جمال أحمد خاشقجي :
إذا توقعت أن باراك أوباما سيخسر لأنه أسود أو لأن اسمه الأوسط حسين، وأن الأمريكي الأبيض سيصوت ضده رغم قناعته أنه الأقدر فور ما يختلي بنفسه وراء ستارة، فأنت حينها "نمطي" أو كما يقول أهل الحداثة لا تزال تفكر داخل النسق. وفي قول عامي "دقة قديمة".
العالم يتغير فكرا وإيمانا وسلوكا مثلما يتغير تقنية وإدارة واختراعات، وما حصل في الولايات المتحدة أمس هو من علامات هذا التحول، ويجب أن ننتبه إلى ذلك، ويشير إلى تغيرات أخرى حصلت وستحصل في العالم.
ونحن كسعوديين وعرب ومسلمين يجب أن نتوقع هذه التغيرات. بل سنعيد ترتيب حياتنا وقراراتنا على أساسها. لقد حصل بعضها وبتنا نعيشه دون أن ننتبه لذلك. فرضتها علينا التحولات في السياسية الدولية وتقنيات الاتصال الحديثة والأهم من ذلك كله التطور الإنساني. فالإنسان هذا الكائن الغريب لم يتوقف عن التطور منذ أن أرسله الله عز وجل إلى الأرض قبل عدة آلاف من السنين، وتطوره ليس فيزيولوجياً وحسب، وإنما عقل وإدراكات وتجارب.
والذين يصنعون التحولات التاريخية هذه هم رجال يتمتعون برؤية واسعة مستقبلية، أحياناً يساهمون في التغيير وأحياناً أخرى يمتلكون الشجاعة أن يعلنوا لعالمهم بحصول التغيير. ذلك أن عالمهم يمارس ما يسميه علماء النفس "حالة إنكار" داخلية عميقة، فيحتاجون إلى من يهزهم ويوقظهم.
هل انتبهت أخي السعودي أن الحروب الدينية انتهت؟
وأن العالم لم يعد مستعداً للقبول بها؟
ملكنا عبدالله بن عبدالعزيز انتبه لذلك، ولديه الشجاعة أن يعلن ذلك، والمقدرة أن يقود شعبه وأمته إلى عالم جديد يقوم على الإيمان بالله والاعتزاز بالإسلام مع احترام حرية الآخرين في معتقداتهم، وأن العلاقة بين البشرية يجب أن تقوم على التعاون الإنساني في إطار الجامع المشترك الأكبر بينهم، وليس الصراع. وأن سنة التدافع التي قدرها الله عز وجل لا يجب أن تكون دوما بسبب الدين، وإنما تمضي تنافسا في اقتصاد وعلم ومصالح.
لقد أعلن بعض ذلك في مدريد قبل أشهر وسيعلن المزيد من تفاصيل رؤيته الخيرة لعالمه المسلم، وللعالم كله من على منبر الأمم المتحدة بعد أيام قليلة في نيويورك.
فهل لدينا الشجاعة لتقبل ذلك والعمل بمقتضاه مثلما فعل الأمريكي الأبيض عندما دخل خلف الستارة لينتخب رئيسه الأسود، ابن المهاجر المسلم القادم من كينيا.
بعض الأمريكيين فشلوا في ذلك، وانتخبوا المرشح الناصع البياض لبياضه رغم أنه شريك في السياسة التي جلبت كوارث الحروب والفساد الاقتصادي وتغلُّب مصالح الرأسمالية على مصالح الناخب.
بعضهم أثار باراك بن حسين أوباما فزعه رغم بذلته الأنيقة وخطابه الأمريكي البليغ، إذ إنه لا يزال يعيش في النسق القديم، مازال يعيش مع بن لادن في الفسطاطين اللذين لا يراهما يلتقيان.
لعل الأمريكي الذي صوت لأوباما يريد أن يرسل لنا رسالة نحن المسلمين، يقول لنا إنه يريد مصالحة مع التاريخ، مل من خطاب بن لادن وبوش معا، ويريدنا في شراكة إنسانية معه، ولكنه مثلنا يعاني وهو يخرج من النسق فتجده يتلكأ في الخطى والحديث، لنشجعه ولنتوقف عن الحديث في الفسطاطين.
وللتاريخ عجائبه، إذ يتلاقى في صدف نادرة مشكلا حدثا يغير به وجه الإنسانية في تقاطعات واحدة في زمن واحد، هذا الشهر نوفمبر، انتخب رئيس أسود لأمريكا ليعلن التاريخ قطيعة مع العنصرية التي سادت العالم والتاريخ لآلاف السنين جعلت الأبيض سيداً والأسود عبداً، حتى عندنا..
لم لا نعترف بالحق؟!
الحدث الثاني سيكون بعد أيام بإعلان نهاية الحروب الدينية التي شكلت العلاقات الدولية قروناً، خاصة العالمين الإسلامي والمسيحي منذ أن تماسا أول مرة قبل أكثر من 1400 عام، عندما يخاطب عبدالله بن عبدالعزيز إمام بلاد الحرمين، وأبرز زعماء المسلمين قادة العالم سياسة وديناً من على منبر الأمم المتحدة بعد أيام.
فهل يستطيع رجل واحد وإن كان زعيما تحويل ما يعتقده البعض قدرا خطه الله على أرضه؟
نعم إذا كان أقنعهم أن قدر الله الذي خطه هو السلام وليس الحرب. يستطيع أن يفعل ذلك إذا آمن شعبه بذلك، وقدم خطاب السلام في الإسلام في صورته الحقيقية الناصعة، على أي خطاب آخر.
العالم كله يتغير وليس أمريكا وحدها، ومن يصر على ما يعتقده "ثبات" سيتكلس، سينزوي مع أمريكي متعصب في ألاباما أو تكساس يلعن الساعة التي وصل فيها حسين أوباما إلى ولاية هاواي البعيدة عنه، ويولد له ابن فيصبح أمريكيا يكون إحدى علامات ساعة التغيير الآتي على عالم جميل صنعه الله للسلام والحب.
الوطن 6/11/2008
ضع تعليق بحسابك فى الفيس بوك |
|
|