرها الإمام الطّّحاويّ هنا فما هي إلا فرع واحد من أنواع الشَّفَاعَة.
4 - أسباب إنكار الشفاعة
قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى :
[ والشفاعة التي ادخرها لهم حق كما روي في الإخبار ]
قال المصنف رحمه الله تعالى :
[ الشفاعة أنواع: منها ما هو متفق عليه بين الأمة ومنها ما خالف فيه المعتزلة ونحوهم من أهل البدع .
النوع الأول : الشفاعة الأولى وهي العظمى، الخاصة بنبينا صلى الله عليه وسلم من بين سائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين، صلوات الله عليهم أجمعين، ففي الصحيحين وغيرهما عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين أحاديث الشفاعة منها : عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال : (أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَحْمٍ، فَدُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ، وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ، فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً، ثُمَّ قَالَ أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهَلْ تَدْرُونَ مِمَ ذَلِكَ؟
يَجْمَعُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صعِيدٍ وَاحِدٍ، يُسْمِعُهُمْ الدَّاعِي، وَيَنْفُذُهُمْ الْبَصرُ، وَتَدْنُو الشَّمْسُ، فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنْ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ وَلَا يَحْتَمِلُونَ.
فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: أَلَا تَرَوْنَ إِلَى مَا أَنْتُمْ فِيهِ؟
أَلَا تَرَوْنَ إِلَى مَا قَدْ بَلَغَكُمْ؟
أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ؟
فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍأَبُوكُمْ آدَمُ، فَيَأْتُونَ آدَمَ.
فَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟
فَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ نَهَانِي عَنْ الشَّجَرَةِ فَعَصيْتُهُ نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ.
فَيَأْتُونَ نُوحًا صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، وَسَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا، فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟
فَيَقُولُ نُوحٌ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ عَلَى قَوْمِي نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ.
فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ، فَيَقُولُونَ: يَا إِبْرَاهِيمُ أَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟
فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، فَذَكَرَ كَذِبَاتِهِ نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام.
فَيَأْتُونَ مُوسَى، فَيَقُولُونَ: يَا مُوسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ اصطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَاتِهِ وَبِتَكْلِيمِهِ عَلَى النَّاسِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟
فَيَقُولُ لَهُمْ مُوسَى: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى.
فَيَأْتُونَ عِيسَى، فَيَقُولُونَ: يَا عِيسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ قَالَ هَكَذَا هُوَ، وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟
فَيَقُولُ لَهُمْ عِيسَى: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ ذَنْبًا، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّد صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَيَأْتُونِي فَيَقُولُونَ يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، وَخَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ذَنْبَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْهُ وَمَا تَأَخَّرَ، فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟
فَأَقُومُ فَآتِي تَحْتَ الْعَرْشِ فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ وَيُلْهِمُنِي مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، اشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ مِنْ الْبَابِ الْأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْأَبْوَابِ.
ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَمَا بَيْنَ مِصرَاعَيْنِ مِنْ مَصارِيعِ الْجَنَّةِ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرَ أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصرَى } أخرجاه في الصحيحين بمعناه، واللفظ للإمام أحمد ] اهـ. .
الشرح :
قول المصنف : [ الشفاعة أنواع، منها ما هو متفق عليه بين الأمة ومنها ما خالف فيه المعتزلة ونحوهم من أهل البدع ]، لم يتعرض المصنف رحمه الله فيه للصنف الذين تقدم ذكرهم، وهم الذين غلوا في الشفاعة فجعلوها للآلهة المعبودة من دون الله من الأصنام والأحجار، ولغير أهلها من المشركين، لأن أمر هؤلاء معروف ولأن هذه الشفاعة إنما هي ذريعة أو وسيلة، زعموها للإشراك بالله فصورتها الحقيقية أكبر من أن تكون ذنباً فيشفع فيه، فهذا وقوع في الشرك الأكبر .
أسباب إنكار الشفاعة :
وأما الشفاعة التي اختلفت فيها فرق الأمة الإسلامية فمنهم من أنكرها بالكلية وهم المعتزلة والخوارج وسبب إنكارهم لها هو الغلو ، فالذين غلوا في نفي الشفاعة هم في الأصل ممن غلا في العبادة والطاعة بزعمه ، فخرج به ذلك عن الصراط المستقيم ، والشيطان يخرج المرء عن الصراط المستقيم وعن الجادة، إما بالغلو في الطاعة ، فيفعل ما لم يشرع الله تعالى، وإما بالتقصير في العبادة حتى يتركها بالكلية عافنا الله وإياكم من ذلك.
و أهل السنة والجماعة دائماً وسطاً بين غلو الغالين ، وبين تفريط المفرطين فقد كان الخوارج من أعبد الناس ، حتى أن ركبهم كانت كركب الإبل من كثرة الركوع والسجود، وشحوب اللون في وجوههم من كثرة السهر بالقراءة والتلاوة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في وصفهم ((تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم وعبادتكم إلى عبادتهم ) وكذلك المعتزلة قد يقول قائل: المعتزلة زنادقة في الغالب وبالأخص المؤسسين، فكيف يكونو مجتهدين في العبادة؟
ولكن في الحقيقة أن أوائل المعتزلة كانوا من الغلاة في التعبد.
ومنهم: عمرو بن عبيد إمام المعتزلة الأول مع واصل بن عطاءوكان عمرو بن عبيد من أشد الناس زهداً في الدنيا، وكان شديد التنسك وشديد العبادة كأنه من الخوارج -وهو كذلك- فهم في الحقيقة فرقة من الخوارج ، أو أقرب الناس إليهم، واختلط المذهبان فيما بعد حتى أصبحا شيئاً واحداً، فكان هذا هو حال أولئك المعتزلة ، ولكن الأمر ليس أمر اجتهاد في العبادة، ولكن الأمر أمر اتباع، فمهما اجتهد المجتهد ولم يتبع، فإنه سيخرج ويضل، فهؤلاء لم يتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه، ولذا غلوا في الحكم على مرتكب الكبيرة.
فقالوا : إن الزاني كافر، وشارب الخمر كافر، وكلهم محرومون من الشفاعة وهذا غلو، وقد يقال: إن هذا الغلو من شدة نفورهم من الزنا، وشرب الخمر والمعاصي، ولكن نفور النفس من الشيء لا تجعلني أجعل المكروه محرماً أو أجعل المحرم كفراً، وكذلك رغبة النفس في الشيء لا تجعلني أجعل الحرام مجرد مكروه أو حتى أقول مباح -والعياذ بالله كما نقول اليوم الأمر بسيط- فإخلاص الدين لله تعالى لا يكون إلا باتباع أمر الله سواء وافق الهوى أم خالفه في أي أمر من الأمور، وإلا فإن من الناس من يكره الزنى؛ لأنه لا يريده وفي الغرب يسمون هؤلاء الناس معقدين جنسياً، لأنه لا يستطيع أن يزني ولا يتزوج، فهل نقول: إنه يؤجر أو أن ينسب إلى أي فضيلة، كما يقال : هذا إنسان مترفع ومتسامي عن هذه الفاحشة والرذيلة، والقضية ليست قضية عقد ولا قضية أهواء.
ولكن يجب أن يكون حب الإنسان وكرهه موافقاً لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم . فتحب من أمرك الله بحبه، فشارب الخمر فيه جانبان، جانب إسلامه، فيراعى أنه مسلم، فتعطى له حقوق المسلم العامة، وجانب المعصية فيراعى فيه أنه عاص فلا تعامله معاملة التقي البار ولا معاملة الكافر، ولكن بين ذلك.
وله عليك بعض الحقوق، ومن هذه الحقوق: حق النصح، وحق التذكير والوعظ، وعدم التشهير، وعدم الفضح، وإلا أعنت الشيطان عليه، ثم هذا الإنسان العاصي نأمل ونرجو له الشفاعة -شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره- ولا سيما إذا كان عند الموت، فالأمل والرجاء في رحمة الله وفي مغفرته فهذه من الأسباب التي قد تفيد العاصي وترده إلى الجادة، فإنك إذا سألت بعض الناس، فإنه يقول لك: أنا لا تنفعني الشفاعة لأني غلطت وفعلت كذا وكذا، وكأنه يريد أن يقول : أنا أريد أن أستمر على المعصية، فإذا قلت له : إن الله تعالى يغفر الذنوب جميعاً، ويقبل توبة عبده فتب وأنب إليه، رغّبه فقد يكون من أسباب رجوعه هنا الترغيب . لكن إذا يأس في الدنيا والآخرة كما فعلت الخوارج والمعتزلة عندما يأست العباد، فكيف تريد منه أن يتوب؟ لكن أهل السنة والجماعة يرغبون الإنسان ويهدونه إلى الطريق المستقيم، ثم هم يعملون بالسنة، ويتبعون الحق.
فلو أن أهل الكبائر كلهم كفار ولا شفاعة لهم يوم القيامة، فلماذا النبي صلى الله عليه وسلم يقتل الرجل من الكفار؛ لأنه كافر، ويقتل الرجل من المسلمين ؛ لأنه قتل، ثم يأخذ هذا حكم وهذا حكم، ويصلي على المسلم صلاة الجنازة ولا يصلي على الكافر...، إلى آخر الأحكام، وغيرها مثل: شارب الخمر،والزاني، والسارق، فهذا التفاوت دليل على تفاوت أحوال الناس، ولو كان الأمر كما يقول هؤلاء الناس، لكان حكم الجميع هو القتل، وهذا الكلام كافٍ لإيضاح مذهبأهل السنة والجماعة ومذهب المخالفين لهم.
الشفاعة 2
لا يزال الشيخ -رعاه الله- يواصل الحديث عن الشفاعة، فقد ذكر في هذا الموضوع شروط الشفاعة وأدلة ذلك من الكتاب والسنة والإجماع، ثم ذكر بعض أنواع الشفاعة، وذكر المخالفين والموافقين لأهل السنة والجماعة في هذا الباب، وذكر أسباب موافقتهم لذلك، ثم تطرق إلى مسألة وجوب فعل الأصلح على الله تعالى لعباده عند المعتزلة والرد عليهم، ثم شرع في شرح حديث الشفاعة الطويل، وبين بعض فوائده وله تتمه ستأتي إن شاء الله تعالى.
1 - الشفاعة : شروطها وأدلتها
الشَّفَاعَة لها شرطان: وبعض العلماء يذكر أكثر من ذلك، لكن الأمر يرجع إِلَى شرطين:
الأول: هو إذنُ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى للشافع، سواءً كَانَ هذا الشافع ملكاً، أو رَسُولاً، أو عبداً صالحاً، أو شهيداً، أو غير شهيد، أو مَنْ شاء الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- من الشفعاء.
الثاني: رضى الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عن المشفوع له، فالشَّفَاعَة تتركب من شافع ومشفوع له ومشفوع لديه، وهو الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى.
• أدلة ذكر الشفاعة من القرآن
الأدلة عَلَى الشَّفَاعَة جلية من كتاب -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- وكذلك من سنة الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فالله تَبَارَكَ وَتَعَالَى يقول في آية الكرسي: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ ألا بِإِذْنِه [البقرة:255] في هذه الآية العظيمة التي هي أعظم أية في كتاب الله لِمَا اشتملت عليه من صفات الألوهية وخصائصها التي هي صفات الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى والتي لا يشاركه فيها أحد نفي الله الشَّفَاعَة عن كل أحد إلا بإذنه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ومن أذن له من العباد أن يَشْفَع فإنه يَشْفَع بإذنه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
وفي سورة النجم يقول الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى عن الملائكة الذين هم عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ولا يرتكبون ما يرتكبه بنو آدم من الذنوب والخطايا يقول عنهم: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم:26] فجعل الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى إذنه شرطاً لشفاعة الملائكة وهم من عباد الله المكرمين الذين كانت بعض الأمم يعبدونهم ويظنون أن فيهم خصائص الألوهية، ويصرفون بعض أنواع العبادة لهم، فبين الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى أنهم لا يشفعون إلا من بعد أن يأذن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لمن يشاء ويرضى، وذكر من صفاتهم أيضاً في الآية الأخرى قوله: وَلا يَشْفَعُونَ ألا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء:28] فإذن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى للملائكة أو للرسل أو لغيرهم هو الشرط الأول. ورضاه عن المشفوع له هو الشرط الثاني.
والله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كما قال : وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ [الزمر 7] فالله تَعَالَى لا يرضى عن الكافرين ولا يحبهم؛ ولذا لا تنفعهم شفاعة الشافعين كما أخبر الله بذلك، وخص الشَّفَاعَة بقوله: إلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف:86] فالشَّفَاعَة خاصة ومحصورة في أهل التوحيد فيمن شهد بالحق وهم يعلمون، فمن شهد شهادة أن لا إله إلا الله، وهو عالم بمعناها، عامل بمقتضاها، فهَؤُلاءِ هم الذين يستحقون الشَّفَاعَة، هذه بعض الآيات في ذلك.
• الأدلة من السنة على ثبوت الشفاعة
أما من السنة: فالحديث العظيم حديث الجهنميين الذي رواه أكثر من صحابي ومنهم: أَبو هُرَيْرَة وأبو سعيد الخدري كما في الروايات التي في صحيح البُخَارِيّ عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفيه (فيخرجون من النَّار وهم آخر النَّاس خروجاً) وهَؤُلاءِ هم الذين يقال لهم: الجهنميون، (فيخرجون من النَّار وقد امتحشوا وصاروا فحماً فيلقيهم الله -عَزَّ وَجَلَّ- في نهر الحياة فينبتون كما تنبت الحميلة في طرق السيل -كما ينبت النبات الذي يكون عَلَى طرف السيل- ثُمَّ يدخلهم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الجنة برحمتهً) .
وهذا يكون بعد أن يشفع الشافعون من الملائكة وعباد الله الصالحين ويتحنن الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى من بعد ذلك عَلَى من يشاء كما في رواية المسند (ثُمَّ يتحنن الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى من بعد ذلك، فيخرج أقواماً لم يعملوا خيراً قط) فهَؤُلاءِ جميعاً الذين هم آخر من يخرج من النَّار تنالهم الشَّفَاعَة وهَؤُلاءِ كلهم من الموحدين .
فلا حظَّ ولا نصيب في الشَّفَاعَة لمشرك إلا في حالة خاصة سيأتي شرحها إن شاء الله تَعَالَى وهي حالة أبي طالب مع العلم أن الإخراج من النَّار لا يكون أبداً لمشرك وإنما هو خاص بالموحدين، ولهذا فإن الجهنميين -كما ورد في نص الحديث الصحيح- يعرفهم الشافعون بعلامة السجود؛ لأن النَّار تأكل ابن آدم إلا آثار السجود.
كما يدل الحديث أن تارك الصلاة ليس من الْمُسْلِمِينَ ولا يعامل معاملة الموحدين ولا تنفعه شفاعة الشافعين، قال الله تَعَالَى في شأنهم: قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ [المدثر:43-46].
فهَؤُلاءِ الذين ليس لهم علامة السجود كيف يخرجون من النار؟
وكيف يعرفهم الشافعون ليخرجوهم من النار؟
وأما من يتحنن الله تبارك عليهم ويخرجهم بعد ذلك، فهم إما أنهم كانت فيهم علامة سجود ضيقة ضعيفة لا تكاد تُرى -مثلاً- أو ممن كانت لهم حالة خاصة كمن يعيش في آخر الزمان حيث لا يدري النَّاس ما صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا نسك، وحيث يندرس العلم، فالمسلم في ذلك الزمان هو الذي يقول لا إله إلا الله فقط، لا يعرفون إلا هذه الشهادة -لا إله إلا الله- ومع ذلك هم خير ذلك الزمان، وشر الخلق بالنسبة لمن بعدهم، ثُمَّ يهلكون، ولا تقوم الساعة حتى لا يبقى في الأرض من يقول: لا إله إلا الله، كما أخبر بذلك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذا له تفصيله إن شاء الله في مبحث الحشر والجنة والنار.
والمقصود هنا: أنَّ الذين بلغت بهم المعاصي إِلَى أن تركوا الصلاة أو ارتكبوا أي معصية تخرج صاحبها من الملة فهَؤُلاءِ ليسوا من أهل التوحيد. فكل من ليس من أهل التوحيد وكان من أهل الكفر: إما كفراً أصلياً أو كفر ردة. فهَؤُلاءِ لا تنالهم الشَّفَاعَة ولا يخرجون من النار.
• إثبات الشفاعة بالإجماع
أما ثبوت الشَّفَاعَة بالإجماع: فقد أجمع أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ على إثبات الشَّفَاعَة كما ورد في كتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإنما وقع الخلاف من أهل البدع ومَنْ حذا حذوهم أو تأثر بهم.
2 - بعض أنواع الشفاعة
ثُمَّ بين المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى أنواع الشَّفَاعَة: وذكر أن منها ما هو متفق عليه بين الأمة، ومنها ما خالف فيه المعتزلة ونحوهم من أهل البدع، ومن هذه الأنواع ما يلي:
• الشفاعة العظمى
وهذ الشَّفَاعَة هي الخاصة بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من بين سائر إخوانه من الأَنْبِيَاء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين، وهذه الشَّفَاعَة العظمى أجمعت عليها الأمة: أهل السنة وأهل البدع من المعتزلة والخوارج وغيرهم، وهي: شفاعة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المحشر عند اشتداد الكرب والهول وعندما يفزع النَّاس إِلَى آدم، ثُمَّ إِلَى نوح، ثُمَّ إِلَى إبراهيم، ثُمَّ إِلَى موسى، ثُمَّ إِلَى عيسى، ولا يجدون من يشفع لهم ويضيق الخلق أجمعون ويشتد الكرب عليهم جميعاً، فيلجئون إِلَى الله عَزَّ وَجَلَّ يريدون منه أن يفصل الموقف، وأن يُدْخِلَ أهل الجنة الجنة وأهل النَّار النار، ففي هذا الموقف العظيم حين يتراجع كل الأَنْبِيَاء أولوا العزم وغيرهم من الخلائق يكون المقام المحمود للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
• الشفاعة في رفع الدرجات
هناك أيضاً نوع أخر من أنواع الشَّفَاعَة: وهو شفاعته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في رفع درجات من يدخل الجنة فوق ما كَانَ يقتضيه ثواب أعمالهم.
• موافقة الخوارج والمعتزلة لأهل السنة في هاتين الشفاعتين
وافقت المعتزلة و الخوارج أهل السنة في النوعين السابقين من أنواع الشَّفَاعَة، والسبب في ذلك أنه ليس في هذه الشَّفَاعَة إخراج أحد من النَّار فقاعدتهم -التي سبقت معنا- أن صاحب الكبيرة خالد مخلد في النار، والشَّفَاعَة الكبرى شفاعة المحشر، يثبتهاالمعتزلة ، لأنهم لا يرون فيها تعارضاً مع ما أصَّلوه وهو: أن صاحب الذنب لا بدَّ أن يُجازى بذنبه وجوباً، فيدخل النَّار ولا يخرج منها عياذاً بالله، هكذا قررت عقولهم دون الرجوع إِلَى الآيات وإلى الأحاديث، ووافقهم عَلَى ذلك الخوارج .
بل وافقهم بعض التابعين مثل: يزيد بن الفقير كما في صحيح مسلم ، وطلق بن حبيب كما في الأدب المفرد للبخاري يقول: "كنت أرى رأي الحرورية -أي: رأي الخوارج -ولا أؤمن بالشَّفَاعَة" ، أو قَالَ: "وكنت من أشد النَّاس إنكاراً للشفاعة".
فبعض التابعين الذين لم يكونوا من الخوارج انقدحت في أذهانهم هذه الشبهةوهو أن صاحب المعصية لا بد أن يجازى فكيف يشفع فيه أحد، وذهلوا وغفلوا عن الآيات والأحاديث الواردة في هذا الشأن، حتى بيَّن لهم أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذين أدركوا ظهور هذه الشبهة وهذه البدعة، وممن أدرك ظهور بدعة إنكار الشَّفَاعَة من الصحابة جابر بن عبد الله رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما، وأنس بن مالك وعبد الله بن عباس .
وقد أخبر عمر بن الخطاب رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: "أنه سيأتي قوم ينكرون الشَّفَاعَة " والقصد أن هَؤُلاءِ الخوارج والمعتزلة أثبتوا هذه الشَّفَاعَة لأنه ليس فيها إخراج أحد من النَّار وإنما فيها زيادة استحقاق.
3 - مسائل متفرقة في باب الشفاعة
• مسألة فعل الأصلح عند المعتزلة
المعتزلة عندهم قاعدة خبيثة وهي: (أنه يجب عَلَى الله أن يفعل الأصلح وأن يختار لعبده الأصلح) هكذا قرر إبراهيم النظام وأصحابه من البراهمية الذين هم في الأصل براهمية مجوس ثُمَّ أرادوا أن يخدموا دين الإسلام، فجاءوا بهذه المعاذير التي ينفر منها المؤمن، فمن الذي فرض عَلَى الله فعل الأصلح؟! وتجدهم يأتون بهذه القاعدة عندما ترد النصوص والأحاديث الدالة عَلَى أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يشفع في أناس من أهل الجنة لينالوا درجة أعلى! فيقولوا: هذا من باب وجوب فعل الأصلح
وأعظم شيء خالف فيه المعتزلة ومن تبعهم هي الشَّفَاعَة التي تقتضي الإخراج من النار، وذلك بناءً عَلَى أن مرتكب الكبيرة خالد مخلد في النَّار. وَقَالُوا: لا يليق أن يفعل عبد الكبيرةَ ثُمَّ يدخل الجنة بشفاعة الشافعين فيصير مثل التقي الزاهد الورع، فهذا ليس من باب العدل! وأخذوا يحاكمون أفعال الله -عَزَّ وَجَلَّ- إِلَى عقولهم الكليلة القاصرة، ويخصون المغفرة بالتوبة، فلا يغفر الله لصاحب الكبيرة إلا إذا تاب، فلو مات وهو مرتكبٌ لكبيرة فإنه يكون من أهل النَّار خالداً فيها مخلداً، واختلفوا في اسمه في الدنيا -كما تقدم- فسماه الخوارج كافراً، والمعتزلة جعلوه في منزله بين منزلتين لا كافر ولا مؤمن.
وهذا يرجع إِلَى اعتقادهم الفاسد وهو أنَّ التقي يستحق دخول الجنة عِوَضاً عن عمله الصالح، ويستحق دخول النَّار عوضاً عن عمله الطالح فجعلوا المسألة مسألة أخذ وعطاء وبيع وشراء ولم يجعلوا لرحمة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ولا لشفاعته ولا لمغفرته شيئاً من ذلك.
وقد سبق أن ذكرنا في الرد عليهم أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وصف نفسه في أول سورة غافر فقال: غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ ألا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ [غافر:3] فوصف نفسه في هذه الآية بصفتين عظيمتين أنه غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ فإذا كَانَ لا يغفر إلا لمن تاب فيكفي ذكر صفة واحدة، وهو: أنه قابل التوب فقط، فإذا عرفنا الله وعرفنا صفاته تعالى، عظَّمناه وقدرناه حق قدره، وعرفنا ماذا نعتقد في حقه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فمن تاب قَبِلَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى توبته حتى وإن تان من الشرك.
• الجمع بين آيات الرجاء وآيات الوعيد
الله تَعَالَى عندما قال في آيات الرجاء وآيات الوعيد يظن قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [الزمر:53] وقوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [المائدة:72] وأيضاً قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48].
فكونه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لا يغفر للمشركين وأنه حرم عليهم الجنة، هذا حق وكونه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يقبل التوبة من أي أحد، هذا حق أيضاً، ولا تعارض بينهما؛ فإذا تاب المشرك فقد انتقل من هذا الحكم -عدم المغفرة للمشرك- إِلَى حكم إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً .
وهذا يدخل في ضمن صفة (قابل التوب) فيقبل الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى التوبة حتى من المشرك، فإذا تاب وأسلم فإن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يقبل توبته وهذا حكم ظاهر معلوم، عمل به الصحابة الكرام كما أمر الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى في أخر آيات الأحكام -التي نزلت في أول سورة التوبة- أحكام المنافقين والْمُشْرِكِينَ حين أظهر الله دينه وأعزه.
وقال سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ [التوبة: 5] وقال في سورة الفرقان بعد أن ذكر سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى صفات عباد الرحمن: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ [الفرقان:68] هذا هو الشرك وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ ألا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ [الفرقان:68] وهذه أعظم الكبائر.
ثُمَّ قال : وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * ألا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً [الفرقان:68-70] وهذا أصل عظيم وواضح ولكن إذا عميت البصيرة، فإنه يخفى عليها مثل هذا الأمور الواضحات، غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ فكما أنه اتصف بقبوله التوبة فإنه متصف أيضاً بغفران الذنوب وبالعفو وبالمغفرة وبالكرم.
فهو سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يجازى العبد عَلَى العمل الصالح بأضعاف أضعاف ما يستحق والأصل أن العبد لاحق له عَلَى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، كما قال تَعَالَى : مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا [النمل:89] وفسرتها الآية الأخرى فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا [الأنعام:160] وهذا كرم من الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ثُمَّ يضاعف الله لمن يشاء إِلَى سبعمائة ضعف، وبعد الوزن وبعد أن ترجح سيئات أناس عَلَى حسناتهم، ويستحقون دخول النَّار يغفر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِمَن يشاءُ منهم بمنِّه وفضله وكرمه، ولا أحد يُحجِّرُ عَلَى رحمة الله الواسعة، فهذا ما ذهب إليهأهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ .
وأما أهل البدع، فإنهم يجعلون المسألة مسألة عوض ومسألة مقابلة.
• المعتزلة وجزاء الأعمال
نجد أهل البدع وعلى سبيل الخصوص المعتزلة يضطربون اضطراباً عظيماً في فهم بعض النصوص فمن ذلك:
الحديث الصحيح الثابت عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قَالَ: ((إنه لن يدخل الجنة أحد بعمله) فالمعتزلة ينكرون مثل هذا الحديث ويقولون: كيف لا يدخل أحد الجنة بعمله وهو الذي يقول: بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [المائدة:105] ( بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأنعام:129]، وكان الواجب عليهم أن يردوا ما أشكل عليهم من نصوص الكتاب والسنة إِلَى أهل العلم فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43] هذا ما أرشدنا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إليه، لكنَّ هَؤُلاءِ يستفتون عقولهم وأراءهم.
والجواب عَلَى هَؤُلاءِ أن تقول: إن قوله تعالى: بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ، أن الباء هنا باء السببية أي: بسبب العمل الصالح يدخلون الجنة فعباد الله الصالحين في هذه الحياة الدنيا يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويطيعون الله ورسوله، وكل هذه أسباب يبذلونها لتوصلهم إِلَى رضى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وإلى جنته، فلو كانت المسألة مسألة مبادلة وعوض فلن يدخل الجنة أحد بعمله، فما هي أعمالنا؟ أعمالنا لا تكافئ موضع في الجنة، فليست هناك مكافئة، وإنما ندخلها برحمة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وبمنه وفضله وكرمه.
• شرح حديث الشفاعة العظمى
قَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
[النوع الأول: الشَّفَاعَة الأولى وهي العُظْمَى، الخاصَّةُ بنبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من بين سائر إخوانه من الأَنْبِيَاء والمرسلين، صلواتُ الله عليهم أجمعين.
ففي الصحيحين وغيرهما عن جماعة من الصحابة رَضِيَ اللهُ عَنْهُم أجمعين أحاديث الشَّفَاعَة منها:
عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: (أُتى رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بلحم، فَدُفِعَ إليه مِنْهَا الذِّرَاعُ، وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ فَنَهَسَ منها نهسة، ثُمَّ قَالَ: أنا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وهل تدرون مِمَّ ذاك؟ يَجْمَعُ اللهُ الأولينَ والآخرينَ في صَعِيدٍ وَاحِدٍ يَسْمَعُهُم الداعي، وينفذهم البصر، وتدنو الشمس، فيبلغ النَّاس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول بعض النَّاس لبعض: ألا ترون إِلَى ما أنتم فيه: ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إِلَى ربكم؟
فَيَقُولُ بعض النَّاس لبعض: أبوكم آدم.
فَيَأْتُونَ آدم، فَيَقُولُونَ: يا آدمُ أَنْتَ أبو البشر خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، فاشفع لنا إِلَى ربك، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيْهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟
فيقول آدم: إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبَاً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وإنه نهاني عن الشجرة فعصينه، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذهَبُوا إِلَى غَيْرِي ..... اذَهبُوا إِلَى نُوحٍ.
فَيَأْتُونَ نُوحاً فَيَقُولُونَ: يا نُوح أَنْتَ أولُّ الرسل إِلَى أهل الأرض، وسماك الله عبداً شكوراً، فاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيْهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟
فَيَقُولُ نوح: إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبَاً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وإنه كانت لي دعوة دعوت بها عَلَى قومي نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذَهبُوا إِلَى إبْرَاهِيْمَ.
فيأتون إبْرَاهِيْمَ، فَيَقُولُونَ: يا إبْرَاهِيْمُ، أَنْتَ نبي الله وخليله مِنْ أَهْلِ الأرض أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيْهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟
فَيَقُولُ: إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبَاً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وذَكَرَ كذباته، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذهَبُوا إِلَى غَيْرِى، اذَهبُوا إِلَى مُوسَى.
فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُونَ: يا مُوسَى، أَنْتَ رَسُول الله اصطفاك الله برسالاته وبتكليمه عَلَى الناس، اشفع لنا إِلَى ربك، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيْهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟
فَيَقُولُ لهم موسى: إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبَاً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وإني قتلت نفساً لم أومر بقتلها، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذَهبُوا إِلَى عِيسَى.
فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُونَ: يا عِيسَى أَنْتَ رَسُول الله وكلمته ألقاها إِلَى مريم وروح منه قَالَ: هكذا هو، وكلمت النَّاس في المهد، فاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّك، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيْهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟
فَيَقُولُ لهم عِيسَى: إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبَاً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر له ذنبا، اذهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذَهبُوا إِلَى مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَيَأْتُونِي فَيَقُولُونَ: يا مُحَمَّد أَنْتَ رَسُول الله وخاتم الأنبياء، غَفَرَ اللهُ لكَ مَا تَقدمَ من ذَنْبِكَ وما تَأخر، فاشفع لنا إِلَى ربك، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيْهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟
فأَقُومُ فآتي تحت العَرْشِ فَأَقَعُ ساجداً لربي عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ يفتح الله علي ويُلْهِمُنِي مِنْ مَحَامِدِهِ، وَحُسنِ الثناءِ عليه ما لم يفتحه عَلَى أحد قبلي، فيُقَالُ: يا محمد، ارفع رأسك، سَلْ تُعْطَه، اشْفَعْ تُشفَّعْ، فَأَقُولُ: يا رَبِّ أُمتي أُمتي، يا رب أمتي أمتي، يا رب أمتي أمتي، فيُقَالُ: أَدْخِلْ من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء النَّاس فيما سواه من الأبواب، ثُمَّ قَالَ: والذي نفسي بيده، لما بين مصراعين من مَصَارِيعَ الجنَّة كما بين مَكَّةَ وهَجَرَ أو كما بين مَكَّةَ وبُصْرَى ) أخرجاه في الصحيحين بمعناه، واللفظ للإمام أَحْمَد ]
هذا الحديث هو أحد الأحاديث الكثيرة الواردة في إثبات الشَّفَاعَة العظمى للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
يقولأَبو هُرَيْرَة رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: [أُتى رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بلحم، فَدُفِعَ إليه مِنْهَا الذِّرَاعُ، وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ] وهو أطيب ما في الشاة وأهناؤه، [فَنَهَسَ منها نهسة] أي: نهش والمعنى متقارب.
[ثُمَّ قَالَ: أنا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وهل تدرون مِمَّ ذاك؟] أي: لم أكون سيد النَّاس يَوْمَ القِيَامَةِ؟! [يَجْمَعُ اللهُ الأولينَ والآخرينَ في صَعِيدٍ وَاحِدٍ يَسْمَعُهُم الداعي، وينفذهم البصر، وتدنو الشمس، فيبلغ النَّاس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون] ففي يَوْمِ القِيَامَةِ أهوال عظيمة لا تعد ولا تحصى، والذي يوجد في هذا الحديث من هذه الأهوال هو أحد ما ورد في ذلك، وإلا فهي كثيرة في القرآن، والله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى سمى هذا اليوم بأسماء كثيرة منها: الحاقة والقارعة والواقعة، ثُمَّ في مواضع متفرقة من القُرْآن يعرض مشاهد يَوْمَ القِيَامَةِ، وذلك لعظم الأهوال في ذلك اليوم وشدة الكرب.
ثُمَّ يقول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [فيبلغ النَّاس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون] في ذلك الموقف (حيث تكون الشمس عَلَى مسافة ميل، فمن النَّاس من يلجمه العرق إلجاماً، ومنهم من يبلغ إِلَى منكبه، ومنهم من يبلغ إِلَى سرته، ومنهم من يبلغ إِلَى حقويه ومنهم من يبلغ إِلَى ركبتيه) ، موقف عظيم وعطش شديد وكرب وهول لا تكاد العقول تتخيله، فضلاً عن أن تتحمله، فحينئذٍ يضج الخلق أجمعون، ويبحثون عن مخرج وعن حيلة من هذا الكرب ومن هذا الموقف.
[فيقول بعض النَّاس لبعض: ألا ترون إِلَى ما أنتم فيه] والنَّاس في ذلك الوقت في حيرة عن التفكير وشدة تذهلهم عن أي فكرة ورأي صواب، ولكن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يتكرم في ذلك اليوم، ويظهر فضل نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جميع العالمين، ويظهر هذا الدين في ذلك اليوم، ويُصدق ما شهد وأخبر به الأَنْبِيَاء من قبل في ظهور هذا الدين، وظهور هذا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويحقق له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما اختبأ وادخر لأمته.
فإنَّ لِكُلِ نبيٍ دعوة مستجابة، والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اختبأ وادخر دعوته لأمته يَوْمَ القِيَامَةِ كما صح ذلك عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد خيَّره ربه في هذه الحياة الدنيا بين أن يدخل نصف أمته الجنة وبين الشَّفَاعَة، فاختار رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشَّفَاعَة، وذلك لعلمه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأنها أفضل وأجدى لأمته من أن يدخل نصفهم الجنة، وذلك من فضله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعظيم حقه عَلَى أمته، فيكرمه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ويظهر سيادته عَلَى النَّاس يَوْمَ القِيَامَةِ بأن يلهم النَّاس فيقولون: لم لا نستشفع إِلَى ربنا، ونطلب ممن لهم م كانة ومقام عنده سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يشفعوا إِلَى الله ليفض ما نَحْنُ فيه من هذا الكرب ومن هذا الموقف العظيم، ويفصل بين النَّاس فيقولون: بمن نبدأ؟
[فَيَقُولُ بعض النَّاس لبعض: أبوكم آدم] الذي خلقه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بيده وفضله، لعله أن يشفع لنا عند الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى [فَيَأْتُونَ آدم] ويثنون عليه ويذكرون منزلته عند الله رجاء أن يقبل في أن يشفع لهم.
[فَيَقُولُونَ: يا آدمُ! أَنْتَ أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، فاشفع لنا، إِلَى ربك أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيْهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فيقول آدم عَلَيْهِ السَّلام: إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبَاً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ] نعوذ بالله من غضبه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُبارَزُ ويُحاَربُ ويُجَاهرُ بالمعاصي في هذه الحياة الدنيا، وتُرتكب المحرمات جِهَاراً وعلانية في أكثر الأرض والله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَحْلُمُ عنَّا ويمهلنا ويؤخرنا إِلَى أجل مسمى، لكن في ذلك اليوم يشتد غضب الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فيغضب غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، نسأل الله أن يجيرنا من غضبه، ويقول الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في ذلك اليوم: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [غافر:16] ثُمَّ ينادي: أين الجبارون! أين ملوك الأرض! أين المتكبرون لمن الملك اليوم؟ فيخرسون ولا يجيب أحد لشدة ما هم فيه من الهول والكرب حتى يقول الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر:16] يجيب سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى نفسه، بل يُحشَر المتكبرون كما في الحديث الصحيح (يحشر المتكبرون كأمثال الذر يَوْمَ القِيَامَةِ) فيذهب الكبرياء، ويذهب الفخر، فلا ينفع مال ولا بنون ولا أحساب ولا أنساب ولا قرابات في ذلك الموقف، فيغضب الله غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وقد غضب الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى أمم وأهلكهم، فأهلك قوم نوح، وأهلك عاداً الأولى، وثمود فما أبقى، وأهلك قوم فرعون، وأهلك قوم لوط، ومع ذلك فإن غضبه يَوْمَ القِيَامَةِ أشد؛ لأنه ادخر العذاب الشديد، وأجله إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وأما من كَانَ من المؤمنين ولكنه عصى الله وبارزه وحاربه بالمعاصي، فإنه أيضاً حذَّر وأنذَّر في الدنيا، فيأتيه يَوْمَ القِيَامَةِ فيكون الغضب الشديد في ذلك الموقف الذي يخرسون ولا ينطقون، ولا يؤذن لهم فيعتذرون.
ثُمَّ يبين آدم عَلَيْهِ السَّلام عذره بقوله: [وإن ربي نهاني عن أكل الشجرة فعصيته] وهذه المعصية قد غفرت له عَلَيْهِ السَّلام قبل أن ينزل إِلَى هذه الدنيا، ولكن هذا الموقف لا يتقدم له إلا عبد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وآدم عَلَيْهِ السَّلام غُفِرَ له لكنه يقول: إني حينما أتذكر هذه المعصية لا أستطيع أن أشفع لكم [نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذَهبُوا إِلَى نُوحٍ] وهذا الترتيب حكمة من الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
فيتقدم نوح وهو أول الرسل من أولو العزم [فَيَأْتُونَ نُوحاً فَيَقُولُونَ: يا نُوح أَنْتَ أولُّ الرسل إِلَى أهل الأرض] وهذا دليل عَلَى أن نوح عَلَيْهِ السَّلام هو أول الرسل لأن بني آدم كانوا عَلَى التوحيد عشرة قرون؛ حتى وقع الشرك في قوم نوح، وذلك بعبادة الصالحين، فانحرفوا فأرسل الله إليهم أول الرسل نوح عَلَيْهِ السَّلام كما أخبر بذلك حبر هذه الأمة عبد الله بن عباس قَالَ: [وسماك الله عبداً شكوراً] إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً [الإسراء:3] [فاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيْهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فيقول نوح: إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبَاً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ] يعيد ما قاله آدم عَلَيْهِ السَّلام، ثُمَّ يقول: [وإنه كانت لي دعوة دعوت بها عَلَى قومي] كما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إن لكل نبي دعوة) فدعوة نوح عَلَيْهِ السَّلام دعا بها عَلَى قومه فقَالَ: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً [نوح:26].
وأمَّا رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنه اختبأ وادخر دعوته إِلَى هذا الموقف، وهذا من فضله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أمته، ثُمَّ يقول: [نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذَهبُوا إِلَى إبراهيم] فدلهم عَلَى أفضل الأَنْبِيَاء بعده في الزمن وهو إبراهيم أبو الأَنْبِيَاء وإمام الموحدين عليه وعلى نبينا وعلى جميع الأَنْبِيَاء أفضل الصلاة والسلام، [فيأتون إبْرَاهِيْمَ، فَيَقُولُونَ: يا إبْرَاهِيْمُ، أَنْتَ نبي الله وخليله مِنْ أَهْلِ الأرضِ] اشفع لنا إِلَى ربك يا خليل الرحمان اشفع لنا إِلَى العزيز الجبار المتكبر، [أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيْهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فيقول -كما قال الأَنْبِيَاء من قبله-: إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبَاً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ] نعوذ بالله من غضب الله عَزَّ وَجَلَّ، [وذَكَرَ كَذِباته] وهي لما قَالَ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا [الأنبياء:63] وأشار إِلَى الصنم، وأنه هو الذي كسَّر الأصنام، ولما قال هذه أختي وهي زوجته، وهذه ليست في الواقع كذباً بالمعنى المعروف، وإنما هي تعريض وتلميح يفهم منه السامع غير الحقيقة وغير الواقع، فأتى إبراهيم الخليل عَلَيْهِ السَّلام بما يبرر عندهم أنه ليس أهلاً لذلك الأمر.
ثُمَّ قَالَ: [نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذَهبُوا، إِلَى موسى، فيقولون: يا موسى أنت رَسُول الله اصطفاك الله برسالاته وبتكليمه عَلَى النَّاس اشفع لنا إِلَى ربك ألا ترى ما نَحْنُ فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟] فيعيد موسى عَلَيْهِ السَّلام نفس المقالة: [إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبَاً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وإني قَتلتُ نَفْسَاً لم أُؤمر بِقتلِهَا] كما قال تعالى: فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ [القصص:15] ثُمَّ يقول: [نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي] كما قال غيره من الأنبياء.
ثُمَّ يقول: [اذهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذَهبُوا إِلَى عيسى، فيأتون عيسى عَلَيْهِ السَّلام فيقولون: يا عيسى أنت رَسُول الله وكلمته ألقاها إِلَى مريم وروح منه فاشفع لنا إِلَى ربك أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيْهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فيقول لهم عيسى عَلَيْهِ السَّلام: إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبَاً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ ولم يذكر -عيسى عَلَيْهِ السَّلام في هذه الرواية- ذنباً] ولكن في بعض الروايات يقول: (إني قد عُبدت من دون الله عَزَّ وَجَلَّ) فكأن ذلك يمنعني، وما ذلك إلا لكي يتأخر.
ويتقدم الشفيع صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ يقول: [اذَهبُوا إِلَى مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَيَأْتُونِي فَيَقُولُونَ: يا مُحَمَّد أَنْتَ رَسُول الله وخاتم الأنبياء، غَفَرَ اللهُ لكَ مَا تَقدمَ من ذَنْبِكَ وما تَأخر، فاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيْهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟] يقول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [فأَقُومُ فآتي تحت العَرْشِ] وفي الرواية الأخرى يقول: (أنا لها أنا لها) حينما يتخلى ويتأخر الجميع يقول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أنا لها أنا لها) هذا هو المقام المحمود العظيم الذي يختص به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دون غيره من الناس، ثُمَّ يقول: [فأَقُومُ فآتي تحت العَرْشِ فَأَقَعُ ساجداً لربي عَزَّ وَجَلَّ] فالرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يستشفع إِلَى ربه بهذا العمل فإن (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) فيسجد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لربه عَزَّ وَجَلَّ، يقول: [ثُمَّ يفتح الله علي ويُلْهِمُنِي مِنْ مَحَامِدِهِ، وَحُسنِ الثناءِ عليه ما لم يفتحه عَلَى أحد قبلي] فثناء العبد عَلَى الله موجب أو سبب لحصول الخير والفضل.
فعند ذلك يقول الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى: [يا محمد، ارفع رأسك، سَلْ تُعْطَه، اشْفَعْ تُشفَّعْ] وهذا فضل من الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وإكرام، حتى إن الخلق جميعاً يفرحون أنَّ الله تَعَالَى قد شفَّع فيهم مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيقول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [يا رَبِّ أُمتي أُمتي] كل الأَنْبِيَاء يقولون: نفسي نفسي إلا مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنه يقول: [يا رَبِّ أُمتي أُمتي، يا رَبِّ أُمتي أُمتي، يا رَبِّ أُمتي أُمتي، فيقول الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء النَّاس فيما سواه من الأبواب].
وقد جَاءَ في الحديث المتفق عليه أنهم سبعون ألفاً ، وصح في الحديث الأخر: أن مع كل واحد سبعون ألفاً من أمة مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فهَؤُلاءِ يدخلون الجن ة من باب خاص من المصراع الأيمن يكرم الله محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذلك ويرى النَّاس ذلك.
وهذه الطائفة من أمة مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التي هي آخر الأمم فيدخلون الجنة قبل الحساب، وقبل أن تنصب الموازين، وقبل أن يفصل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بين العباد .
ثُمَّ يقول: [وهم شركاء النَّاس فيما عداه من الأبواب، والذي نفسي بيده، لما بين مصراعين من مَصَارِيعَ الجنَّة كما بين مَكَّةَ وهَجَرَ أو كما بين مَكَّةَ وبُصْرَى ] وهذا من سعة الجنة وسعة مصارعيها، وفي الحديث أن الكلام عَلَى الأكل سُنَّة، وليس كما يزعم النَّاس من أن الكلام عَلَى الطعام من قلة الأدب، ويقولون: لا كلام عَلَى طعام.
الشفاعة 3
يواصل الشيخ -حفظه الله- شرحه الممتع على حديث الشفاعة، مع بعض الاستدراكات على المصنف في شرحه حديث الشفاعة، ثم شرع في ذكر أنواع الشفاعة، وذكر ما هي الشفاعات التي تختص بالنبي صلى الله عليه وسلم والشفاعات التي يشاركه فيها غيره من الأنبياء والملائكة والمؤمنين، وذكر الفرق المخالفة لأهل السنة في موضوع الشفاعة والرد عليها، وذكر أنواع الشفاعات التي وافق عليها أهل البدع والشفاعات التي خالفوا فيها، وذكر أوجه مخالفتهم وأسباب ردهم لها .
1 - توجيه تعليق المصنف على حديث الشفاعة
قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
[والعجبُ كُلُّ العجبِ من إيرادِ الأئمةِ لهذا الحديث من أكثر طرقه، لا يذكرون أمر الشَّفَاعَة الأولى في أن يأتي الرب تَعَالَى لفصل القضاء كما ورد هذا في حديث الصور، فإنه المقصود في هذا المقام، ومقتضى سياق أول الحديث، فإن النَّاس إنما يستشفعون إِلَى آدم فمن بعده من الأَنْبِيَاء في أن يفصل بين النَّاس ويستريحوا من مقامهم، كما دلت عليه سياقاته من سائر طرقه، فإذا وصلوا إِلَى المحز إنما يذكرون الشَّفَاعَة في عصاة الأمة، وإخراجهم من النار.
وكأن مقصود السلف في الاقتصار عَلَى هذا المقدار من الحديث هو الرد عَلَى الخوارج ومن تابعهم من المعتزلة الذين أنكروا خروج أحد من النَّار بعد دخولها، فيذكرون هذا القدر من الحديث الذي فيه النص الصريح في الرد عليهم فيما ذهبوا إليه من البدعة المخالفة للأحاديث.
وقد جَاءَ التصريح بذلك في حديث الصور، ولولا خوف الإطالة لسقته بطوله، لكن من مضمونه: (أنهم يأتون آدم ثُمَّ نوحاً ثُمَّ إبراهيم ثُمَّ موسى ثُمَّ عيسى ثُمَّ يأتون رَسُول الله محمداً صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيذهب فيسجد تحت العرش في مكان يقال له: الفَحْصُ، فيقول الله: ما شأنك؟ وهو أعلم، قال رَسُول الله صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأقول: يارب، وعدتني الشَّفَاعَة فشفعني في خلقك، فاقض بينهم فيقول سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: شفَّعْتُكَ أنا آتيكم فأقضي بينهم، قَالَ: فأرجع فأقف مع الناس.
ثُمَّ ذكر انشقاق السموات وتنزل الملائكة في الغمام ثُمَّ يجيء الرب سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لفصل القضاء، والكروبيون والملائكة المقربون يسبحونه بأنواع التسبيح، قَالَ: فيضع الله كرسيه حيث شاء من أرضه، ثُمَّ يقول: إني أنصت لكم منذ خلقتكم إِلَى يومكم هذا، أسمع أقوالكم وأرى أعمالكم، فأنصتوا إلي فإنما هي أعمالكم وصحفكم تقرأ عليكم فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، إِلَى أن قَالَ:
فإذا أفضى أهل الجنة إِلَى الجنة قالوا: من يشفع لنا إِلَى ربنا فندخل الجنة؟ فيقولون: من أحق بذلك من أبيكم إنه خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه وكلمه قُبلاً، فيأتون آدم فيطلبون ذلك إليه، وذكر نوحاً ثُمَّ إبراهيم ثُمَّ موسى ثُمَّ عيسى ثُمَّ مُحَمَّد صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ... إِلَى أن قَالَ:
قال رَسُول الله صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فآتي الجنة فآخذ بحلقة الباب، ثُمَّ استفتح فيفتح لي، فأحيى ويرحب بي، فإذا دخلت الجنة، فنظرت إِلَى ربي عَزَّ وَجَلَّ خررت له ساجداً، فيأذن لي من حمده وتمجيده بشيء ما أذن به لأحد من خلقه، ثُمَّ يقول الله لي: ارفع يا مُحَمَّد واشفع تشفع وسل تعطه، فإذا رفعت رأسي قال الله -وهو أعلم-: ما شأنك؟
فأقول يارب وعدتني الشَّفَاعَة فشفعني في أهل الجنة يدخلون الجنة، فيقول الله عَزَّ وَجَلَّ: قد شفعتك وأذنت لهم في دخول الجنة) ...
الحديث رواه الأئمة: ابن جرير في تفسيره والطبراني وأبو يعلى الموصلي والبيهقي وغيرهم] اهـ.
الشرح:
لم أرَ وجهاً لتعجب المُصنِّفُ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- من الحديث الذي رواه البُخَارِيّ ومسلم وأَحْمَد ، وهو قوله: (يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، ثُمَّ يقول بعض النَّاس لبعض: ألا ترون إِلَى ما أنتم فيه؟ ألا ترون إِلَى ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إِلَى ربكم؟ فيقول بعض النَّاس لبعض: أبوكم آدم، فيأتون آدم ثُمَّ نوحاً ثُمَّ إبراهيم ثُمَّ موسى ثُمَّ عيسى ثُمَّ محمداً صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ، وفي الرواية الأخرى (عندما يسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنو الشمس فيبلغ النَّاس من الغم والكرب والضيق ما لا يحتملون).
ومن هذا الموقف العظيم تجأر الخلائق إِلَى الأَنْبِيَاء وتفزع لتطلب منهم أن يشفعوا إِلَى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فهذه هي الشَّفَاعَة الأولى في هذا الموقف للفصل بين النَّاس في أمر الحساب، سواء منهم من يستحق الجنة فيدخلها، أو من يستحق النَّار فيدخلها، فالقضية ليست شفاعة خاصة بأهل الجنة ولا شفاعة خاصة لإخراج العصاة من النَّار وإدخالهم الجنة، كما هو ملاحظ من السياق.
فقول المصنف: [لا يذكرون أمر الشَّفَاعَة الأولى في أن يأتي الرب سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لفصل القضاء كما ورد في حديث الصور] هذا الكلام صحيح، فهم لم يذكروا أول الحديث أنه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يبدأ الحشر بالنفخ في الصور، ثُمَّ يأتي الكروبيون والملائكة، وليس في هذا مطعن في أنهم لم يذكروا الشَّفَاعَة الأولى، وإنما لم يأتوا بأول المحشر.
والواقع أنه لم يرد في وصف المحشر حديثاً صحيحاً كاملاً من أوله إِلَى آخره، وإنما الذي حصل أن بعض الوعاظ جمعوا كل ما ورد في الأحاديث وركبوا منها قصة واحدة وجعلو ها كأنها حديث واحد.
وسوف يأتي إن شاء الله تَعَالَى أحاديث عن أنس بن مالك وأبي سعيد رضي الله عنهما وغيرهما تدل عَلَى إخراج عصاة المؤمنين أهل التوحيد من النَّار وإدخالهم الجنة، وهي أحاديث صحيحة رواها الشيخان وقد روى الإمام أَحْمَد رَحِمَهُ اللهُ كثيراً من هذه الأحاديث وكذلك رواها غيره من الأئمة الحفاظ، والسبب في عدم ورود حديثاً كاملاً صحيحاً من أوله إِلَى آخره -والله أعلم- أن النبي صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يحدث أصحابه حديثاً واحداً في المحشر بأكمله، وإنما كَانَ يحدثهم ببعض ما سيحصل في المحشر كما في هذا الحديث، الذي أوله: (أتي بلحم فدفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهس منها نهسة) وذكر فيه أمر شفاعته (وأنه سيد ولد آدم يَوْمَ القِيَامَةِ) ، وفي حديث آخر ذكر صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حوضه، وفي حديث ثالث ذكر الميزان، وفي حديث رابع ذكر دخول أهل الجنة الجنة وفي حديث خامس ذكر شفاعته لـأبي طالب ، وهكذا.
فأحاديث يَوْمَ القِيَامَةِ كآيات يَوْمَ القِيَامَةِ، فهي متفرقة في سور متعددة وفي كل سورة نجد مشهداً وموقفاً وحدثاً قد يرى أنه يختلف عن الآخر، وما ذلك إلا لعظمة هذا اليوم وسعته وكثرة ما فيه من الحوادث والوقائع والأهوال، وكذلك تأتي في السنة أحاديث متفرقة كل حديث فيه مشهد من مشاهد يَوْمَ القِيَامَةِ، فالأحاديث الصحيحة التي وردت ليس فيها حديثاً كاملاً من أوله إِلَى آخره يصف اليوم من أول النفخ في الصور إِلَى آخر شيء من أمور الشَّفَاعَة.
حديث أَبِي هُرَيْرَةَ هو من أكمل الأحاديث وأطولها، وأما هذا التعليق فلعل المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ نقله عن إمام آخر، وكأنه من كلام ابن القيم ولم أتمكن من التحقق من ذلك، أو لم ينقله ابن القيم تعقيباً عَلَى هذا الحديث، وإنما تعقيباً عَلَى اقتصار بعض العلماء عَلَى إثبات الشَّفَاعَة الأخيرة وعدم إتيانهم بأول الحديث، والله أعلم.
ثُمَّ يقول المصنف: [فإذا وصلوا إِلَى المحز إنما يذكرون الشَّفَاعَة في عصاة الأمة وإخراجهم من النار] وهذا ليس في هذا الحديث؛ بل هو في الشَّفَاعَة العظمى، ثُمَّ يقول: [وكان مقصود السلف في الاقتصار عَلَى هذا المقدار من الحديث هو الرد الخوارج ، ومن تابعهم من المعتزلة ] والواقع أن التعميم بالسلف لا ينبغي؛ لأنهم لم يقتصروا عَلَى هذا اللفظ، كما في روايات الصحيحين وغيرها، وإنما قد يكون بعض العلماء الذين أرادو الرد عَلَى الخوارج اقتصروا عَلَى ذلك؛ لكن التعميم لا ينبغي؛ فضلاً عن أن يتعجب من ذلك الفعل؛ لأنه إذا كَانَ المقصود بالسلف هنا علماء الحديث، فليس من عادتهم كلهم اختصار الحديث للرد عَلَى أهل البدع.
والبُخَارِيّ رَحِمَهُ اللهُ يذكر الحديث مجزأً وقد يختصره بحسب الأبواب وهذه طريقته في صحيحه ، لكن الإمام مسلم والإمامأَحْمَد وأبو داود الطيالسي وغيرهم من أصحاب السنن لا يختصرون الحديث بقصد الرد، وإنما يأتون في الغالب بالحديث كاملاً، فإن كَانَ قصده أئمة الحديث فليس بصحيح، وإن كَانَ قصده الأئمة الذين كتبوا في الرد عَلَى أهل البدع فاقتصارهم عليه أيضاً لا يطعن في أهل الحديث أو في عملهم أو ينتقدون من أجله.
فكان ينبغي للمصنف هنا أن يفصل ذلك فَيَقُولُ: وقد ورد في الصحيحين وغيرهما كاملاً، ولكن بعض الأئمة الرادين يقتصرون عليه، ولم يفعل المُصنِّفُ هذا، بل أتى برواية الصحيحين ، ثُمَّ يأتي بعد ذلك بالحديث الذي يظن أنه حديثاً كاملاً، والحق أن الحديث الذي ذكره فيه ضعف، ففيه اضطراب في متنه، بل فيه أيضاً شذوذ كما سنبين ذلك إن شاء الله.
وأما الرد عَلَى الخوارج والمعتزلة ومن تابعهم من الذين أنكروا خروج أحد من النَّار بعد دخولها: فإنكارهم كاذب والرد عليهم حق وقد فعله السلف والأئمة رضوان الله تَعَالَى عليهم وممن فعل ذلك الإمام البُخَارِيّ رَحِمَهُ اللهُ وكذلك الإمام مسلم كما تدل بذلك تراجم هذه الأحاديث، ثُمَّ قال رَحِمَهُ اللهُ: [وقد جَاءَ التصريح بذلك في حديث الصور ولولا خوف الإطالة لسقته بطوله...].
• تحقيق حديث الشفاعة
أخذ المُصْنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ يذكر الحديث، والحديث ضعيف كما قال الشيخ ناصر : "ضعيف أخرجه ابن جرير في تفسيره -كما ذكره المصنف- من حديثأَبِي هُرَيْرَةَ مرفوعاً وإسناده ضعيف؛ لأنه من طريق إسماعيل بن رافع المدني عن يزيد بن أبي زياد وكلاهما ضعيف، بسندهما عن رجل من الأنصار وهو مجهول لم يسم.
وقول الحافظ ابن كثير في تفسيره (1/248، 4/63): إنه حديث مشهور... إلخ، لا يستلزم صحته كما لا يخفى عَلَى أهل العلم.
والمقصود أن هذا الحديث وأمثاله ليست ثابتة فيما روي في وصف المحشر كاملاً ولكنها مركبة، وقد تكون مركبة من أحاديث صحيحة، وأحاديث ضعيفة.
فقول المصنف: [لكن من مضمونه أنهم يأتون آدم ثُمَّ نوحاً ثُمَّ إبراهيم ثُمَّ موسى ثُمَّ عيسى، ثُمَّ يأتون رَسُول الله محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيذهب -يعني رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيسجد تحت العرش في مكان يقال له: الفَحْصُ، فيقول الله تعالى: ما شأنك؟ -وهو أعلم- قال رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأقول: يارب! وعدتني بالشَّفَاعَة فشفعني في خلقك فأقض بينهم] هذا المضمون يتفق مع الحديث الأول، وليس إِلَى هنا أي تعارض، لكن بعد ذلك يأتي ما يدل عَلَى أن متن هذا الحديث يخالف متن الأحاديث الصحيحة.
يقول: [فيقول سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: شفعتك، أنا آتيكم فأقضي بينهم قَالَ: فأرجع فأقف مع الناس، ثُمَّ ذكر انشقاق السماوات، وتنـزل الملائكة في الغمام، ثُمَّ يجيء الرب سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لفصل القضاء، والكروبيون والملائكة المقربون يسبحون بأنواع التسبيح، قَالَ: فيضع الله كرسيه حيث يشاء من أرضه].
ومعنى هذا: أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لم يأت بعد لفصل القضاء عندما سجد الرَّسُول في أول مرة، فيكون عَلَى هذا: أن النَّاس ذهبوا إِلَى آدم، ثُمَّ إِلَى نوح، ثُمَّ إِلَى إبراهيم، ثُمَّ إِلَى موسى، ثُمَّ إِلَى عيسى، ثُمَّ إِلَى مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ ذهب إِلَى تحت العرش، فسجد وخاطبه ربه وقَالَ: أنا الآن سآتي لفصل القضاء، ثُمَّ تنشق... فإذا كَانَ السجود تحت العرش قبل أن يأتي الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لفصل القضاء.
إذاً: فأي مكانٍ يسجد فيه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو غيره، فهو ساجد تحت العرش ضرورة، لأن العرش فوق المخلوقات وهو أعظمها أو أكبرها، فلا اختصاص إذاً.
والروايات الصحيحة الثابتة تدل عَلَى أن ذلك إنما يكون بعد أن يأتي الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى للحساب ولكن لا يفصل بينهم؛ بل كما قال الأنبياء: (إن ربنا غضب في هذا اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله)، هذا هو الذي يتفق مع الأحاديث الصحيحة، والاضطراب والشذوذ يعرف في قوله: (فإذا أفضى أهل الجنة إِلَى الجنة قالوا: من يشفع لنا إِلَى ربنا فندخل الجنة، وهذه شفاعة أخرى فيقولون: من أحق بذلك من أبيكم آدم عَلَيْهِ السَّلام إنه خلقه بيده ونفخ فيه من روحه وكلمة قبلاً، فيأتون آدم: فيطلبون ذلك إليه وذكر نوحاً ثُمَّ إبراهيم ثُمَّ موسى ثُمَّ عيسى ثُمَّ محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) .
وهذا اضطراب آخر، فالنَّاس بعد أن يطلبوا من آدم عَلَيْهِ السَّلام أن يشفع لهم الشَّفَاعَة العظمى فيعتذر، ثُمَّ يعتذر نوح، ثُمَّ يعتذر إبراهيم، ثُمَّ يعتذر موسى، ثُمَّ يعتذر عيسى عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين، فلما يعتذروا كلهم يفض الموقف، ولم يبق إلا أن يدخل أهل الجنة الجنة، فكيف يأتون إِلَى آدم من جديد وقد اعتذر من الأصل؟
فالمقتضى -لو كَانَ بغير حديث- أنهم يأتون إِلَى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهذا هو الواقع لأنا نجد بعد ذلك أن المُصْنِّف نفسه يذكر أن من الشفاعات شفاعة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأهل الجنة أن يدخلوها، فذكر ذلك، والأدلة عليه، فهذا إذاً هو المختص به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو الأليق: أن النَّاس بعد ذلك يأتون إِلَى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
أما من اعتذر في الأول فكيف يرجعون فيأتونه مرة أخرى، ثُمَّ بعد ذلك يستمر الحديث وكأنه قطعة من الحديث الصحيح الثابت أولاً، فبهذا يتبين لنا أن المُصْنِّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وغفر لنا وله- قد أخطأ فيما أورده من تعليق عَلَى هذا الحديث، وليس وجهة نظره فيما يبدو لنا بمكان من الصواب والله تَبَارَكَ وَتَعَالَى أعلم.
2 - شفاعات النبي صلى الله عليه وسلم
قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ:
[النوع الثاني والثالث من الشَّفَاعَة: شفاعته صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أقوام قد تساوت حسناتهم وسيئاتهم فيشفع فيهم ليدخلوا الجنة، وفي أقوام آخرين قد أمر بهم إِلَى النَّار أن لا يدخلوها.
النوع الرابع: شفاعته صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في رفع درجات من يدخل الجنة فيها فوق ما كَانَ يقتضيه ثواب أعمالهم، وقد وافقت المعتزلة عَلَى هذه الشَّفَاعَة خاصة، وخالفوا فيما عداها من المقامات، مع تواتر الأحاديث فيها.
النوع الخامس: الشَّفَاعَة في أقوام أن يدخلوا الجنة بغير حساب ويحسن أن يستشهد لهذا النوع بحديث عكاشة بن محصن حين دعا لهُ رَسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يجعله من السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ، والحديث مخرج في الصحيحين .
النوع السادس: الشَّفَاعَة في تخفيف العذاب عمن يستحقه، كشفاعته في عمه أبي طالب أن يخفف عنه عذابه، ثُمَّ قالالقرطبي : في التذكرة بعد ذكره هذا النوع: فإن قيل: فقد قال تعالى: فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر:48] قيل له: لا تنفعه في الخروج من النَّار كما تنفع عصاة الموحدين، الذين يخرجون منها ويدخلون الجنة.
النوع السابع: شفاعته أن يؤذن لجميع المؤمنين في دخول الجنة كما تقدم، وفي صحيح مسلم/B> عنأنس رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أن رَسُول الله صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (أنا أول شفيع في الجنة) .
النوع الثامن: شفاعته في أهل الكبائر من أمته ممن دخل النَّار فيخرجون منها، وقد تواترت بهذا النوع الأحاديث، وقد خفي علم ذلك عَلَى الخوارج والمعتزلة فخالفوا في ذلك جهلاً منهم بصحة الأحاديث وعناداً ممن علم ذلك واستمر عَلَى بدعته، وهذه الشَّفَاعَة تشاركه فيها الملائكة والنبيون والمؤمنون أيضاً، وهذه الشَّفَاعَة تتكرر منه صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أربع مرات] اهـ.
الشرح:
بعد أن ذكر المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى الشَّفَاعَة الأولى، وهي الشَّفَاعَة العظمى في أن يأتي الرب لفصل القضاء بين الناس، ذكر بعد ذلك بقية الشفاعات.
وأهم ما ينبغي أن نعلمه هنا أن المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ ذكر هذه الأنواع للنبي صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأصل الكلام هو في حقه صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأنه ذكر قول الإمام الطّّحاويّ [والحوض الذي أكرمه الله تَعَالَى به غياثاً لأمته حق] أي: للنبي صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قال بعد ذلك: [والشَّفَاعَة التي ادخرها لهم حق كما روي في الأخبار] فكلام الإمام الطّّحاويّ رَحِمَهُ اللهُ هو عن النبي صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقط.
والمصنف هنا تبعه في ذلك وذكر هذه الشفاعات الثمان منسوبة إِلَى النبي صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إلا أنه قال في الشَّفَاعَة الثامنة: [وهذه الشَّفَاعَة يشاركه فيها الملائكة والنبيون والمؤمنون أيضاً] أي: إخراج العصاة من النَّار وإدخالهم الجنة، وهذا الكلام ثابت وصحيح والأدلة عليه ستأتي إن شاء الله ومنه حديث الجهنميين، ولكن قد يفهم من كلام المُصنِّفُ أن هذه الشفاعات خاصة بالنبي صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا الشَّفَاعَة الثامنة. فهل هذا صحيح؟
• هل الشفاعات : الثانية والثالثة والرابعة خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم أم يشاركه فيها غيره
الواقع أن النوع الأول: -الشَّفَاعَة العظمى- خاصة بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا مراء في ذلك ولا نزاع فيها بين الأمة؛ لأن الرسل الكرام يتخلون عنها ابتداءً بآدم، وانتهاءً بعيسى عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين.
أما الشَّفَاعَة الثانية: وهي شفاعته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم في أقوام تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فيشفع لهم فيدخلون الجنة.
والشَّفَاعَة الثالثة: وهي في أقوامٍ رجحت سيئاتهم عَلَى حسناتهم فاستحقوا بذلك دخول النَّار فيشفع رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيهم ليدخلوا الجنة ويعاملون كما لو كانت حسناتهم هي الراجحة.
والشَّفَاعَة الرابعة: وهي شفاعته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قوم من أهل الجنة في درجة دنيا من الجنة أن يرفعهم الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى درجة عليا لا تبلغها أعمالهم، ولكن يبلغونها برحمة الله ثُمَّ بشفاعته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لهم، هذه ثلاثة أنواع.
وإذا تأملنا في هذه الأنواع لا نجد وجهاً يدل عَلَى أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يختص بها دون غيره، وإن كَانَ بعض العلماء ينصون عَلَى ذلك -يعني عند شفاعته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أقوام قد تساوت حسناتهم وسيئاتهم أن يدخلوا الجنة- الحقيقة أنه لا يوجد دليل ثابت عَلَى خصوصية النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذلك، فلا يمنع أن يشفع الشهداء والملائكة والصالحون في هَؤُلاءِ النَّاس من باب الأولى، وذلك إذا كَانَ الأَنْبِيَاء والملائكة والصالحون من المؤمنين، يشفعون فيمن دخل النَّار أن يخرج منها، فأيهما أحق بالشَّفَاعَة؟
أليس الذي لم يدخل النَّار أولى أن يشفع فيه غير النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟! ومع هذا فإنه لم يثبت دليلٌ في اختصاص النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحده بذلك، وقد حصل خلاف بين العلماء الذين نقلوا أو تكلموا في الخصائص، فبعضهم يجعلها من خصائصه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبعضهم لا يجعلها.
والذي يتبين لنا من عموم الأحاديث أن ذلك ليس خاصاً به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
• النوع الخامس : اختصاص النبي صلى الله عليه وسلم بها دون غيره
بعد أن يقول الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لمُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يا محمد، ارفع رأسك، سَلْ تُعْطَه، اشْفَعْ تُشفَّعْ، فَأَقُولُ: يا رَبِّ أُمتي أُمتي، يا رَبِّ أُمتي أُمتي، يا رَبِّ أُمتي أُمتي، فيُقَالَ: أَدْخِلْ من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء النَّاس فيما سواه من الأبواب)، وبهذا يتبين أن هذه الشَّفَاعَة خاصة بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأنها تعد وكأنها جزء من الشَّفَاعَة العظمى، فهذه تختص به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ما يترجح، وذكر المُصْنِّف استشهاداً لها بحديث عكاشة بن محصن رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
• النوع السادس : شفاعته في عمه أبو طالب
وأما النوع السادس: فشفاعته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في تخفيف العذاب عمن يستحقه، كشفاعته في عمه أبي طالب أن يخفف عنه عذابه فهذه الشَّفَاعَة خاصة له من جهتين: الأولى: أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو الذي يشفع، ولا يشفع أحد من النَّاس في قريبه المشرك.
والجهة الثانية: أنه ليس هناك مشرك يخرج من النَّار بإطلاق ولا يخفف عنه لا بشفاعة شافع ولا برحمة من الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى؛ لأن رحمته تَعَالَى أعظم وأشمل من شفاعة الشافعين كما في حديث الجهنميين، حتى أن إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، يحاول ويريد يَوْمَ القِيَامَةِ أن يدخل أباه الجنة، ولا يدخل النار، فيقول الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: انظر إِلَى موضع قدمك، فينظر إبراهيم عَلَيْهِ السَّلام إِلَى موضع قدمه، فإذا هو ملطخ بالدماء فعندما ينظر في هذا الدم يقذف بأبيه في النَّار نسأل الله العفو والعافية.
فلم تقبل شفاعة الخليل إبراهيم عَلَيْهِ السَّلام وهو خليل الرحمن في أبيه، ولا يكون ذلك إلا للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذه الشَّفَاعَة شبيهة بالشَّفَاعَة العظمى في أنها واضحة الاختصاص به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحديثأبي طالب هذا رواه الشيخان، ولفظ مسلم : أن العباس بن عبد المطلب أخا أبي طالب سأل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقَالَ: يا رَسُول الله! هل نفعت أبا طالب بشيء فإنه كَانَ يحوطك ويحميك؟ يعني: هل من مقابل لتلك الحماية والنصرة للدعوة، بل إن أبا طالب حوصر في الشعب وجعل نفسه مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مثل بقية المؤمنين وهو ليس منهم فقَالَ: رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (نعم هو في ضحضاح من النَّار ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النَّار) .
وفي الرواية الأخرى قَالَ: (له شراكان من النَّار يغلي منهما دماغه وهو يظن أنه أكثر أهل النَّار عذاباً) -نسأل الله العفو والعافية- فهو مخفف عنه بالنسبة إِلَى حال جميع الْمُشْرِكِينَ، ومع ذلك يظن من شدة حر النَّار -عافانا الله من حرها- أنه أعظم أهلها عذاباً، فهذه خاصة مستثناة إكراماً للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وخصوصية لـأبي طالب لما قام به من حماية الدعوة وهذه الشَّفَاعَة مستثناة من قوله تعالى: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ [المؤمنون:101].
وبما ورد من النهي عن الاستغفار للمشركين كما قال تعالى: مَا كَانَ َ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى [التوبة:113] فالاستغفار للمشركين، لا يجوز وإنما الذي جاز وورد فقط هو هذه الشَّفَاعَة وَمَا كَانَ َ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْه [التوبة:114] وهذا هو الذي حصل، لكن في يَوْمِ القِيَامَةِ يأخذ الحزن والأسى قلب الخليل عَلَيْهِ السَّلام ويحاول أن يخاطب ربه عَزَّ وَجَلَّ في أبيه.
والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخاطب ربه في عمه أبي طالب فتكون من الخصوصية له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولعمه الذي حمى الدعوة ونصرها وأيدها، إلا أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لم يوفقه لأن يشهد شهادة الحق عند الموت وفي ذلك حكمة عظيمة وآية بالغة لمن أراد أن يتذكر ولمن أراد أن يتفكر في هذه العبرة، والقصد أن هذه الشَّفَاعَة واضحة أنها من خصوصياته.
وأما القوم الذين تساوت حسناتهم وسيئاتهم فهَؤُلاءِ هم -كما فسرهم حبر الأمة عبد الله بن عباس رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- أهل الأعراف، فقد قال -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "أما السابقون بالخيرات فيدخلون الجنة برحمة الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى"، وهم الذين قال الله تَعَالَى فيهم لمُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد أن قَالَ: أمتي أمتي: (أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من الجنة) ثُمَّ قَالَ: (وأما المقتصدون -أو أهل الأعراف- من تساوت حسناتهم وسيئاتهم فيدخلون الجنة بشفاعة مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) وهَؤُلاءِ أهل الأعراف يمكثون عَلَى مكان بين الجنة والنَّار فيها أشجار وماء فيشفع فيهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيدخلون الجنة، وكما أسلفنا سابقاً: أنه لا يمتنع أن يشفع فيهم غير النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ثُمَّ قال المصنف: [وفي أقوام آخرين قد أمر بهم إِلَى النَّار ألاَّ يدخلوها] وهذا أيضاً كما سيأتي في حديث الجهنميين ثابت، وحق لمن دخل النَّار أن يخرج منها، فأولى منه ذلك الذي لم يدخلها بعد.
• موافقة المعتزلة في الشفاعة في رفع درجات المؤمنين !!
قَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: [وقد وافقت المعتزلة على هذه الشَّفَاعَة خاصة، وخالفوا فيما عداها من المقامات] إن كَانَ يقصد المُصْنِّف رحمه ما عدا الأولى فلا بأس، وإن كَانَ يريد أن هذا عَلَى الإطلاق فنستدرك عليه ونقول: بل وافقوا أيضاً عَلَى الشَّفَاعَة الأولى فيكون الذي وافقت عليه المعتزلة : الشَّفَاعَة الأولى والرابعة
والسبب في ذلك: أنهم لا يريدون أن يخالفوا ما أصلوه وقرروه في حق أهل الكبائر والمعاصي، وأنه يجب -والعياذ بالله- عَلَى الله أن يعاقبهم -تعالى الله عن ذلك- فهاتان هما الشفاعتان اللتان وافقت المعتزلة فيها أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ .
ثُمَّ قال رَحِمَهُ اللَّهُ: [النوع الخامس: وهي الشَّفَاعَة في أقوام أن يدخلوا الجنة بغير حساب، ويحسن أن يستشهد لهذا النوع بحديث عكاشة بن محصن حين دعا له رَسُول الله أن يجعله الله من السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ] .
وصفة هَؤُلاءِ السبعين ألفاً: أنهم لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون، وهل هم فقط سبعون ألفاً؟ صح أن مع كل واحد منهم سبعون ألفاً وهذا من فضل الله ومن رحمته وكرمه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
والنوع السادس: هو ما أشرنا إليه في الشَّفَاعَة الخاصة لـأبي طالب ، ثُمَّ يقول: قال القرطبي في التذكرة -بعد ذكر هذا النوع- "فإن قيل: فقد قال تعالى: فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر:48] أي: لا تنفع الْمُشْرِكِينَ والكفار، كما في أول الآيات: فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ [المدثر:40-47] ما حكمهم؟
قَالَ: فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر:48] فيقول القرطبي رَحِمَهُ اللَّهُ: فإن قيل: فقد قال الله تعالى: فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ قيل له: لا تنفعهم في الخروج من النار، كما تنفع عصاة الموحدين" فالكفار لا تنفعهم الشَّفَاعَة في أن يخرجوا من النار، وكذلكأبو طالب ، لا يخرج من النار، وإنما الشَّفَاعَة في حقه هي في تخفيف العذاب عنه فقط، فالآية إذاً عَلَى عمومها ثُمَّ قَالَ: "لا تنفعه في الخروج من النَّار كما تنفع عصاة الموحدين الذين يخرجون منها ويدخلون الجنة".
• النوع السابع : الشفاعة في دخول المؤمنين الجنة
هذا النوع السابع من أنواع الشَّفَاعَة وهو: [شفاعته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يؤذن لجميع المؤمنين في دخول الجنة كما تقدم، وفي صحيح مسلم عن أنس رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أن رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أنا أول شفيع في الجنة] .
ويقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أنا أول شفيع وأول مشفع) .
• هل جبريل أول من يشفع؟
وهذا الحديث فيه رد عَلَى ما يذكره بعض النَّاس من أن أول الشافعين هو جبريل عَلَيْهِ السَّلام، ويستدلون عَلَى ذلك بحديث ضعيف (إن أول من يشفع جبريل)، لكن هذا الحديث مردود بالأحاديث الصحيحة: (أنا أول شافع وأول مشفع) أو: (أنا أول شفيع في الجنة) ، فأول شفيع وأول مشفع هو النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يتقدمه عَلَى ذلك، لا جبريل ولا أحد من الخلق إطلاقاً.
• النوع الثامن : وهو معترك الخلاف
الأنواع السابقة من أنواع الشَّفَاعَة ليست هي التي جرى فيها الخلاف بين الأمة، وإنما أكثر ما وقع الخلاف والإشكال والتنازع فيه هو في النوع الثامن، وهذا هو المحل الذي ذكر العلماء لأجله موضوع الشَّفَاعَة في كتب العقيدة وكرروا ذلك لأهميته بالنسبة للرد عَلَى أهل البدع، ولا يزال أهل البدع إِلَى اليوم ينكرون هذا النوع، وهو شفاعته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أهل الكبائر من أمته ممن دخل النَّار أن يخرجوا منها.
فالشيعة بجميع أصنافها: الإمامية والجعفرية ، والزيدية هم عَلَى منهج المعتزلة واتفقوا في ذلك مع الخوارج على ما بينهم من خلاف، كل هَؤُلاءِ متقدموهم ومعاصروهم إِلَى اليوم ينكرون الشَّفَاعَة لأهل الكبائر وأن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لا يأذن لأحد أن يشفع في أهل الكبائر فيخرجون من النَّار، ، قال المصنف: [وقد تواترت بهذا النوع الأحاديث].
• سبب رد هذا النوع من الشفاعة
وقد خفي علم ذلك عَلَى الخوارج والمعتزلة فخالفوا في ذلك وعلل المُصْنِّف ذلك بأمرين:
الأول: جهلاً منهم بصحة الأحاديث، وهذا ينطبق عَلَى بعض من خالف في ذلك حتى بعض السلف من التابعين وغيرهم، قبل أن يتبين لهم وجه الصواب ووجه الحق.
والوجه الآخر: هو العناد والمكابرة، وقد دار النـزاع والنقاش بين المعتزل ة وبين أهل السنة منذ القرن الثاني، وتكلم السلف في أمر الشَّفَاعَة ثُمَّ صنفوا فيما بعد مصنفات في إثبات ذلك والرد عليهم، فما بقي للمعتزلة ومن حذا حذوهم إلا العناد نسأل الله العفو والعافية.
فقالوا: هذا يخالف مقتضى العقل؛ لأن العقل يقتضي ويوجب معاقبة من فعل المعصية، كما يوجب أيضاً إثابة من فعل الطاعة، ومن المعلوم من عموم الآيات والأحاديث أن إدخال المؤمنين الجنة فضل من الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فمعاملة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى للمؤمنين معاملة الفضل ومعاملة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى للمجرمين وللعصاة هي معاملة العدل، وكرم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ورحمته سبقت غضبه، كما ذُكِرَ ذلك في الحديث الصحيح.
فلهذا لا أحد يحجر عَلَى رحمته سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في أن يخرج العصاة الموحدين وأن يقبل فيهم شفاعة الشافعين، وأما أهل النَّار الذين هم أهلها، أي: الكفار والمُشْرِكُونَ، فهَؤُلاءِ دلت الآيات من كتاب الله عَزَّ وَجَلَّ عَلَى أنهم لا يخرجون منها أبداً ويناسب هذا المقام أن نتعرض للحديث الذي ذكره المُصْنِّف وهو قوله: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) .
• تحقيق حديث : ( شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي )
حديث (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) سبق أن قلنا: إن هذا الحديث كل طرقه تقريباً ضعيفة، ولكن بعض العلماء قَالَ: هو بمجموع طرقه يتقوى ويصح، وبعضهم يقول: هو ضعيف، ومن قَالَ: إنه ضعيف، فهو إما أنه لم يجمع طرقه، أو رأى أن طرقه ولو اجتمعت فهي كلها ضعيفة؛ لكن معناه صحيح وحق وهو أنه يشفع لأهل الكبائر من أمته، كما سيذكر المُصْنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البُخَارِيّ والذي سوف نتعرض له بإذن الله في ما سيأتي..
الشفاعة 4
بيَّن الشيخ -رعاه الله- أن النوع الثامن من أنواع الشفاعة وهو -إخراج عصاة الموحدين من النار- هو الذي وقع فيه الخلاف بين أهل السنة وأهل البدع، ثم بين أن هذه الشفاعة ليست خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، بل يشاركه فيها الملائكة والنبيون والعلماء والشهداء، وأن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع أربع شفاعات متكررة.
1 - النوع الثامن: إخراج عصاة الموحدين من النار
قال المصنف رحمه الله تعالى:
[ ومن أحاديث هذا النوع حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ) رواه الإمام أحمد رحمه الله. وروى البخاري رحمه الله في كتاب التوحيد: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد حدثنامعبد بن هلال العنزي قال: اجتمعنا ناس من أهل البصرة فذهبنا إلى أنس بن مالك وذهبنا معنا بـثابت البناني يسأله لنا عن حديث الشفاعة فإذا هو في قصره فوافيناه يصلي الضحى فاستأذنا فأذن لنا وهو قاعد على فراشه فقلنا لـثابت : لا تسأله عن شي أول من حديث الشفاعة فقال: يا أبا حمزة هؤلاء إخوانك من أهل البصرة جاؤوك يسألونك عن حديث الشفاعة، فقال: حدثنا محمد صلى الله عليه وسلم قال: إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض فيأتون آدم فيقولون اشفع لنا إلى ربك، فيقول: لست لها ولكن عليكم بإبراهيم فإنه خليل الرحمن.
فيأتون إبراهيم فيقول: لستُ لها ؛ ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله فيأتون موسى فيقول: لست لها ولكن عليكم بعيسى، فإنه روح الله وكلمته.
فيأتون عيسى، فيقول: لستُ لها، ولكن عليكم بمحمدز
فيأتوني فأقول: أنا لها فأستأذن على ربي فيؤذن لي ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن، فأحمده بتلك المحامد، وأخر له ساجداً، فيقال: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، واشفع تشفع، وسل تعط.
فأقول: يارب أمتي أمتي.
فيقال: انطلق فأخرج من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان فأنطلق فأفعل.
ثم أعود فأحمدُه بتلك المحامد، ثم أخر له ساجداً.
فيقال: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، واشفع تشفع، وسل تعط.
فأقول: يارب أمتي أمتي.
فيقال: انطلق فأخرج من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان فأنطلق فأفعل.
ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجداً.
فيقال: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعط، واشفع تشفع.
فأقول: يارب أمتي أمتي.
فيقول: انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان، فأخرجه من النار، فأنطلق فأفعل.
قال: فلما خرجنا من عند أنس قلت: لو مررنا بـالحسن وهو متوارٍ في منزل أبي خليفة وهو جميع فحدثناه بما حدثنا أنس بن مالك فأتيناه فسلمنا عليه فأذن لنا فقلنا له: يا أبا سعيد جئناك من عند أخيك أنس بن مالك فلم نر مثل ما حدثنا في الشفاعة.
فقال: هيه؟
فحدثناه بالحديث فأتينا إلى هذا الموضع.
فقال: هيه؟
فقلنا: لم يزد لنا على هذا.
فقال: لقد حدثني وهو جميع منذ عشرين سنة، فما أدري أنسي أم كره أن تتكلوا؟
فقلنا: يا أبا سعيد فحدثنا.
فضحك وقال: خلق الإنسان عجولاً، ما ذكرته إلا وأنا أريد أن أحدثكم حديثي كما حدثكم.
قال: ثم أعود الرابعة، فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجداً، فيقال: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفع، فأقول: يارب ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله؟
فيقول: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال: لا إله إلا الله }.
وهكذا رواه مسلم .
وروى الحافظ أبو يعلى عن عثمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء، ثم العلماء، ثم الشهداء ) .
وفي الصحيح من حديث أبي سعيد رضي الله عنه مرفوعاًقال: فيقول الله تعالى: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضةً من النار فيخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً قط الحديث ] اهـ.
الشرح:
هذا النوع من أنواع الشفاعة هو الذي وقع فيه الخلاف بين أهل السنة وبين أهل الضلال والبدعة، واشتد النزاع بينهم، ولا يزال أهل البدع إلى اليوم ينكرون هذه الشفاعة، ويمارون ويجادلون فيها، رغم ثبوتها بالأحاديث الصحيحة المتواترة، ورغم أن دلالتها على كرم الله تعالى وفضله أعظم مما يُخيل إليهم أن فيها ما ينقص وما يغض من قدر الإلهية، لأن الله سبحانه وتعالى لا يحسن به كما يقولون-: إلا أن يعاقب المذنب؛ بل قالوا: يجب عليه ذلك، كما تجرأ على ذلك من تجرأ.
• هذه الشفاعة ليست خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم
هذا النوع من الشَّفَاعَةِ وهو: إخراج أهل الكبائر من النَّار بعد أن دخلوها، ليست خاصة بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ بل هي أيضاً للملائكة ولعباد الله الصالحين، وفي هذا دليل عَلَى فداحة الخطأ الذي ذهب إليه من أنكرها، وقد سبق أن ذكرنا أن المُصْنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ استدل عَلَى هذا النوع بقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَشَفَاعَتِي لِأهْلِ الكَبائِرِ مِنْ أُمَّتي) ، والحديث بهذا اللفظ من جهة المعنى لا شك أنه صحيح، لأن الأحاديث في أن الشَّفَاعَة ثابتة لأهل الكبائر كثيرة جداً.
لكن هذه اللفظة قد تشعر بالاختصاص كأنه يقول: (شَفَاعَتِي لِأهْلِ الكَبائِرِ مِنْ أُمَّتي) وهي ليست كذلك وإن كانت قد تشعر بذلك، فالشَّفَاعَة ليست خاصة بأهل الكبائر بل هي أنواع -كما سبق- وهذا الحديث بهذا اللفظ ضعفه بعض العلماء، وبعضهم مال إِلَى تصحيحه أو تحسينه لكثرة شواهده وطرقه، ومن قال بصحته فهو مصيب لتعدد طرقه من جهة ولصحة معناه وثبوته في الأحاديث الصحيحة المتفق عَلَى صحتها من جهة أخرى.
قول المُصْنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ هنا: [وهذه الشَّفَاعَةُ تُشاركُه فيها الملائكة والنبيون والمؤمنون أيضاً]، فلو أخر المُصْنِّف هذه الجملة إِلَى آخر حديث أنس عندما يقول: وروى الحافظ أبو يعلى عن عثمان رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، ثُمَّ يأتي بالأحاديث الأخرى حتى يكون الكلام متصلاً، وقال بعد ذلك: وهذه الشَّفَاعَة تتكرر منه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أربع مرات.
كان ينبغي بعد ذلك، أن يذكر رأس حديث أنس الذي وقعت فيه الشَّفَاعَة أربع مرات حتى تُفهم وتكون أحسن في التنسيق والترتيب، أي: بعد أن يقول: (استمر عَلَى بدعته) يقول: [وهذه الشَّفَاعَة تتكرر منه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أربع مرات] ثُمَّ ينتقل إِلَى حديث البُخَارِيّ ، أو نأتي من أحاديث هذا النوع حديث (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) وإن كَانَ تقديم الصحيح المتفق عَلَى صحته أولى، ثُمَّ بعد ذلك يذكر ما فيه احتمال، وبعد أن ينتهي من الحديث يقول: [وهذه الشَّفَاعَةُ يشاركه فيها الملائكة والنبيون والمؤمنون].
• هذه الشفاعة تتكرر منه صلى الله عليه وسلم أربع مرات
وقوله: [وهذه الشَّفَاعَةُ تتكرر منه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أربع مرات] أي: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يشفع في أهل الكبائر الذين استحقوا دخول النَّار ودخلوها حقيقة أربع مرات فيذهب ويأتي أربع مرات، كما جَاءَ في هذا الحديث، بخلاف الشَّفَاعَة العظمى فإنها مرة واحدة، وكذلك شفاعته عند دخول أهل الجنة الجنة مرة واحدة.
فهذا الحديث وبهذه الصفة من أعظم الأدلة الدالة عَلَى أن الإيمان يزيد وينقص، وأن النَّاس متفاوتون في الإيمان، ولهذا يذهب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المرة الأولى ويأذن له ربه في أن يشفع فيمن في قلبه مثقال شعيرة من إيمان، ثُمَّ ما هو أقل إِلَى الرابعة، فهذه أربع مرات تتكرر منه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بحسب تفاوت أهل النَّار في أعمالهم، حتى أن آخر من يخرج منها الذي ليس عنده إلا مجرد التوحيد والإقرار لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بالوحدانية وللنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالشهادة، وغلبته الذنوب والمعاصي فيما دون ذلك.
2 - شرح حديث الشفاعة
هذا الحديث الذي رواه الإمام البخاري بسنده إلى معبد بن هلال العنزي قال: [اجتمعنا ناس من أهل البصرة فذهبنا إلى أنس بن مالك وذهبنا معنا بـثابت البناني ] وهذا من خاصة تلاميذأنس .
وأنس خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم شرفه الله سبحانه وتعالى بهذه المهنة العظيمة وهذه المنقبة الجليلة التي يتمناها كل مؤمن يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتشرف بخدمة الرسول صلى الله عليه وسلم وقد روى عنه روايات كثيرة، فهو من المكثرين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رغم صغر سنه، ولكن الله عز وجل أعطاه الفقه وأعطاه الذكاء والفهم واستجاب الله دعوة نبيه عندما دعا له في أن يطيل عمره فأطال عمره، فكان في ذلك منقبة عظيمة وخير عظيم للأمة الإسلامية، النبي صلى الله عليه وسلم تزوج أم المؤمنين عائشة وكانت لا تزال فتاة في ريعان الصبا فتوفي عنها صلى الله عليه وسلم وهي كذلك فبقيت تحدث الناس عما كان يفعل في حياته صلى الله عليه وسلم نحواً من خمسين سنة بعد وفاته عما كان يفعل صلى الله عليه وسلم.
وهذا أنس خادم النبي عاش بعدعائشة ما يقارب الأربعين سنة أو يزيد فكان يحدث الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكان السلف الصالح حريصين على طلب العلم، فاخذوا ثابت لمكانته من أنس وقالوا: نذهب نزور خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه ونسأله عن حديث الشفاعة، [فذهبوا إليه، فإذا هو في قصره] أي: في بيته، وكانت تعد لما هم عليه من شظف العيش قصوراً، ولكنها بالنسبة لما كانت عليه قصور كسرى وقيصر وملوك الدنيا لا تساوي شيئاً من ذلك، فكان في منزلة رضى الله عنه [فوافيناه يصلى الضحى فاستأذنا] وفي ذلك دليل على مشروعية صلاة الضحى.
قال: [فأذن لنا وهو قاعد على فراشه، فقلنا لـثابت : لا تسأله عن شيء أول من حديث الشفاعة] أي لا تقدم على حديث الشفاعة شيئاً آخر ؛ لأن ذلك كان في آخر عُمْرِ أنس ، وفي أيام الحجاج ، وكانت الخوارج قد ظهر أمرها وكانت تحارب الحجاج حتى كان لهم دول في جهة فارس وعمان ، وكانوا ينكرون الشفاعة، ولهذا ذهبوا يسألوا عن هذه القضية المهمة فيخشون أن يسألثابت عن شيء من الأحكام الأخرى، والباقون ساكتون وهذا من الأدب.
فتقدم ثابت فقال: [يا أبا حمزة هؤلاء إخوانك من أهل البصرة جاؤوك يسألونك عن حديث الشفاعة] بدأ يقدم لهذه الزيارة في هذا الوقت، وأن المقصود بها العلم، وأن هؤلاء ما قصدهم إلا ذلك وكما مر معنا من أن طلق بن حبيب ويزيد الفقبر وهما من مشاهير التابعين يقولطلق : " كنت أرى رأي الخوارج وكنت أنكر حديث الشفاعة حتى ذهبت إلى جابر " ، وبعضهم ذهب إلى أنس وبعضهم ذهب إلى غيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
فهذه القضية كانت رائجة، خاصة في البصرة والكوفة لأنها موطن الخوارج . وكانوا يقولون: كيف يفعل الكبيرة، ثم يغفر له، أو يُشفع فيه، فهذه شبهة روجها الخوارج ، فلاقت آذانا عند بعض الناس ولكن شفاء العي السؤال، وشفاء الجهل العلم، فإذا سمع الإنسان بأمر وأشكل عليه، فلا يجتهد بآرائه الشخصية، ويقول: هذا حلال وهذا حرام وهذه بدعة وهذه سنة ولكن الله يقول: فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43] فذهبوا ليأخذوا العلم من أهله، فقال أنس رضي الله عنه حدثنا محمد صلى الله عليه وسلم قال: [إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض] من الهول والكرب [فيأتون آدم فيقولون: اشفع لنا إلى ربك، فيقول: لستُ لها ولكن عليكم بإبراهيم فإنه خليل الرحمن] ولم يذكر نوح لكن في الأحاديث الأخرى ذكر نوحاً عليه السلام وهذا هو الراجح، فهو إما سقط، وإما خطأ من الحفاظ [فيأتون إبراهيم فيقول: لستُ لها ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله، فيأتون موسى فيقول: لست لها، ولكن عليكم بعيسى فإنه روح الله وكلمته]
فنحن نشهد أن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبادة بن الصامت رضى الله عنه المتفق عليه ( فمن شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبد الله ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح، منه وأن الجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل ) .
• معنى قوله: ( روح الله وكلمته )
قوله: [فإنه رُوحُ الله وكَلِمَتُهُ] إضافة الروح إِلَى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هنا لأنها متفردة ومتميزة عن غيرها، والإضافة إِلَى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى نوعين:
إما أن يُضاف إِلَى الله تَعَالَى معنىً من المعاني.
وإما أن يُضاف إليه ذوات وأعيان، فإذا أضيف إِلَى الله تَعَالَى معاني، مثل: "علم الله، وعزة الله، وحكمة الله، ورحمة الله" فهذه المعاني لا تقوم بذاتها وليست أعياناً وذواتاً مستقلة، فإذا أضيفت إِلَى الله تعالى، فإنها تكون صفاتاً لله عَزَّ وَجَلَّ.
فإذا أضفنا إِلَى الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذوات وأعيان مخلوقة، فإنها تكون عَلَى نوعين: نوع منها خاص، ونوع آخر عام يشترك فيه كل من أضيف إِلَى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
فمثال العام: السماء والجبال والأرض تكون سماء الله، وأرض الله، وجبل الله وغيرها كثير؛ لأن الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- هو الذي خلقها.
وأما إذا أضيف إِلَى الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى الذات أو العين بالمعنى الخاص، مثل الناقة: إذا لقيتُ أنا ناقةً في الصحراء قلتُ: هذه ناقة الله. هذا المعنى العام ناقة الله، بمعنى: مخلوقه، خلقها الله، لكن نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا التي قالها الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى لسان نبيه صالح هذه ناقة خاصة، لأن فيه اختصاص، فمن العبادة ما لا تفعل عند غيره فهي تطلق بالمعنيين وروح كل إنسان يُقال له ا: روح الله، أي: المخلوقة لله، لكن: عيسى عَلَيْهِ السَّلام روح الله فيه اختصاص.
ووجه الاختصاص: أن عيسى خلق من أم بلا أب فهذه ميزة يختلف بها عن جميع الأرواح، حيث أوكل بها الروح الأمين فنفخها إِلَى الموضع الذي يخلق الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فيه الأجنة، ثُمَّ وضعته أمه مريم عليها السلام. وقوله: [وكَلِمَتُهُ]: أي أنه وجد بكلمة "كن"، وهذه أيضاً فيها اختصاص؛ لأن عيسى كَانَ بهذه الكلمة من غير أبٍّ، كما قال تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران:59] وقوله: [فَيَأْتُونَ عيسى فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، ولَكِنْ عَلَيْكُم بمحمد.
فَيَأْتُونِي فأقول: أَنَا لَهَا، فَأَستأذِنُ عَلَى ربِّي، فَيُؤذَن لِي، ويُلهِمُني مَحَامِد أَحْمَدُهُ بها لا تَحْضُرُنِي الآنَ]، فالإِنسَان إذا أخلص وتضرع إِلَى الله وأثنى عليه، فإن ذلك أرجى بقبول الدعاء.
• سجود النبي صلى الله عليه وسلم لربه تحت العرش
ثُمَّ يقول: [فَأَحْمدُهُ بِتَلْكَ المَحَامِدِ وأَخِرُّ له ساجداً، فيُقَالُ: يا مُحَمَّدُ، ارفَعْ رَأَسْكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ واشفَعْ تُشْفَّعْ وَسَلْ تُعْطَ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، فيُقَالُ: انطلِقْ فَأَخرِجْ مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرةٍ مِنْ إيمانٍ، فَأنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ] هَؤُلاءِ أصحاب الصنف الأول، وهذا بعد أن يدخل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أهلُ النَّارِ النارَ ويَدخلُ مَعَ أهلِ النَّارِ العصاة من الموحدين.
فيقول الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: [انطلِقْ فَأَخرِجْ مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرةٍ مِنْ إيمانٍ، فَأنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ] أي: ما كَانَ فوق مثقال الشعيرة هذا أولى أن يخرج، فهذا هو الحد الأدنى، [فَأنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَحْمدُهُ بِتَلْكَ المَحَامِدِ] يعود فيحمد ربه، هذه المرة الثانية [ثُمَّ أَخِرُّ له ساجداً، فيُقَالُ: يا مُحَمَّدُ، ارفَعْ رَأَسْكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ واشفَعْ تُشْفَّعْ وَسَلْ تُعْطَ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي]، هذا دليل شفقته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورحمته بأمته وهذه هي التي ادخرها واختبأها كما ورد ذلك في حديث حسن له طرق أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (لكل نبي دعوة مستجابة)
قَالَ: [فَأنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَحْمدُهُ بِتَلْكَ المَحَامِدِ]، وهو لا يزال يأمل من ربه الخير والكرم وهو أعلم وأعرف النَّاس بربه -عزوجل- وبكرمه وبسعة رحمته -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- فيعود للمرة الثالثة فَيَقُولُ: [ثُمَّ أَخِرُّ له ساجداً، فيُقَالُ: يا مُحَمَّدُ، ارفَعْ رَأَسْكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ واشفَعْ تُشْفَّعْ وَسَلْ تُعْطَ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، فيُقَالُ: مِثْقَالُ أدنى أدنى أدنى مِثْقَالِ حَبَّة خَرْدَلٍ مِنْ إيمانٍ، فَأَخْرِجْهُ مِنْ النَّارِ، فَأنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ]،وفي رواية أخرى أيضاً في الصحيح (أدنى أدنى مثقال حبة من خردل، فأنطلق فأفعل) فيخرجهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيكون قد فعل ذلك ثلاث مرات.
فهنا توقف أنس في حديثه لـمعبد وزملائه، قال معبد : فلما خرجنا من عند أنس قلتُ لبعض أصحابنا: لو مررنا بـالحسن وهو متوارٍ في منزل أبي خليفة ، أي: متوارٍ من أصل الفتنة التي كانت في أيامالحجاج وكان يقبض عَلَى العلماء ويعذبهم ويقتلهم كما قتلسعيد بن جبير وغيره.
فقَالَ: [لو مررنا عليه] كَانَ في قلب ثابت شيء لم يفصح عنه أمام إخوانه قَالَ: [فحدثناه بما حدثنا به أنس بن مالك فأتيناه فسلمنا عليه فأذن لنا فقلنا له: يا أبا سعيد جئناك من عند أخيك أنس بن مالك فلم نر مثلما حدثنا في الشَّفَاعَة، فقَالَ: هيه] أي: هاتوا وأعطوني [فحدثناه بالحديث فانتهى إِلَى هذا الموضع] إِلَى الثلاث الشفاعات التي انتهى إليها الحديث، [فقَالَ: هيه] أي: وماذا بعد ذلك، قالوا: [فقلنا: لم يزد لنا عَلَى هذا قَالَ: لقد حدثني وهو جميع، أي: وهو شاب منذ عشرين سنه، فلا أدري أنسي أم كره أن تتكلوا] وهذا من الأدب فلم يقل هذا غلط، وإنما قَالَ: [فلا أدري أنسي] وهذا يمكن أن يقع من البشر حتى من الصحابة الكرام. [فقلنا: يا أبا سعيد فحدثنا، فضحك] من هذه العجلة ومن هذه السرعة في الطلب [وقَالَ: خلق الإِنسَان عجولاً] وهذا هو حال الإِنسَان، قَالَ: [ما ذكرته إلا وأنا أريد أن أحدثكم، حدثني كما حدثكم به] أي: القدر الأول الذي رويتموه عنه في الثلاث الشفاعات الأولى حدثني إياه كما نقلتم.
قَالَ: [ثُمَّ أَعُودُ الرَّابِعَةَ] أي: يعود النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المرة الرابعة إِلَى ربه عزوجل [فَأَحْمدُهُ بِتَلْكَ المَحَامِدِ ثُمَّ أَخِرُّ له ساجداً، فيُقَالُ:: يا مُحَمَّدُ، ارفَعْ رَأَسْكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ وَسَلْ تُعْطَه واشفَعْ تُشْفَّعْ، فأقول: يَارَبِّ ائْذَنْ لي فيمَنْ قَالَ: لا إله إلا اللهُ، فَيَقُولُ: وَعِزّتي وَجَلالي وَكِبْريائي وَعَظَمَتي لأُخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ: : لا إله إلا الله] وهذا يدل عَلَى عظمة وأهمية فضل التوحيد، فيأذن له الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فيخرج جميع الموحدين الذين شهدوا لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بالوحدانية ولنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالرسالة.
• المحرومون من الشفاعة
وبعد أن يخرجوا من النَّار لا يبقى فيها بعد ذلك إلا من حبسه القرآن، وهم المُشْرِكُونَ، كما في الروايات الأخرى الصحيحة، وهم المُشْرِكُونَ، كما قال الله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة:72].
فالشرك هنا هو المانع والحابس الذي يحبس والذي يمنع الإِنسَان من الخروج من النار، وكذلك المنافقون النفاق الأكبر قال الله: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء:145] وهَؤُلاءِ كذلك محرومون ومحجوبون عن شفاعة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما قال الله له في الدنيا إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التوبة:80] فما بالكم بيَوْمَ القِيَامَةِ، فهَؤُلاءِ الذين ارتكبوا الكفر الأكبر والنفاق الأكبر وسائر نواقض الإسلام المعروفة محرومون من الشَّفَاعَة، ولهذا فإن أول وأعظم ما يجب أن ندعو إليه النَّاس هو ما دعى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والأنبياء قبله وهو: توحيد الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هذا هو أساس النجاة في الدنيا والآخرة، وما بعد ذلك فهو تبعٌ وفرعٌ له وشعبٌة من شعبه، ثُمَّ نقول بعد ذلك: وهذه الشفاعة يشاركه فيه الملائكة والنبيون والمؤمنون، والدليل عَلَى ذلك.
قَالَ: [روى الحافظأبو يعلى عنعثمان رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قال رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يَشْفَعُ يَوْمَ القِيَامَةِ ثَلاثَةٌ: الأنبِيَاءُ، ثُمَّ َ العُلَمَاءُ، ثُمَّ َ الشُّهَدَاءُ) وهذا الحديث استدل به المُصْنِّف وهو حديث ضعيف؛ بل في سنده وضّاع فهو مما لا يحتج به بهذا اللفظ، ولكن المعنى صحيح فلذلك كَانَ ينبغي للمصنف رَحِمَهُ اللَّهُ أن يقدم الصحيح الذي بعده، وهو يغني عن ما ذكره الحافظ أبو يعلى وغيره، وقوله: [وفي الصحيح من حديثأبي سعيد رضى الله عنه مرفوعاً قَالَ: فيقول الله تعالى: شَفَعَتِ الملائكة، وشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وشَفَعَ المُؤمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إلا أرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمَاً لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرَاً قَطُّ ]، هذه رواية مسلم .
وفي رواية عند البُخَارِيّ في كتاب التوحيد يقول: (فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون فيقول الجبار: بقيت شفاعتي فيقبض قبضةً من النَّار) فهذا الحديث متفق عليه، فإذاً يشفع النبيون والملائكة والمؤمنون ثُمَّ بعد ذلك كما في مسلم قَالَ: (فيتحنن الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى من يشاء فيخرج منها أقواماً لم يعملوا خيراً قط) .
• معنى قوله: ( لم يعملوا خيراً قط )
قوله: [فيخرج منها أقواماً لم يعلموا خيراً قط] معنى وذلك: أنهم عملوا حسنات ولكن أكلتها السيئات، حتى لا يأتي أحد فَيَقُولُ: تارك الصلاة يدخل في الشَّفَاعَة ولم يعمل خيراً قط، فالقضية ليست هكذا، لأن في رواية البُخَارِيّ : (الشفعاء يعرفون المشفوع لهم بآثار السجود) كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (كل ابن آدم تأكله النَّار إلا أثر السجود) .
فقد يأتي أناس ولا يرون فيه العلامة، وهو ليس بتارك للصلاة، لكن صلّى صلاه وجودها كعدمها، فالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عندما قال للمسيئ صلاته: (ارجع فصل فإنك لم تصلِ) ، فهذا ليس من أهل الصلاة في الحقيقة، ولأنه لا يُرى لها أثراً في نفس الوقت، وهو ليس تاركاً للصلاة؛ لأنه أدى شيئاً وليس مثل الذي لم يؤدِها بالكلية، والله تَعَالَى لا يظلم أحداً شيئاً كما قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا [النساء:40].ومثل هذه الحالة، حال الذين في آخر الزمان إذا اندرس الإسلام، فلم يبق إلا اسمه ولم يبق من الدين إلا رسمه، فيأتي القوم الذين لا يدرون ما صلاة، ولا صيام ولا نسك، ولكن يقول الرجل منهم أو المرأة: أدركنا آباءنا يقولون: لا إله إلا الله فنحن نقولها -فهذا الزمان زمان شر- فهو لم يسمع إلا هذه الكلمة ففالها، أفيظلمهم الله عزوجل ويجعلهم مع الذين لم يقولوها؟! إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ .
ومثل هَؤُلاءِ: الرجل الذي قتل تسعاً وتسعين وكمّل المائة بالعابد، فلما اختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، قالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيراً قط -وهو كذلك لم يعمل؛ لكنه نوى أن يعمل الخير- فتقول ملائكة الرحمة: إنه جَاءَ تائباً مقبلاً عَلَى الله عزوجل، فكلمة: [لم يعمل خيراً قط] لانفهمها عَلَى أنه لم يعمل أي حسنة بإطلاق، وكان تاركاً للصلاة عَلَى علم، والقرآن موجود والمساجد يؤذَّن فيها، وهو لا يصلي ولا يقرأ القرآن، وهذا حتى لا يفهم بعض النَّاس أن ذلك يعارض ما ورد في تكفير تارك الصلاة.
الشفاعة 5
بيَّن الشيخ -حفظه الله- جملةً من الأسباب التي تنال بها الشفاعة وذكر أحد الموانع لذلك وهو (اللعن) ثم بيَّن أقسام الناس في الشفاعة وأنهم على ثلاثة أقسام وذكر القسم الأول منهم.
1 - أسباب الشفاعة
أسبابُ استحقاقِِ الشَّفَاعَةِ.
• تحقيق التوحيد
يتحقيق توحيد العبد لله تَعَالَى بالإخلاص له وإفراده بالعبادة، هذا هو أول الأسباب التي يتوسل بها العبد إِلَى ربه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في أن يشفع فيه نبيه مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، وهذا من فضل الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى هذه الأمة، ومن عظيم منته عليها وعلى رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فيختص الله من حقق التوحيد من هذه الأمة بهذه الأفضلية وبهذه الأسبقية وهم السبعون ألفاً الذين حققوا التوحيد، وهم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون) وقد ورد بطرق حسنة: (إن مع كل ألف سبعون ألفاً) بل ورد أيضاً من طريق حسن (أن مع كل واحد من السبعين ألفاً سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ) فهَؤُلاءِ السبعون ألفاً هم الخلاصة، وهم أول من يدخل الجنة من هذه الأمة، وهم أفضلها، ثُمَّ يلحق الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مع الواحد منهم سبعون ألفاً فضلاً وكرماً من الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى ثُمَّ بعد ذلك يدخل النَّاس من هذه الأمة ومن غيرها فيشتركون في أبواب الجنة الباقية.
ولهذا تعرف جناية أعداء التوحيد الذين يريدون أن يبطلوا هذا الاستحقاق وذلك بدعوة النَّاس إِلَى فساد العقيدة بالأقوال الباطلة التي تدعو الْمُسْلِمِينَ إِلَى التعلق بذوات المخلوقين من الأَنْبِيَاء والصالحين، والتعلق بآثارهم والتوسل بها -كما يزعمون- وترك التوسل الحقيقي الذي أعظمه ورأسه توحيد الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
فهَؤُلاءِ الذين يربطون الْمُسْلِمِينَ بالأموات الغابرين الذين لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً هم أكبر الجناة عَلَى هذه الأمة؛ لأنهم يفسدون عليهم أعظم وأرجى ما عندها، وهو تحقيق التوحيد لله - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- فمن حقق التوحيد نال هذه الشَّفَاعَة، ومن لم يحققه فإنه يهلك هلاكاً يحرمه من الشَّفَاعَة كما قال الله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [المائدة:72]، فهذا هو أول الأعمال وأعلاها وأفضلها وأرجاها، وهو الذي يجب علينا جميعاً أن نحققه قولاً وعملاً واعتقاداً، وأن ندعو إليه، وأن يكون هو أساس دعوتنا، كما كَانَ أساس دعوات الأَنْبِيَاء صلوات الله وسلامه عليهم فلا يعبد ولا يطاع إلا الله، ولا يقدم بين يدي الله ورسوله، ولا يرتفع صوت فوق صوت رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهذا هو تحقيق التوحيد وتحقيق الإيمان.
• قراءة القرآن
والعمل الثاني الذي ينال صاحبه به الشَّفَاعَة هو:
قراءة القُرْآن كما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث الصحيح: (اقرءوا القُرْآن فإنه يأتي يَوْمَ القِيَامَةِ شفيعاً لأصحابه) ، ولو تأملنا حال هذه الأمة مع كتاب الله سبحانه وتعالى ومع هذا الذكر الحكيم والنور المبين لرأينا الهجر الواضح الجلي لكتاب الله سبحانه وتعالى كما قال تعالى: وَقَالَ الرَّسُول ولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا القُرْآن آنَ مَهْجُوراً [الفرقان:30]، وكذلك هجرنا العمل به فنرى من يقرأ القرآن بدلاً من أن نراه محققاً لمقتضى ذلك من الخوف من الله ورجاء الدار الآخرة، والرغبة عن هذه الحياة الدنيا.
بل الواقع المشاهد هو الحرص والجشع والتنافس والتكاثر في هذه الحياة الدنيا، فهذا من أعظم ما هجر من القرآن، وكذلك هجرنا أحكامه فلم نُحل حلاله ولم نُحرم حرامه إلا من رَحِمَهُ اللَّهُ.
فأصبحنا نرى أن الأحكام التي تحكم حياة الْمُسْلِمِينَ في الغالب هي الأحكام الوضعية، وكذلك الذي يحكم أعرافهم وآدابهم الاجتماعية هو ما نقل عن الغرب من آداب وعادات وتقاليد وليست هي أحكام القُرْآن وآدابه، وهذا من الهجر الذي فعلته الأمة، ولهذا استحقت هذه الأمة ما نزل بها من الذل والهوان.
فكيف نتوقع لمن يأتي يَوْمَ القِيَامَةِ ورَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يشكوه إِلَى ربه ويقول: وَقَالَ الرَّسُول ولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا القُرْآن آنَ مَهْجُوراً كيف ينال الشَّفَاعَة من هذه حالته؟ ولو نظرنا إِلَى حياتنا اليوم، أين نَحْنُ من هذا العمل؟ وأين من يتلو كتاب الله عَزَّ وَجَلَّ أناء الليل وأناء النهار في البيوت؟! لقد استبدلت بما يسمع من قرآن الشيطان وهو هذه المعازف والمزامير واللهو واللعب في كل بيت وفي كل سيارة وفي كل وقت من أناء الليل وأناء النهار إلا ما شاء الله، أما القُرْآن فلا يتلوه ولا يقرءوه -ولا سيما في البيوت- إلا القلة الذين وفقهم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لذلك.
أما أكثر الْمُسْلِمِينَ فهم عنه غافلون وكثير من الْمُسْلِمِينَ لا يهمه أنه قرأ القُرْآن أو لم يقرأه، فحال الشيطان بينه وبين مصدر النور والهدى والحق والطمأنينة والتقوى واليقين والإيمان، ولهذا أصبحنا أمة ضائعة لا مكان لها في الدنيا بين الأمم ونخشى أن لا يكون لها عند الله تَعَالَى يَوْمَ القِيَامَةِ مكان أيضاً بين المرحومين وبين المشفوعين لهم، ولو قارنا بين الأشرطة الخبيثة من أفلام الفيديو وما أشبهها في البيوت أو في محلات البيع بالمصاحف من حيث الكم والعدد، ومن حيث إقبال النَّاس عَلَى هذا وعلى تلك، فسنجد الفرق واضحاً.
والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أَحْمَد ومسلم رحمهما الله تعالى: (اقرءوا القُرْآن فإنه يأتي يَوْمَ القِيَامَةِ شفيعاً لأصحابه) ، ثُمَّ خص من القُرْآن تلك السورتين العظيمتين البقرة وآل عمران، ثُمَّ خص سورة البقرة بالذات وهي مشتملة عَلَى آية الكرسي التي هي أعظم آية في كتاب الله وأواخرها أيضاً من أعظم ما نزل في كتاب الله عز وجل.
وكان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يفاضل بين الصحابة بالقرآن، وكان معيار المفاضلة بين النَّاس هو القُرْآن فأكثر النَّاس حفظاً للقرآن هو أجدر بأن يولى قيادة الجيش، وهو أجدر بأن يقدم حتى عند الدفن، هذه هي الأمة القرآنية حقاً، ولهذا فضلها الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى العالمين وأثنى عليها في الذكر المبين ونصرها وأورثها الدنيا شرقاً وغرباً لما كَانَ معيار التفاضل فيها هو القُرْآن وكان مرجعها في كل أمرها هو القُرْآن مع السنة التي هي شارحة ومبينة ومفسرة.
• الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
الصلاة عَلَى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من قال حين يسمع النداء (اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته حلت له شفاعتي يَوْمَ القِيَامَةِ) فما أيسر وما أسهل هذا العمل وما أعظم بركته وثمرته عند الله.
الإِنسَان يسمع النداء، الذي يهز الأعماق، ويهز الأسماع ويدقها، في كل يوم خمس مرات الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلاّ الله، أشهد أن لا إله إلا الله هذه الشهادة العظيمة الركن الأول من أركان الإسلام.
أشهد أن محمداً رَسُول الله، أشهد أن محمداً رَسُول الله، ثُمَّ الدعوة إِلَى الصلاة وإلى الفلاح، ثُمَّ إعادة تكبير الله عَزَّ وَجَلَّ وتعظيمه فوق كل عظيم، والشهادة له أيضاً بالوحدانية لا إله إلا الله، يقول العبد المسلم مثل ما يقول المؤذن، وإنما استثنى أن نقول إذا قَالَ: حي عَلَى الصلاة حي عَلَى الفلاح: "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم".
ثُمَّ بعد ذلك نصلي عَلَى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ونسأل الله له الوسيلة والدرجة العظيمة التي ليست إلا لرجل واحد هو مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فمن قال ذلك حلت له شفاعته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ، فليس في هذا العمل مشقة ولا صعوبة؛ ولكن الشيطان يحرص عَلَى أن يشغلنا عن هذا الذكر العظيم، ليحرمنا من الشَّفَاعَة.
وكم يحرص قطاع الطريق إِلَى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى من دعاة الشرك والضلال عَلَى حرماننا منه قيقولون: إن كنتم تريدون شفاعة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومحبته فهاكم هذه الصلوات، وكم من الأيام تقرأ أنواعاً وألواناً من الصلوات البدعية التي يفتعلها أصحابها ويكتبونها من عند أنفسهم ظانين أنها تقربهم إِلَى الله، وأن هذا دليل وعلامة محبتهم لرَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وهذا من تلبيس الشيطان عليهم ليصرفهم من الدعاء الوارد الذي يستحق صاحبه هذا الفضل العظيم إِلَى تلك البدع التي قال فيها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) فالبدعة مردودة غير مقبولة وصاحبها مأزور غير مأجور فهذا مما يوجب علينا مزيداً من الحرص عَلَى الاتباع وعدم الابتداع، وأن نعرف خطر هَؤُلاءِ قطاع الطريق إِلَى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
• سكنى المدينة
من الأعمال التي صحت الأحاديث في أن صاحبها ينال بها شفاعته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هي :
سكنى المدينة والموت فيها، هذا البلد العظيم مهاجر رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي انبثقت منه أنوار التوحيد والهدى، وأسست فيه دولة الإسلام الأولى.
وما زالت المدينة المنورة ولله الحمد تشع بالنور والخير في سائر العصور، ولم ينقطع منها الخير ولن ينقطع بإذن الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وهذا كما روى الإمام مسلم عن أبي سعيد الخدري وابن عمر وأَبِي هُرَيْرَةَ يقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لا يصبر أحد عَلَى لأواء المدينة فيموت إلا كنت له شفيعاً أو شهيداً يَوْمَ القِيَامَةِ) .
واللأواء هي: الشدة والمرض والنصب الذي قد يصيب ساكن المدينة ، وقد أصيب الصحابة الكرام بها، ومنهم: أبُو بَكْرٍ وبلال وغيرهم بهذه اللأواء أول ما سكنوها، ودعا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأن يبارك الله في المدينة وأن يبارك في مدها وصاعها وأن تنقل حماها إِلَى الجحفة ، وأيضاً أصيب عدد من الناس، وكذلك الأعرابي الذي جاءه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وزاره وقال له: طهور، فقَالَ: بل حمَّى تفور...إلى آخر ما صدع به، فَقَالَ له النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فكذلك إذاً ، وهذا كَانَ مما يعيق هجرة المهاجرين إلا من كَانَ فيهم قوي الإيمان ثابت العزيمة.
• أن يصلى عليه جمع من المسلمين
ومن الأعمال التي تكون سبباً لحصول الشفاعة لصاحبها يوم القيامة:
أن يصلي عليه جمع من الْمُسْلِمِينَ، وقد ثبت ذلك عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما في صحيح مسلم عن عَائِِِشَةَ وأنس وابن عباس أنه قال: (ما من ميت يصلى عليه أمة من الْمُسْلِمِينَ يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه) هذه الرواية "مائة" وفي رواية ابن عباس وحده "أربعون" .
ولو أخذن بالرواية الأكثر فنقول: إن من صلى عليه مائة من الْمُسْلِمِينَ المؤمنين الموحدين فإنهم يشفعون فيه فيغفر الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى له بشفاعتهم، وهذا يدلنا عَلَى فضل صلاة الجنازة وعلى أن العبد المسلم -ينتفع بإذن الله- بدعاء إخوانه له وبصلاتهم عليه، كما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) ، فلهذا كَانَ من أفضل الأعمال ومن خيرها، ومن حق المسلم عَلَى المسلم أن يشيع جنازته وأن يصلى عليه.
وهذا من فضل التعاون عَلَى البر والتقوى، ومن فضل قيام الْمُسْلِمِينَ كل منهم بحق أخيه عليه، وما أكثر ما ضيعت حقوق الْمُسْلِمِينَ بعضهم عَلَى بعض، فالجار لا يقوم بحق جاره، والزوج لا يقوم بحق زوجته، والأخ لا يقوم بحق أخيه، والابن لا يقوم بحق أبيه، وهكذا إلا ما رحم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وقليل ما هم.
• هذه الأعمال تشمل جميع الأعمال
لو تأملنا الأعمال السابقة لوجدنا أنه قد نبه عليها لعظمها، ولأنها تشمل جميع الأعمال في الحقيقة؛ فتحقيق التوحيد يشمل كل الأعمال لأنه لا يحقق التوحيد تحقيقاً كاملاً إلا من اجتنب الكبائر، ولهذا كَانَ بعض السلف يسمي الذنوب جميعاً شركاً، ويقول: ما عصى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أحدٌ إلا وقد اتبع هواه، وهذا نوع دقيق من الشرك، فهو عبودية القلب لغير الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى باتباع الهوى، فهذا وإن كَانَ لا يسمى شركاً في الاصطلاح ولا يترتب عليه أحكام الشرك لكنه نوع دقيق من الشرك.
ومن حقق التوحيد، أي: من كَانَ قلبه متمسكاً بالتوحيد، والإخلاص لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى رجاءً وخوفاً وإنابةً ورغبةً ورهبةً وتوكلاً وإجلالاً وتعظيماً؛ فإنه لا يرتكب هذه الكبائر والموبقات، وإن ارتكب شيئاً منها، فإنه سرعان ما يعود، ويستغفر ربه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ويتوب إليه، ويمحو تلك السيئات بهذه الحسنات.
وكذلك قراءة القرآن: فالذي يقرأ القُرْآن سوف يقرأ التوحيد، والوعد والوعيد والحلال والحرام، والآداب والعبر، وقصص الأَنْبِيَاء ويقرأ الحكمة التي أنزلها الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في هذا الذكر الحكيم، ويقرأ كل ما من شأنه أن يجعله مطيعاً لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في جميع أموره، فيقرأه قراءة المتفقه المتدبر العامل به فيكون يَوْمَ القِيَامَةِ شفيعاً له، فالقرآن يرجع الخير كله إليه.
وكذلك الصلاة عَلَى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وخاصة في هذا المقام بعد الأذان، وعندما يقولها الإِنسَان بعد سماع هذا النداء وهذا الذكر، ولما أن تعودنا عليه أصبحنا لا نستغربه، وإلا فهو أمر عجيب لمن تأمله، فكلمة "الله أكبر" تتردد في هذه البيوت التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، تتردد في أرجاء الفضاء في كل يوم خمس مرات، هذا الذكر بهذه القوة وبهذا الارتفاع وبهذا العلو حدث عجيب.
والذين لم يعرفوا هذا الذكر ولا قيمته كمن كَانَ في الجاهلية قبل أن يشرع الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هذا الآذان أو في الجاهلية الحديثة إذا ذهب الإِنسَان إِلَى بل اد الكفر وافتقد الأذان عندما يعود إِلَى بلاد الإسلام ويسمع الأذان يشعر برهبة هذا الصوت ويتمنى أن يرتفع اسم الله وذكر الله في أجواء الدنيا ويسمعه النَّاس جميعاً.
ولهذا بعده يقول المؤمن هذه الصلاة عَلَى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي جاءنا بهذا النور وبهذا الذكر والذي رفع الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى اسمه وقرن اسمه به في هذا النداء العظيم، فالصلاة عَلَى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذا الموضع العظيم موضع حث للنفس عَلَى أن تجيب نداء الله وتجيب داعي الله، وتذهب إِلَى بيت الله وتأتي بهذا الركن العظيم الذي هو عمود الإسلام كما قال تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45] فهذه الصلاة من أداها حق الأداء وحافظ عليها، فإنها تكون له حصناً من الوقوع في الفواحش ما ظهر منها وما بطن، إذاً فلها علاقة بمعظم الأعمال الصالحة.
وكذلك من سكن المدينة أيضاً وهذه فضيلة لهذه البلدة الطاهرة، وبالأخص للجيل الأول الذي كَانَ يهاجر إِلَى المدينة ويصبر عَلَى لأوائها فإنه بطبيعة الحال يعبد الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ويطلب العلم من هذا البلد الذي لم ينقطع منه العلم ولن ينقطع بإذن الله، فيكون أقرب إِلَى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وإلى العمل بالكتاب والسنة منه في أي بلد آخر، عندما يكون في هذه البلدة التي شهدت قيام المجتمع الإسلامي الأول، وشهدت دعوة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحياته من المهاجرين والأنصار، ولا تزال فيها تلك الأماكن التي أمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأن تزار فضلاً عن المسجد النبوي، وكذلك هناك قباء وهناك البقيع وهناك شهداء أحد وأمثال ذلك، وهذا يستدعي منه المداومة عَلَى الأعمال الصالحة والقربات التي فعلها أُولَئِكَ الجيل الفاضل.
وكذلك الصلاة عَلَى جنازة المؤمن: هذا الجمع من المؤمنين -الذين يصلون عَلَى أخيهم الميت- إذا صلوا عليه، وهم بقلوب خالصة لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وبدعاء وتضرع إليه؛ فإن هذا لا يكون أيضاً إلا ممن حقق الإيمان وممن حقق التوحيد، فهذا يقتضي أن يكون هَؤُلاءِ الداعون عَلَى هذه الدرجة من الفضيلة، وليس أي داعٍ أو مصل كمن صلّى ودعا وهو من أهل الدرجة الفضلى في التقوى والإحسان والإيمان.
• ما يمنع من الشفاعة يوم القيامة
بقي أمر نُص عليه في الأحاديث يمنع صاحبه من أن يكون شفيعاً، فقد روى الإمام مسلم عنأبي الدرداء رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قَالَ: (إن اللعانين لا يكونوا شهداء ولا شفعاء يَوْمَ القِيَامَةِ) واللعانون بصيغة المبالغة أي: الكثير اللعن؛ لأن اللعن لا يكون إلا من التشكي والغضب ومن ضيق النفس فيكثر الإِنسَان من اللعن، حتى يلعن الرجل زوجته، ويلعن ابنه، ويلعن ثوبه والعياذ بالله، فهذا اللاعن المتسخط الغضوب، الذي يأتي الشيطان عَلَى لسانه بهذه الكلمة، لا يكون يَوْمَ القِيَامَةِ شهيداً ولا شفيعاً.
ومن هذا أيضاً نستنتج كما استنتجنا في الأو ل أنه ليس هذا هو العمل الوحيد الذي إذا فعله صاحبه أنه لا يشفع، فجدير بمن ارتكب الكبائر أن لا يكون شهيداً ولا شفيعاً؛ لأن من أتى بالموبقات والكبائر، فإنه يستحق دخول النَّار، إلا أن تشمله رحمة الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى إذا دخل النَّار، فهذا غاية ما يرجى له أن ينال الشَّفَاعَةَ.
أما أن يشفع فذلك لا يكون، فمن ارتكب هذه الموبقات، فقد وضع نفسه في منزلة المحروم من أن يكون شفيعاً عند الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وهذه الخصلة التي نبه عليها هذا الحديث تدلنا عَلَى ما ورائها، وأن العبد لا يكون شفيعاً إلا بمقدار قربه من الله، ولهذا أعظم الشفعاء هو النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأنه أكثر الخلق عبادةً وتقوى ومعرفة بالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ثُمَّ من بعده الأمثل فالأمثل من الأَنْبِيَاء والصالحين، نسأل الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى أن يجعلنا من المقربين إليه ومن عباده الصالحين إنه سميع مجيب.
2 - الناس في الشفاعة على ثلاثة أصناف
يقول المصنف رحمه الله :
[ ثم إن الناس في الشفاعة على ثلاثة أقوال: فالمشركون والنصارىوالمبتدعون من الغلاة في المشايخ وغيرهم يجعلون شفاعة من يعظمونه عند الله كالشفاعة المعروفة في الدنيا، والمعتزلة والخوارج أنكروا شفاعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وغيره في أهل الكبائر.
وأما أهل السنة والجماعة فيقرون بشفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم في أهل الكبائر وشفاعة غيره، لكن لا يشفع أحد حتى يأذن الله له ويحد له حداً، كما في الحديث الصحيح، حديث الشفاعة {إنهم يأتون آدم، ثم نوحاً ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، فيقول لهم عيسى عليه السلام: اذهبوا إلى محمد، فإنه عبد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني، فأذهب، فإذا رأيت ربي خررت له ساجداً، فأحمد ربي بمحامد يفتحها علي لا أحسنها الآن، فيقول : أي محمد ارفع رأسك، وقل يُسمع، واشفع تشفع، فأقول: ربي أمتي فيحدُّ لي حداً، فأدخلهم الجنة، ثم أنطلق فأسجد فيحد لي حداً ) ذكرها ثلاث مرات ] اهـ.
الشرح :
يقول رحمه الله : ثم إن الناس في الشفاعة على ثلاثة أقوال.
فذكر النوع الأول وهم: (المشركون والنصارى والمبتدعون من الغلاة في المشايخ وغيرهم، فهؤلاء يجعلون شفاعة من يعظمونه عند الله كالشفاعة المعروفة في الدنيا) وهؤلاء هم الذين أثبتوا الشفاعة، ولكنهم غلوا فيها حتى جعلوها لغير أهلها وفي غير موضعها، فجعلوا شفاعة من يعظمونه من نبي أو عبد لله صالح كالحال مع من يشفعون في الدنيا إلى ملوك الدنيا، وهذه الشبهة التي يرددها الشيطان دائماً على لسان عباد القبور أو عباد الأولياء، تجد الإنسان منهم إذا قلت له: يا فلان لا تدعو غير الله، يقول لك: أنا ضعيف وجاهل، وذنوبي كثيرة فأنا لا أجرؤ أن أدعو الله سبحانه وتعالى مباشرة، ومن جهلي لا أستطيع أن أدعو الله بالدعاء الذي يليق بالله سبحانه وتعالى.
فيقول: فأنا أتوسل إلى الله بالشيخ فلان، فهو يوصل إلى الله سبحانه وتعالى حالي، ويشرح له سؤالي، لما له من المنزلة العظيمة عند الله التي ليست لي فيستجيب الله لي بواسطة فلان من الناس، حتى أنهم جعلوا الدعاء الصريح مجرد توسط كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله، فهو يدعو غير الله بـ"يا فلان" وهذا دعاء صريح كما يقول العبد المؤمن : يا رب! وهذا يقول: يا فلان! فإذا قلت له: لم تفعل ذلك؟
قال: أنا لم أدعه بذاته بل أنا أقصد التوسط والتوسل به إلى الله سبحانه وتعالى، فهؤلاء جعلوا أن شفاعة من يعظمونه عند الله كالشفاعة المعروفة في الدنيا وهي أن الملوك أرباب السلطة ومن شابههم لا يعرفون حال الناس جميعاً بطبيعة الحال ولا يعرفون حاجة فلان أو غناه ولا يعرفون صدقه أو كذبه، فكيف يعطون أو يمنعون؟ فيأتيهم من يعرفوه ويعظموه ويثقوا فيه فيقول: أيها الملك! هذا فلان من الناس حاله كذا، وشأنه كذا، فأعطه فيعطيه، وقد تكون الشفاعة بالعكس فيطلب منعه فيمنعه فإما أن يعطي وإما أن يمنع بناءً على ما أخبره به ذلك الوسيط، الذي لولاه لما علم بحقيقة حال ذلك الرجل، فهذا لا يعلم الحال، بل هو محتاج بطبيعته إلى من يخبره عن حال هؤلاء السائلين، ولأنه لا يملك كل شيء فيعطي كل الناس فتقتصر عطاياه، على من يحبون لكن كيف الحال مع الله سبحانه وتعالى والخلائق كلها تطلب الرزق وتسعى وتغدوا إليه؟
أولاً: رزقها جميعاً على الله، ويعلمها وهي أمم أمثالنا كما أخبر الله سبحانه وتعالى فهو الذي يرعاها ويرزقها ويعلم أحوالها وكل ما تحتاج إليه وهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه ولو كان فاجراً كافراً.
فمن دعاه دعاء اضطرار في ظلمات البر أو البحر استجاب له ونجاه من الكرب وكشف عنه الغم بفضله لأنه هو رب العالمين، فلو لم يرزقهم ولو لم يتفضل عليهم ولو لم يكشف كربهم وينجيهم، فمن الذي يفعل ذلك غيره هل من رب سواه يفعل ذلك؟!
لا؛ حتى وهم كفار فجار يحاربونه إذا صدقوا في أنه ملجأ منه إلا إليه، فإنه لا يردهم خائبين، فالتوحيد كما يقول ابن القيم رحمه الله في كتاب الفوائد : مفزع أوليائه، ومفزع أعدائه، فإذا جاءت الشدة والكرب والغم والضنك لجأ إليه أولياؤه ولجأ إليه أعداؤه ويتوسلون إليه بالتوحيد ويدعونه وحده فيكشف عنهم ذلك الغم والكرب كما قال تعالى : فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ [الأنعام:41] .
ثانياً: أن الله سبحانه وتعالى عنده خزائن كل شيء لا تنفذ، فليس مثل ملوك وأغنياء الدنيا الذين لا بد أن يعطوا وأن يحرموا، وهذا في حق الله، فهو الذي لا تنتهي خزائنه وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ [الحجر:21] وقال في حديث أبي ذر : ( يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا على صعيد واحد، ثم سألوني فأعطيت كل واحد منهم مسألته ما نقص ذلك من ملكي شيئاً إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر ) سواء كانوا على هدى، وتقى، أو على ضلال وعصيان، فالله سبحانه وتعالى يتفضل عليهم جميعاً كما قال : كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً [الإسراء:20] فهو الغني سبحانه وتعالى كل الغنى يَا أَيُّهَا النَّاس .ُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر:15] فهو الذي غناه غنىً مطلقاً، وهو الذي لو سأله الخلق جميعاً فأعطى كل واحد مسألته ما نقص ذلك من ملكه شيئاً.
إذاً: كيف يشبه بملوك الدنيا بأن يطلب ما عنده من الرزق والفضل والخير عن طريق الوسطاء، وأعظم من ذلك: أنه جل شأنه قد أمر الناس أن يدعوه مباشرة كما قال : وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60]، بل جعل دعاء غيره شركاً أكبر وجعله محبطاً للأعمال ومبطلاً لها، فمع هذا البيان في كتاب الله عز وجل بأن هذا شأنه وهذه صفته وأنه سبحانه وتعالى يأمر عباده أن يدعوه كما قال تعالى : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186] فما حال من يذنب فلا يدعو ربه، بل يدعو غيره سبحانه وتعالى!
ولو زعم أنه يتوسط به إلى الله سبحانه وتعالى فهذا من الضلال الذي قال الله تعالى فيه : وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ [الرعد:14] ولهذا يأتي هؤلاء المشركون يوم القيامة فيؤمرون بأن يدعو شفعاءهم ويدعو شركاءهم، ولكن أنَّى لهم ذلك: قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً [غافر:74] أين هم ؟
فيقولون: لم نكن ندعو أي مخلوق، ولم نكن نعبد شيئاً، فما هي إلا أسماء سموها، وأوهام توهموها لا حقيقة لها أبداً، فهي ظنون وخيالات باطلة ليس لها من حقيقة وليس لها من واقع، فلا يجدون يوم القيامة من شفيع ولا ولي ولا حميم يطاع، ولكن أهل التوحيد يجدون ذلك الرب الرحيم الكريم سبحانه وتعالى الذي يدخل من حقق التوحيد منهم وأخلص له وحده الجنة بغير حساب ولا عذاب، وهنالك يندم المجرمون ويتحسر المشركون

إنتهى

...




ضع تعليق بحسابك فى الفيس بوك



  رد مع اقتباس
قديم منذ /09/04/2008, 05:54 PM   #2

عضو جديد

شمريه عسل غير متصل

افتراضي رد: اتباع السنن المحمدية واجتناب البدع

 

جزاك الله كل خير



  رد مع اقتباس
قديم منذ /09/04/2008, 06:31 PM   #3

(( سيد الشخصيات ))

خالد سفنجه غير متصل

افتراضي رد: اتباع السنن المحمدية واجتناب البدع

 

مشكور على مروركم الرائع أشكركم وانا اخوكم قبل ان اكون عضووو



  رد مع اقتباس
قديم منذ /10/04/2008, 01:36 AM   #4

عضو جديد

بحوووره غير متصل

افتراضي رد: اتباع السنن المحمدية واجتناب البدع

 

جزاك الله خير اخوي



  رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
المحمدية, البدع, السنن, اتباع, واجتناب

جديد منتدى سلامٌ عليك يارسول الله ( أشهد أنك قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة )

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
من السنن المنسية للرسول صلى الله عليه وسلم للشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله خالد سفنجه سلامٌ عليك يارسول الله ( أشهد أنك قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة ) 4 17/12/2007 01:31 PM


الساعة الآن 06:09 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2012, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.6.0
تنويه هام : الموقع يحمل إسم سمو الأمير الوليد بن طلال حبا فى شخصه وفكره ولا ينتمى لا من قريب أو من بعيد بشخصه الكريم ولا توجد أى علاقة بنا سواء مباشرة أو غير مباشرة بين سموه وبين ادارة الموقع